![]() |
Sign up for a free web hosting account at 741.com |
أجرى المقابلات أحمد منصور

___________________________________________________________________________________________________
١
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة مع ضيف جديد في برنامج (شاهد على العصر) شاهدنا على العصر في هذه الحلقة والحلقات القادمة الشيخ أحمد ياسين (مؤسس وزعيم حركة المقاومة الإسلامية- حماس) مرحباً فضيلة الشيخ.
أحمد ياسين: أهلاً..
أحمد منصور: ولد الشيخ أحمد ياسين في إحدى قرى قطاع غزة عام 1938م، وفي بدايات شبابه تعرض لحادث أصابه بالشلل التام، إلا أنه أكمل دراسته، وعمل مدرساً للغة العربية بعد حصوله على الثانوية العامة، سعى لإكمال دراسته في جامعة عين شمس في مصر، إلا أنه لم يتمكن من إكمالها بسبب ظروف عديدة ألمت به، عمل رئيساً للمجمع الإسلامي في غزة، وعرف الشيخ أحمد ياسين كواحد من أبرز الخطباء الذين عرفتهم غزة خلال العقود الماضية، أعتقل 1982م بتهمة حيازة أسلحة وتشكيل تنظيم عسكري، وأصدرت عليه المحكمة الإسرائيلية حكماً بالسجن ثلاثة عشر عاماً، إلا أنه أفرج عنه في عام 1985م في إطار عملية تبادل للأسرى بين سلطات الاحتلال الإسرائيلية والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة، بعدما أمضى في السجن أحد عشر شهراً.
”
ألقت القوات الإسرائيلية القبض على أحمد ياسين ليلة الثامن عشر من مايو عام 1989 وحكم عليه بالسجن المؤبد مدى الحياة مع إضافة خمسة عشر عاما بتهم عديدة أبرزها اختطاف جنود اسرائيليين وقتلهم
”
أسس الشيخ أحمد ياسين مع مجموعة من النشطاء الإسلاميين حركة المقاومة الإسلامية حماس مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية عام 1987م داهمت قوات الاحتلال الإسرائيلية بيته في أغسطس عام 1988م، وقامت بتفتيشه، ثم ألقت القبض عليه ليله الثامن عشر من مايو عام 1989م، وبعدها حكم عليه -أصدرته محكمة عسكرية إسرائيلية في شهر أكتوبر عام 1991م- حكماً عليه بالسجن المؤبد مدى الحياة مع إضافة خمسة عشر عاماً بتهم عديدة أبرزها اختطاف جنود إسرائيليين وقتلهم، وتأسيس حركة المقاومة الإسلامية حماس بجهازيها السياسي والعسكري، سعت حركة حماس إلى الإفراج عن الشيخ ياسين عبر مجموعة من محاولات الاختطاف لجنود إسرائيليين، إلا أنه أفرج عنه يوم الأربعاء الأول من أكتوبر عام 1997م بموجب اتفاق تم التوصل إليه بين الأردن وإسرائيل في عملية تبادل لعميلين للموساد حاولا اغتيال خالد مشعل (رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في الأردن) مقابل الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين، الذي أطلق سراحه منذ ذلك الوقت، وبدأ يمارس نشاطه السياسي مرة أخرى.
شيخ أحمد، أود أن أبدأ معك من هناك من قرية الجورة التي ولدت ونشأت وترعرعت فيها، كيف كانت ولادتك ونشأتك؟ وكيف كانت البيئة التي ترعرعت ووعيت فيها؟
أحمد ياسين: الحمد لله كانت بداية حياتي.. الميلاد في عام 1936م، في العام الذي كان يسمى في فلسطين عام الإضراب الذي استمر ستة أشهر، تحدثت والدتي
-رحمها الله- أنها رأت في منامها حين حملت بي هاتفاً يقول لها: أنت حملتي فإذا وضعيته فأسمي المولود أحمد، واحتفظت لنفسها بهذا الهاجس والرؤيا في النوم حتى إذا ما تم الميلاد اسمتني أحمد، فثارت عليها ضرائرها وسلافاتها، لماذا تسميني بهذا الاسم؟
أحمد منصور[مقاطعاً]: لماذا؟
أحمد ياسين: وخاصة أن في العائلة كان رجل من أقاربنا اسمه أحمد كان شديد البطش،كان مكروهاً، فرفضن أن يكون اسمي أحمد بهذا الاسم، إلا أن الوالدة يرحمها الله أصرت على أن تسميتي كما كان الهاتف قد هتف بها في أول حملها، وكان الميلاد من فضل الله في صيف سنة 1936م، أنا لا أذكر جيداً يوم الميلاد، ولكنه تقريباً كان في شهر 6، في الشهر السادس من عام 1936م.
أحمد منصور: في شهر يونيو.
أحمد ياسين: نعم، وطبعاً والحمد لله بدأت أنمو في أسرة طيبة هادئة، تعرف تعلم أن أهل الجورة أهل فلاحة وزراعة وبحرية..
أحمد منصور[مقاطعاً]: القرية أيضاً.
أحمد ياسين: يعملون في البحر.
أحمد منصور: ما هي البلد التي ولدت ونشأت وترعرعت فيها؟
أحمد ياسين: أنا ولدت في قرية جورة عسقلان، يعني هي على أرض عسقلان المدينة القديمة التاريخية، والتي طبعاً كان لها تاريخ كبير في التاريخ الفلسطيني، طبعاً أنا بدأت حياتي صغيراً، والحمد لله كانت الوالدة إنسانة مؤمنة وطيبة، الوالد أنا لا أعرفه جيدا لأنه مات قبل أن يكون لدي الوعي الكافي في معرفته.
أحمد منصور: كان عمرك كم؟
أحمد ياسين: ربما مات الوالد وأنا عمري أربع إلى خمس سنوات، أنا لا أتصوره الآن، وكانت التربية منوطة بالوالدة –رحمها الله- والحمد لله يعني بدأنا حياة طيبة ونحن صغار، طبعاً كان ذلك في الحرب العالمية الثانية، فعايشت الجيش البريطاني وهو يأتي إلى فلسطين، ويستجم على ساحل البحر، كنا نذهب إلى البحر معهم، وكنت من الأطفال المقربين جداً، لقائد المعسكر في ذلك الوقت، لا أدري لماذا، لا أدري من دون أبناء القرية.
أحمد منصور: كيف كان شكل هذا التقارب؟
أحمد ياسين: لا أدري.. أنا أذهب إلى معسكر الجيش فيستقبلني الكوبرول هناك استقبال غير الأطفال كلهم، وأدخل المخيم وأعبث فيه كما أشاء، فإذا نزلوا إلى البحر للسباحة أخذوني معهم، وأذكر مرة أنني نزلت قبلهم بثوان إلى الماء فغرقت وأخذت أشرب الماء، فقفز القائد ونزل عندي وانتشلني من الماء، فأنظر إلى الماء إذا به إلى ركبتيه!
أحمد منصور: يعني الإنجليز أنقذوا حياتك؟!
أحمد ياسين: آه بس كان يعني المية إلى الركبة عنده هو، وأنا غرقان بأشرب ماء.
أحمد منصور: هل تتذكر كم كان عمرك في ذلك الوقت؟
أحمد ياسين: يعني هذا الكلام في خمس.. ست سنوات، طبعاً في هذا الوقت طبعاً بالذات كانوا بيسموني في.. يعني أهل الجورة بأعرف إنه كانوا بينادوني عبد الله بلبل اللاميم هذه العبارة كانوا بيطلقوها البريطانيين عليّ في ذلك الوقت، لأن بيتنا كان على الطريق الأسفلت المؤدي إلى البحر، بيننا وبين البحر معدل بس 200ن 300 متر، ولذلك كان الأمر قريب عليّ إني أنزل إلى البحر ونشاهد.
أحمد منصور: يعني هذا الاسم أطلقه عليك البريطانيون؟
أحمد ياسين: كثير من أهل بلدنا يعرفوا هذا التاريخ، الناس الكبار يعرفوا هذا التاريخ، طبعاً كنت أدخل المعسكر، أدخل المطعم، أحضر الطعام لأبناء القرية وأناولهم من فوق السلك، أجيب علب بلوبيف، مش عارف علب إيش وأعطيهم، يعني ما فيش منهم حد يستجري يدخل المخيم إلا أنا، وهذا من فضل الله –سبحانه وتعالى- طبعاً أنا بذلك تعلمت شوية إنجليزي أيامها، وصرت أتكلم لغة كويسة، فلما ذهبت إلى المدرسة كان دخول المدرسة ذلك الوقت من العام السابع، لم يكونوا يقبلوا أقل من سبع سنين، فلما ذهبت إلى مصر كل الأطفال صاروا يقولوا للأستاذ هذا بيحكي إنجليزي يا أستاذ، فصار يسألني وأنا أجاوبه في كل الحاجات اللي بأعرفها يعني، والحمد لله دخلنا المدرسة وتعلمنا.
أحمد منصور: شيخ، قبل مرحلة المدرسة، هل كنت حينما كنت تذهب إلى المعسكر الخاص بالبريطانيين، ما هي مشاعرك، هل كنت تشعر أن هؤلاء محتلين ويأخذون جزءاً من بلدك؟
أحمد ياسين: لم أكن أعرف محتلين ولا غير محتلين، أنا طفل صغير أجد متعة في الذهاب إلى البحر، في اللعب هناك.. بس فقط أنا لم أكن أعرف ذلك الأمر احتلال وما كانش عندي هذا الوعي، كان عندي هذا الفكر.
أحمد منصور: إلى المدرسة.
أحمد ياسين: طبعاً دخلت المدرسة، وبدأت رحلتي التعليمية في المدرسة، ومضيت طبعاً في هذه الفترة حتى أنهيت الصف الرابع الابتدائي في مدرسة الجورة الابتدائية اللي كان فيها حتى الصف السادس، وانتقلت إلى الصف الخامس وطبعاً استلمنا الكتب، وبدينا أول شهر، وبدأت النكبة والرحيل من الجورة إلى منطقة غزة.
أحمد منصور: اللي هي حرب 48 النكبة الأولى.
أحمد ياسين: آه 48.
أحمد منصور: النكبة الأولى.. كنت وقتها في الصف الخامس الابتدائي؟
أحمد ياسين: كنت لسه مترفع إلى الصف الخامس، أصل الجورة تعرضت لهجمات من الطائرات من الإسرائيليين، فكان فيها دمار مش قليل في البيوت والمساكن، وما بأعرفش كان مقصود ضرب الجورة بالذات أو كان المقصود ضرب المجدل، لأنه كانت المدفعية للجيش المصري.. تهاجم الطائرات وهي متجهة إلى المجدل فإذا ما تضايقت ألقت بحملها على الجورة، ما بأعرفش هو يعني مخططة وغيره، لكن الجورة أصيبت، فأخذ الناس يرحلوا من البلد إلى الكروم والحقول حول البلد بعيداً عن هجمات الطائرات، وطبعاً إحنا كنا من الناس اللي طلعنا من البيت إلى عسقلان، ما هي عسقلان يعني (…) مرتفع شوية، وطبعاً فيه ذكريات كثيرة في ذلك الوقت، لأنه أيام في تلك الفترة كان الجيش الإسرائيلي قد قطع الطريق على الجيش المصري عند ديرسنيت، هناك عند ديرسنيت قطع الطريق على الجيش المصري، فالجيش المصري أخذ ينقل (...) عن طريق البحر عن طريق الجورة لأنه السفن بتاعتنا كانت (...) الجنود اللي واخدين إجازات والضباط إلى مصر إلى البواخر من الجورة.
أحمد منصور: يعني صارت قريتكم هي مركز للتمويل وللتنقل؟
أحمد ياسين: مركز أيوه.. عن طريق تمويل الجيش المصري اللي محاصر من ديرسنيت إلى من بيت حانون يعني إلى الدود. يعني أذكر من التحف اللي رأيتها إنه كان باخرة مصرية بتنزل وقود وإمدادات وبتاخد ضباط وجنود إلى مصر معها ، فجاءت ثلث بواخر إسرائيلية وحاصرتها في البحر من كل الاتجاهات، طبعاً القائد لما شاف الحصار حواليه أوقف الإنزال، وبدأ يرمي براميل البترول إلى البحر، وبعدين بدأ هجومه على البواخر الثلاثة.
أحمد منصور: هو فقط.
أحمد ياسين: هو لحاله طبعاً، وأخذ يضرب ضربات قاصمة في الثلاثة حتى فرت من أمامه، وفتح خط الانسحاب وخرج من بين.. كان منظر جميل جداً.
أحمد منصور: أنت رأيت هذا بنفسك.
أحمد ياسين: بعيني، كما رأيت يمكن معركة ثانية، كنت بأجلس يومها على قمة جبل عسقلان، كان معايا عنزة صغيرة بأرعى فيها وقاعد بأتفرج كده، وإذا بباخرة مصرية أمامي، أنا على التل وهي قدامي يعني زي البركة جاءت طائرة إسرائيلية تهاجم الباخرة المصرية، تختفي ورا الجبل ثم تهجم عليه، إلا إنه الحقيقة كان القائد ممتازاً جداً، إنه كان يعمل حركات لطيفة بحيث إن القنابل اللي تلقى تنزل في البحر، ما تجيش على الباخرة، حتى الطائرة...
أحمد منصور: رغم الحركة البطيئة للباخرة!
أحمد ياسين: آه.. يعني يلف لف دائري مش يمشي أمام خلفي كان يلف دائري بحيث القنبلة تسقط في البحر اللي تلقى عليه، فكان عليه فكان بعد يمكن ما الطائرة استنفدت بنزينها أو كادت، فتركته ومشت ومشي فكان حاجة لطيفة، وأنت بتتفرج معركة بحرية جوية إشي طيب خالص، والحمد لله يعني كانت فترة لسه إحنا ما كناش على وعي كافي بالقضية.
أحمد منصور: لكن كنت تميز حينما شاهدت هذه المعارك، كيف كانت مشاعرك وما هي أحاسيسك وأنت تشاهد هذه المعارك؟
أحمد ياسين: طبعاً إنت عارف كلايتنا في تعبئة وحب لإخواننا في الجيش المصري اللي كان بيقاتل في ذلك الوقت، وبيدفع ثمن غالي وشهداء كثيرين في كل معاركه، لكن المشكلة إنه الخيانة ماكانتش عند حدود، لإنه كيف يعني ناس بيستولوا على كوبري خلاص نسلم لهم يعني وبنسحب، والغريب إنه الجيش المصري بدأ يسحب من الدود عمل خط سلك على البحر.. على الأرض وأخذ يسحب عن طريق بيت.. اسمها هريبيا عن طريق هريبيا.. قريباً إلى غزة، يعني انسحب الجيش المصري من الدود إلى غزة، ليس عن الخط الأساسي بل أنشأ خط جديد على ساحل البحر من الأسلاك، وأخد يسحب دباباته وسياراته وجيشه من هذه المنطقة، مع أنه كان في إمكانه بكل بساطة يفتح الخط شو يعني كام واحد وأنا جنب منكم بأفتحه عندي دباباتي وعندي طياراتي، عندي قواتي، خاصة الجيش المصري كان بيملك طيارات، كان بيدك المستعمرات وبيستولي عليها فمش صعب إنه يفتح خط أمامه، لكن شاء الله.
وخرجنا من الجورة طبعاً تحت التهديد بالإسرائيليين والخوف من الإسرائيليين، لأنه إحنا لما دخلت الجيوش العربية طبعاً كان مخططها لها تسحب الأسلحة من الناس.. البلاد عشان ما يكونش هناك قوة أخرى، وهذا أفقدنا القوة الذاتية والاعتماد على أنفسنا لأنه لما يسحب الجيش طبعاً من المنطقة مافيش إمكانات دفاع وإمكانات سلاح نهاجم الخصم.
أحمد منصور: نعم.
أحمد ياسين: قبله كنا بنعتمد على أنفسنا، وعندنا بنادق وعندنا أسلحة ونواجه اليهود ونهاجمهم في المستعمرات، فلما جاءت الجيوش العربية طبعاً وانتزعت السلاح منا، فصرنا إحنا معرضين لأي ضربات عندما تنسحب هذه الجيوش، وكانت مشكلتنا إنه طبعاً.. الشعب الفلسطيني يُهاجم في القرى في الجنوب، وتصير مذابح في النساء والشيوخ والأطفال، فمذبحة تخوف القرية اللي جنبها والبلد اللي جنبها فينسحبوا الناس من أمام الهجوم الإسرائيلي، حتى تم لإسرائيل إنها تستولي على المنطقة يعني بشكل ما كانش متوقع، ولا كان ممكن يصير لو كنا نملك إحنا الشعب الفلسطيني سلاحنا، ومش مستعدين نسلم ولا نتحرك من أرضنا ووطنا، لكن الحمد لله هذا اللي قدره ربنا، إنه لم نكن نملك إمكانات قوة سلاحية، ولو الأمة العربية اعتمدت.. يعني بدعم الشعب الفلسطيني وتسليح الشعب الفلسطيني كان غير وجه المعركة تماماً، لأنه هو أدري ببلده، وأدري.. فإحنا قبل الجيوش العربية كنا نتقدم على اليهود، وننتصر في معارك، ويُهزموننا في معارك، نأخذ منهم ويأخذون منا، لكن عندما جاءت الجيوش العربية خلاص فقدنا السلاح، فقدنا القوة، وصرنا معتمدين على هذه الجيوش، فإذا انسحبت كنا مهددين بالخطر ولابد أن ننسحب معها.
أحمد منصور: شيخ، اسمح لي ما هو تقييمك كشاهد على الأحداث في ذلك الوقت وعلى ما حدث في حرب العام 1948م، وقد عايشت بعض أجزاء هذه الحرب رغم أنك كنت طفلاً في الثانية عشرة من عمرك، ما هو تقييمك لهذه الحرب ولما حدث بعد هذه الفترة الطويلة على وقوعها وقد شاهدت جزءاً منها؟
أحمد ياسين: والله أنا بأقول إنه أنا حزين لأن الأمة العربية وضعت معادلة غير طبيعية في ذلك الوقت.
”
إسرائيل كانت تعلن عن نفسها انها دولة صغيرة مسكينة تهاجمها جيوش سبع دول عربية فتحدث الضجة في العالم الغربي، اما الدول الكبرى فكانت تستخدم حق النقض الفيتو لأي قرار يخدم مصلحة الفلسطينيين او الأمة العربية
”
إسرائيل كانت تعلن عن نفسها أنهما دولة صغيرة ضعيفة مسكينة ثم يهاجمها جيوش سبع دول عربية، فتحدث ضجة في العالم الغربي، سبع جيوش تهجم على ناس ضعاف صغار فتعطيهم قوة وإمدادات ومساعدات، ثم كانت الدول الكبرى تستخدم دائماً حق النقض الفيتو لأي قرار يخدم مصلحة الفلسطينيين أو الأمة العربية، أما إذا كانت إسرائيل متضايقة من المعركة فإن الفيتو على طول يبدأ ويشتغل وتكون قرارات مجلس الأمن فورية بوقف القتال، إذا كانت المصلحة لإسرائيل تتقدم فمجلس الأمن لا يجتمع ولا يتخذ قرارات وقف، إحنا عندما كنا لو كنا نحن الشعب الذين نقاتل لا نخضع لمجلس الأمن ولا قراراته، لكن الدول لابد أن تخضع لهذه القرارات فكانت توقف القتال، إذا كانت المصلحة للعرب مافيش قرارات وإذا كانت المصلحة لليهود تجد القرار فوري خلال ساعات يكون قرار بوقف القتال.
الواقع إنه إخواننا في الجيش المصري بذلوا الكثير ودفعوا الكثير، ولولا الخيانة اللي كانت تأتي من القصر والأسلحة الفاسدة اللي تعرضوا إلها ولا كان إلهم دور كبير ودور جيد في المعركة، أنا أذكر هنا كمان شيء طيب إنه كان في جانب الجيش المصري مقاتلين متبرعين من الإخوان المسلمين في فلسطين، حتى أذكر أنه الجيش المصري فقد تبة (81) شرقي غزة من هجوم إسرائيلي غدر إسرائيلي، ولم يستطع استعادتها بكل..، إلا إن المجاهدين المقاتلين تقدموا وفتحوها وأعادوها ثانية، تبة تستطيع أن تسيطر على الخط كله، كمان الجيش المصري دخل الأسفلت العام وترك مستعمرات على الخط على الأسفلت كان المفروض إنه هو ما يتركهاش لأنه بتتسكر عليه الطريق في (الماضي)..
يعني مثلاً كفاردروب اللي هي عند دير البلح كانت موجودة واللي استولى عليها الشيخ -محمد فرغلي -الله يرحمه– بالمقاتلين اللي معاه بعد صلاة الجمعة واستولى عليها في وضح النهار يعني المجاهدين المصريين – الله يجزيهم الخير – المتبرعين مع الفلسطينيين انضموا إلهم كانوا يؤدوا دور جيد، حتى لقد قرأت في كتاب "الإخوان المسلمين وحرب فلسطين" لمؤلفه كمال الشريف، كان بيقول: إن قائد الإخوان اتجه إلى اللواء فؤاد صادق في ذلك الوقت، قال له: ليش بتسحب؟ قال له: لأنه الطريق مقطوع علينا، قال له: طب أنا مستعد أفتح الطريق، أعطيني الليلة وأنا أفتح لك الطريق، وقف الانسحاب، قاله له: ماشي. فجمع قواته والمقاتلين معاه واتجه إلى بيت حانون ودير سنيت، وفتح الطريق، فوجد الانسحاب مستمر، قال له: مش اتفقنا توقف الانسحاب، قال له: هذه أوامر، قال له: ما دام أوامر وأنا أعمل إيش بعديك عاد!!
فكانت الأوامر تعني بالانسحاب، لأن بريطانيا تريد المعركة هكذا، وتصور تكون المعركة قائدها (جلوب)، قائد الجيوش العربية (جلوب) ما هو الملك عبد الله كان هو القائد وجلوب وهو قائد الجيش الأردني معناه القيادة تسلمها جلوب أو بريطانيا فماكانتش المعادلة صحيحة في معركتنا مع إسرائيل واليهود، وخسرنا المعركة وهذا من الأمور المؤلمة واللي نحمد الله عليه اللي لا يحمد على مكروه سواه، هذا واقعنا، أنا عايشت الجيش المصري في غزة وأنا طفل، والفقر كان شديد والجوع شديد، كنا نذهب إلى الجيش نأخذ قطع خبز تزيد عن الجنود أو طبيخ يزيد عن الجنود يعني لدرجة الناس محتاجين هذا.. محتاجين جداً، فكانوا فعلاً يعني طيبين ومعاملة طيبة، وما يفيض عن الجيش كانوا يوزعوه على الناس وياخدوه، عشنا هذه المرحلة بمرارتها وشفناها وبعدين فكرت بعد ذلك أن أعود إلى المدرسة، سكنت غزة في البداية..
أحمد منصور[مقاطعاً]: يعني انتقلت من القرية إلى غزة بعد النكبة؟
أحمد ياسين: انتقلنا أول الأمر من القرية إلى منطقة عسقلان من الطائرات، المرحلة الثانية انتقلنا إلى الكروم في المنطقة الجنوبية، ثم ارتحلنا من منطقة كروم العنب جنوب الجورة تماماً أو قريب من.. إيش بنسميها.. ساكنة الجبلية كانت هناك وطلعنا إلى غزة مباشرة، وسكنا في الغابة اللي كانت منطقة الفرفيرة بيسموها "العتة" الآن أو منطقة السودانية، قعدنا فترة ثم انتقلنا سكناً في منطقة أبو مدين عند وادي غزة، الظروف صعبة وقاسية وشو نعمل في إيش نسكن؟ بنينا خص من قش وسكنا فيه، طبعاً رغم الشتاء والبرد وكذا إلا أنه الحمد لله حمانا من.. بفضل الله سبحانه وتعالى.
أحمد منصور: هل كنتم وحدكم أم أن كثير من العائلات كانت ترحل معكم بحيث أن الرحلة كانت جماعية؟
أحمد ياسين: كيف؟
أحمد منصور: كنتم ترحلون مع العائلات رحلة جماعية أم كانت أسرة؟
أحمد ياسين: كله جماعي.. الجورة كانت رحلتها عن طريق البحر كل الناس بيضعوا أمتعتهم في السفن، بيرحلوا بينقلوها إلى غزة بيرجعوا ينقلوا الباقي وهكذا، ماكناش يعني زي الناس الآخرين نستخدم.. كنا نستخدم البحر في نقل أمتعتنا والارتحال إلى غزة، سكنا في منطقة وادي غزة 49 وبدايات 50، فكرت في ذلك الوقت إني أرجع على المدرسة..
أحمد منصور[مقاطعاً]: في هذه الفترة كان والدك توفي؟
أحمد ياسين: والدي توفي زمان.
أحمد منصور: وكانت والدتك هي التي ترعاك؟
أحمد ياسين: لا.. والدتي كانت معنا طبعاً.
أحمد منصور: وإخوتك ما حدثتنا عنهم؟
أحمد ياسين: كان إخوتي، كان أخي الكبير هو الذي يرعى الأسرة طبعاً هو الذي كان يتعب، وأخي الثاني بعده كان هو يرعى معاه في العمل اللي بيقوموا فيه في البحر طبعاً، لأنه.. بل كانت الأوضاع سيئة لأنه البحر كان ممنوع الصيد فيه ممنوع الاقتراب منه، على أساس خوف المعركة مع اليهود والأسلحة و.. فكنا ندخل إلى البحر إلى الشاطئ يعني بالسرقة لنلقي بعض قطع الغزل ونصيد كمية بسيطة من السمك على الساحل لنبيعها ونعيش من ورائها.
أحمد منصور: شيخ، كم كان ترتيبك بين إخوتك؟ ما هو ترتيبك بينهم؟
أحمد ياسين: أنا عندي الوالدة.. كان إلي إخوة اتنين غيري من أمي وأبويا يعني إحنا ثلاثة، أنا أصغرهم ولنا أخت واحدة من أمي وأبي، يعني إحنا ثلاث إخوة وأخت، لي أيضاً أخوان من أبي من أم أخرى موجودين طبعاً للآن، ولي أخت أخرى من أبي من زوجة سابقة متوفاة طبعاً، هذا تقريباً عدد أفراد العائلة اللي إحنا فيها.
أحمد منصور: كنتم تعيشون على الصيد في هذه المرحلة؟
أحمد ياسين: أنا بالنسبة إلي لم أعاهد فترة الصيد، أنا في فترة الصغر لم أكن إلا في المدرسة، بس كنت أصيد يعني أحب أصيد، أطلع اصطاد على الطيور والعصافير والهذه.. كانت متعة فعلاً في الجورة، نعيش من الصبح للمسا وإحنا نجري ورا الـ.. نصطاد بالفخ والقرابين اللي بتلزق فيها العصافير بتحطها في العش..
أحمد منصور: طفولة يعني..
أحمد ياسين: آه، فكانت متعة جداً إنك تتحرك ورا الطيور وتصطاد، كانت.. الواحد فينا يمضي نهاره ومش داري عن حاله، لكن الحمد لله إحنا وطلعنا زي ما أنت شايف غزة، وبدأت بدي أرجع للمدرسة تاني، فرحت المدرسة في (انصراط) كان التعليم في انصراط هي أقرب الأمكنة علينا وعلى غزة، فدرست كام شهر، ثم تركت المدرسة وعدنا إلى غزة ثانية، لأن الأوضاع الاقتصادية كانت صعبة، ما فيش مجال للحياة، وفي غزة بدأت أعمل اشتغل في مطعم.. يعني اشتغل في مطعم فوال على الميناء، واشتغلت فترة طيبة في ذلك الوقت حتى سنة.. يعني أواخر 49 و50، ثم عدت إلى المدرسة ثاني مرة، ولقيت كل أبناء الحارة عندي رايحين إلى الصف الرابع وأنا قتلت لحالي بدئ أروح في الخامس، لا بدي أروح معهم في الرابع، فانضميت فرجعت للمدرسة ثاني في الرابع شوف أنا كنت طالع مخلص الرابع في الجورة بعد سنتين تلاتة بأرجع تاني على الرابع فكان تأخيري كبير في العمر.
أحمد منصور: كانوا من نفس عمرك الأولاد أو أنت حبيت تذهب معهم؟
أحمد ياسين: لأ فيه منهم من عمري وفيه أقل، فيه أقل وفيه من عمري وفيه أكبر مني، ما هي الهجرة خلتنا بالشكل هذا، فأمضيت الرابع والخامس طبعاً في فصل صيف 52، كنت نازل البحر بألعب ومعي بعض الأصدقاء هناك في حركة معينة وأنا بأتشقلب على الأرض، صار عندي التواء في العنق في الرقبة فصار كسر فسقطت على الأرض بدون يعني إمكانية الحركة خالص، يمكن كان هذا كان هذا في 15/7/52، ونقلت إلى المستشفى من هناك إلى البيت ثم إلى المستشفى وطبعاً عملوا إجراءات طبية، جبس على العنق استمر 45 يوم كنت في الأول ما أتحركش خالص، بديت الحركة شويه شويه بديت أقف على رجليه، بديت أمشي، بس طبعاً مشي الضعيف اللي لو أي حاجة زقته أو وقعته حصوة في.. وهو ماشي يقع، والحمد لله بعد 45 يوم خرجت من المستشفي، فكيت الجبس عن عنقى، وبدأت أعود إلى المدرسة في 52 إلى الصف السادس طبعاً، وأنا ضعيف لو آجي أمسك القلم لا أستطيع أمسكه، وأمشى بضعف شديد لكن أي حاجة تلمسني في الطريق أقع، مرت الدراسة الابتدائية والإعدادية ثم انتقلت للمدرسة الثانوية كان هذا في مدرسة أولاً الإمام الشافعي ثم الكرمل..
أحمد منصور: لكن كنت تمشي في هذه المرحلة وتتحرك؟
أحمد ياسين: آه كنت أمشي.
أحمد منصور: بالشكل الضعيف الذي أشرت إليه؟
أحمد ياسين: كنت أروح إلى المدرسة مشي وأروح مشي، ما كانش مواصلات، كنت أمشي إلى الإمام الشافعي وأرجع بعدين انتقلت لمدرسة الرمال اللي هي اليوم بيسموها الكرمل، وأكملت دراستي الثانوية في مدرسة فلسطين الثانوية وبعدها طبعاً كان أمامي خيار أكمل في الجامعة أو أشتغل، مقبول في القاهرة كنت، لكن مافيش إمكانات مادية اطلع أدرس.. فقر!! يعني فاخترت الوظيفة، ولو أنه الوظيفة كمان أتعبتني شوية لأن أنا كنت..
أحمد منصور[مقاطعاً]: بعد الثانوية هذا؟
أحمد ياسين: لا أنا الحمد لله كنت جيد في الثانوية و… كان هناك متخرجين كثيرين في قطاع غزة وما فيش عمل، فيه خرجين تجارة، وخريجين زراعة، وخريجين معهد معلمين، وخريجين توجيهي، فالسلطة بدها توظف مين، وتسيب مين والناس ثايرين بدهم ياكلوا، فعملوا مسابقة لـ1500 طالب كنت أنا منهم، فالحمد لله أنا كنت من الأوائل اللي ناجحين، ولازم أتعين فوراً لأن أول دفعة بدي أكون أنا متعين، فالمستشار الحاكم اللي هو محمود الشابي قال لي: لا، مش هعينك، ليش؟ لأنك ما تنفعش تكون مدرس، طب حطني كاتب مثلاً قال: لا، دي مسابقة مدرسين بدك تشتغل كاتب روح أتقدم لمسابقة كتبة.. يعني ما استفدناش من العمل، قال لي. قلت له: على كيفك.
أحمد منصور: لكن كيف كان الوضع السياسي وكيف كان الوضع الاجتماعي والحياتي في غزة في ذلك الوقت؟
أحمد ياسين: الوضع شعب مشرد يعني زي سجن كبير بيعيشوا فيه الناس تحت المساعدات اللي بتيجي من مصر، والوظائف اللي بتحدثها الإدارة المصرية في ذلك الوقت ما فيش غير هيك، البلد يعني محاصر مافيش إله يعني إمكانات مادية، فعلاً غبت وفكرت أطلع خلاص مادام مافيش وظيفة بدي أطلع أتعالج إلى مصر، إذا نفس الشابي بعت لي مندوب وبيقول لي: بكرة عايزك، فلما بعت لي قلت خلاص أنا بدي أشتغل، فرحت فعلاً على المدرسة استقبلني استقبال وجلسني جانبه قال: يا ابني خلاص مبروك أنت اتعيِّنت، فقلت له: شكراً...
أحمد منصور[مقاطعاً]: سنة كام، سنة كام تذكر؟
أحمد ياسين: دا كان في الـ 58.. صيف 58، قلت له شكراً، قال: لا، إذا بدك تشكر ما تشكرنيش أنا لأني أنا ماكنتش بدي أعينك، بدك تشكر أشكر الحاكم لأني لما حملت له الملف بتاعك قلت: يا بيه دا راجل مريض وما ينفعش مدرس، قال: وإزاي درس وإزاي نجح وإزاي كذا، لأ، يعين ونرجو له الشفاء وأمر بتعيينك.
أحمد منصور: ما شاء الله.
أحمد ياسين: فأنا يعني القصة استلطفتها جداً يعني، كيف أن الحاكم بهذه الجرأة لأنه كان يصدر أمر ممنوع أن يتركوا أي واحد من الناجحين مش يقفزوا على كيفهم ويبدوا ناس عن ناس، فهو بده ياخد قرار من الحاكم علشان يقفز عني، والحمد لله يعني بدأت خلصت.. بدأت عملي في 4/ 10/ سنة 58 مع أني كنت مخلص لسه في شهر 6.
أحمد منصور: يعني أنت بدأت عملك كمدرس في 4 أكتوبر عام 1958م في قطاع غزة، بعدها ذهبت إلى القاهرة أكثر من مرة، لكننا في الحلقة القادمة -إن شاء الله- سوف نبدأ من المرة الثالثة ذهابك إلى القاهرة في المرة الثالثة باعتبارها أهم المرات التي ذهبت فيها، والتي ربما حدثت فيها بعض الأمور الهامة التي تدخل ضمن شهادتك على الأحداث، أشكرك فضيلة الشيخ أحمد ياسين (مؤسس وزعيم حركة المقاومة الإسلامية حماس).
كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة -إن شاء الله- نواصل الاستماع إلى شهادة الشيخ أحمد ياسين (مؤسس وزعيم حركة المقاومة الإسلامية حماس) في الختام أنقل لكم تحية فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
-------------------------------------------
٢
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج (شاهد على العصر) حيث نواصل حوارنا مع زعيم حركة المقاومة الإسلامية "حماس" ومؤسسها الشيخ أحمد ياسين مرحباً فضيلة الشيخ.
أحمد ياسين: أهلاً وسهلاً.
أحمد منصور: توقفنا في الحلقة الماضية عند زيارتك الثالثة إلى مصر نود أن نعرف كيف كانت هذه الزيارة وكيف تمت؟
أحمد ياسين: في الحقيقة إني أريد فقط قبل أن أجيب على هذا السؤال، أن أعقب على شيء قفزنا عنه في الحلقة الماضية.
أحمد منصور: اتفضل.
أحمد ياسين: وهو العدوان الإسرائيلي عام 56 على مصر.
أحمد منصور: نعم .
أحمد ياسين: وكان هذا العدوان طبعاً يجد مقاومة في الأرض المحتلة من كل الاتجاهات بما فيها الحركة الإسلامية في قطاع غزة، ولما تم الاتفاق على الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، كان من شروط الاتفاق أن يصبح قطاع غزة تحت إشراف دولي، فلما علمنا في قطاع غزة بذلك خرجنا في مظاهرات صاخبة تهتف بعودة الإدارة المصرية إلى قطاع غزة، ونرفض الإشراف الدولي بل نريد أن تعود الإدارة المصرية، وكان للحركة الإسلامية دور كبير في مظاهرات صاخبة في المطالبة بعودة الإدارة المصرية إلى قطاع غزة وفعلاً تم ذلك بفضل الله سبحانه وتعالى.
أحمد منصور: لكن الحرب في مصر كانت في المناطق الشرقية، وهي كانت نسبياً تعتبر قريبة منكم في غزة، فكيف كان إيقاع هذه الحرب وتأثيرها عليكم في غزة؟
أحمد ياسين: أولاً نحن في قطاع غزة بيننا مسافات كبيرة بين بور سعيد والإسماعيلية إحنا، فيه يمكن 200 كيلو، مسافات شاسعة لا نرى هذه نحن، فإحنا نرى الاحتلال الإسرائيلي داخل قطاع غزة، واستولى على القطاع، طبعاً وبدأ ينفذ تنكيله وقتله.. المجندين الفلسطينيين كانوا أيامها في الكتيبة الفلسطينية في جيش التحرير الفلسطيني هناك، طبعاً وبدأنا نقاوم هذا الاحتلال بالطرق اللي كنا بنقدر عليها بالنشرات، بالمقاومة، بالمظاهرات، بالصدامات، طبعاً هذا كله يعني..
أحمد منصور[مقاطعاً]: يعني كانت هناك مواجهات عسكرية، وكان هناك قتلى وشهداء منكم في غزة؟
أحمد ياسين: كانت، بس يعني أنا لا أذكرها جيداً، بكمها ماكانتش يعني في ذلك الوقت زاخمة يعني فيها الزخامة والقوة، لم يكن يعني شيء مؤثر يمكن أن يلفت النظر، لكن طبعاً إحنا كل بيت القصيد اللي أحب أقوله إن إحنا رفضنا الاحتلال الإسرائيلي طبعاً لأرضنا، رفضنا التدويل لقطاع غزة والإشراف الدولي، وكان إصرارنا أنه لابد أن تعود الإدارة المصرية إلى القطاع، لإنه الإنسان مع أهله وجيرانه، لأن هم الشعب المصري دفع ثمن كثير في فلسطين، وشهداء كثير في فلسطين، فلا يمكن أن نستبدل إشراف دولي بدل الإدارة المصرية.
أحمد منصور: ما هو تقييمك لهذه الحرب بعد مرور ما يزيد على أربعين عاماً على حدوثها؟
أحمد ياسين: والله الحرب كانت حرب ظالمة، إنه إسرائيل بالاتفاق مع بريطانيا وفرنسا أرادوا أنهم يعني يعيدوا احتلال قناة السويس مرة أخرى.
أحمد منصور: هل ترى.. هل ترى أن هذه الحرب كان لها ما بعدها بالنسبة للرؤية التاريخية للأحداث وللحروب الكبيرة؟
أحمد ياسين: بكل تأكيد أنا في نظري إنه هذه أعطت دفعة قوية لمصر وتمكين لها في أرضها وفي قناتها، وأن تستعد لجولات قادمة، يعني خرجت إسرائيل وفرنسا وبريطانيا مهزومة من هذه الحرب لأنها لم تستطيع أن تستولي على القناة وانسحبت دون أن تحقق أهدافها، وبذلك يعني ثبت لمصر حقها في قناتها وفي أرضها وكانت خارجة من هذه الحرب منتصرة، رغم إنه الإسرائيليين استولوا على سيناء ووصلوا إلى ضفاف قناة السويس، لكن أمام الضغط الدولي والمقاومة الشعبية المصرية اللي كانت ضد الإسرائيليين كان لابد أن ينسحبوا من سيناء كاملة.
أحمد منصور: لكن هذه الحرب ألم تساعد في تقوية إسرائيل واستئسادها وزيادة نفوذها في المنطقة على حساب الدول العربية؟
”
فرنسا وبريطانيا استخدموا إسرائيل كمخلب قط لإيجاد العذر والسبب أن تتدخل فرنسا وبريطانيا في قناة السويس
”
أحمد ياسين: في الواقع إنه فرنسا وبريطانيا استخدموا إسرائيل كمخلب قط لإيجاد العذر والسبب أن تتدخل فرنسا وبريطانيا في القناة وتعيد احتلالها مرة أخرى، بعد أن انسحبوا منها بعد الاتفاق.. بعد قناة.. الاتفاق اللي وقعته مصر معهم للانسحاب من قناة السويس وتسليمها للمصريين، وإسرائيل دائماً كانت يعني مستعدة وجاهزة للعدوان والاحتلال، لأن طبيعتها هيك، يعني هذه الحرب فقط ربما فتحت شهية إسرائيل لأن تقوم بمثل هذا العمل في مرات قادمة، وفي حرب قادمة، يعني أعطتها التفكير إنه التوسع عندها بيصير وممكن يصير وسهل إنه تتوسع فيه، وربما حرب 67 كانت يعني تستند إلى الاستراتيجية اللي أخدتها إسرائيل في عام 56 عندما استولت على سيناء وعرفت المنافذ والطرق، وكيف تدخل وكيف تخرج، وهذا سهل عليها الاستيلاء في ستة أيام كانت على ضفاف القناة في حرب 67.
أحمد منصور: لو انتقلنا الآن من حرب 56، وتقييمك لهذه الحرب، إلى سؤالنا الرئيسي حول زيارتك الثالثة إلى مصر؟
أحمد ياسين: في الحقيقة أنا بعدما بدأت أعمل مدرس، وزملائي الطلاب اللي كانوا معي في المدرسة خرجوا لظروفهم المادية كملوا دراسات جامعية وعادوا، فأحسست بالنقص، إنه أنا ما خدتش شهادة جامعية، وكنت متضايق من نفسي فقررت إني أعود وأقدم توجيهي مرة أخرى جديدة، وألتحق بالجامعة انتساب لكي أكمل دراستي، وفعلاً قدمت توجيهي ثاني، وتقدمت إلى جامعة (عين شمس)...
أحمد منصور [مقاطعاً]: سنة كام قدمت توجيهي؟
أحمد ياسين: 64.. في 64، وقبلت في جامعة عين شمس في قسم اللغة الإنجليزية، وطبعاً ذهبت إلى مصر وقدمت أوراقي والتحقت، وكل شيء، بذلك يعني.. وبعدين عدت إلى غزة كمدرس، وبعدين عدت في 65 لتقديم الامتحان، فعلاً قدمت الامتحان وعدت إلى غزة، لكن طبعاً ظروف الاعتقالات اللي صارت في 65 في مصر بالنسبة للإخوان والشهيد سيد قطب طبعاً أحالت دون عودتي إلى مصر مرة أخرى.
أحمد منصور: لماذا؟ هل كانت لك علاقات بالإخوان في ذلك الوقت؟
أحمد ياسين: الحقيقة أنا كنت –كما ذكرت لك- إني أنا إنسان إسلامي وتفكيري التفكير اللي كان بينهجه الإمام حسن البنا في رسائله وفي كتبه يعني أنا أحب حركة الإخوان، وأتمنى أن يعود للإسلام دوره ووجوده في الأرض، وكنت بأقوم بدور مدرس ودور خطيب في المسجد في ذلك الوقت، فطبعاً شملني الاعتقال في ذلك الوقت.
أحمد منصور: أعتقلت؟
أحمد ياسين: آه في 65 أعتقلت.
أحمد منصور: أعتقلت كنت في القاهرة أم.. ؟
أحمد ياسين: لا.. لا، وأنا في غزة 18/12/65، واستمر اعتقالي لمدة شهر وأفرج عني بعد ذلك.
أحمد منصور: لكن أنت يعني سبب الاعتقال يعود إلى علاقتك بقيادات الإخوان أو بالإخوان في مصر؟
”
لم يكن لأحمد ياسين علاقات بقيادات إخوانية وكان إنسانا يدعو للإسلام وكانت هذه طريقته في العمل لا يعرف القيادات اوغيرها
”
أحمد ياسين: أنا ما كان لي علاقات بقيادات إخوانية، أنا كنت إنسان بأدعو إلى الإسلام وبأحب الإسلام ينتشر وهذه طريقتي في العمل، ما بيعنيني مين قيادات أو كذا، لكن طبعاً أنا بأطلع في التهمة المسجلة على الورقة اللي حملها الضابط اللي بيوديني على السجن فوجدت فيها الإخلال بالأمن، التهمة الإخلال بالأمن، فأنا ضحكت، وطبعاً الحمد لله قعدت شهر، هم حققوا معي على أساس علاقتي بالإخوان، وإيش علاقتي، وأنا قلت لهم ماليش علاقات، وما كانش أي.. يعني تهمة ثابتة في ذلك الوقت فطلعت بعد شهر.
أحمد منصور: الشهر اللي قضيته، قضيته في أي السجون؟
أحمد ياسين: في سجن غزة المركزي.
أحمد منصور: كان تحت القيادة المصرية؟
أحمد ياسين: طبعاً تحت القيادة المصرية، بس طبعاً مسؤول المخابرات كان فلسطيني في ذلك الوقت في غزة.
أحمد منصور: لكن كيف كانت التحقيقات، عن أي شيء سألوك...؟
أحمد ياسين: والله هم سألوني عن يعني علاقاتي بأشخاص معينين فمنهم من اعترفت إنه لي علاقات معهم، ومنهم ما ليش علاقات معهم، فعلاقتي بالإخوان وأنا قلت لهم ماليش علاقة في ذلك الوقت، سألوني عن بعض الأنشطة اللي كنت بأقوم فيها والكتب اللي كنت بأقرأها، حتى كانوا بينكروا عليَّ أني كنت بأحمل كتاب "خلق المسلم" للأستاذ محمد الغزالي في ذلك الوقت، يعني وأنا كنت مستغرب جداً، والشيء الثاني إني أنا وضعت لحالي في غرفة منفرداً في غرفة انفرادية مساحتها 6×8 بـ48 متر مربع وأنا لا أستطيع أغطي نفسي، ولا أستطيع أعمل..، يعني بدي أنام بدي نصف ساعة عشان أفرش البطانيات، عشان أحط جنبي عشان أحط راسي.. الكندرة تحت راسي اللي هي المخدة.
أحمد منصور: ماكانش أي مساعدة لك؟
أحمد ياسين: لا..لا مافيش حد يساعدني، يعني كنت عانيت إن مافيش لي مساعد في ذلك الوقت، وطبعاً كان الغطاء قليل بطانيتين في (أربعينية) في 12.. في 1 شهر (أربعينية) فالواحد كان عانى شوية من البرد و..، بينما التحقيق ماكانش فيه إيذاء بالنسبة لي كان مجرد أخذ وعطاء، حوار يعني.
أحمد منصور: بعد خروجك من فترة السجن هذه التي استمرت شهراً هل ترك هذا الأمر أثراً نفسياً في حياتك؟
أحمد ياسين: طبعاً أي اعتقال بيؤثر في الإنسان، لأنه هو مابيقبلش إن يوجه إله تهمة لم يقم بها، يعني بيحس لنفسه الظلم، وبيحس إن هو يعني بيأمل في أي سلطة إنها تكون عادلة، وتكون تعطي الإنسان يعني حقه في الحياة وحريته في الحياة، والحمد لله تجاوزنا تلك المرحلة، وأنا استمريت في نشاطي، حتى طلعت يوم الخميس ويوم الجمعة كنت بأخطب الجمعة في المسجد، لأنه يعني صحيح الضغوط قالت لي ما تخطبش اللي حواليا وأهلي وكذا، لكن لما وصلت المسجد الخطيب ماجاش اللي كان بعدي وأنا في السجن، فطلعت المنبر وخطبت، فالحمد لله أنا كنت مستمر حتى قبل الاعتقال.. بعد الاعتقال في دعوتي في نشاطي، واستمريت في تعليمي يعني لم يؤثر ذلك على وظيفتي الحكومية والحمد لله كانت الأمور طيبة يعني.
أحمد منصور: لكن ما هي العلاقة بين اعتقالك واعتقال الإخوان في عام 65 ومنعك من مواصلة الدارسة؟
”
مصر كانت تضع علامات استفهام على أي شخص يظهر عليه أي نشاطات دينية، سواء كان إخوان أو مش إخوان، المهم ان الذي له نشاط ديني هم يخافون منه ، وذلك لوجود الإخوان في مصر وخلافاتهم مع السلطة والحكومة
”
أحمد ياسين: أصله.. مصر كانت بتحط.. يعني.. علامات استفهام على أي شخص.. بيظهر عليه أي نشاطات دينية، سواء كان إخوان أو مش إخوان، المهم في اللي إله نشاط ديني هم.. بيخافوا منه، طبعاً نظراً لوجود الإخوان في مصر وخلافاتهم مع السلطة والحكومة،رغم إن إحنا في غزة يعني دراستنا إخوان وبندرس..، لكن مالناش علاقة، يعني لم يكن إلنا علاقة في الإخوان في مصر في أي يوم من الأيام أبداً.
أحمد منصور: رغم أنكم كنت -كما ذكرت لي- في الحلقة الماضية تدرسون كتب الإخوان والرسائل المؤسسة لهم؟
أحمد ياسين: بفكرنا ونشاطنا.. آه، لا بس… يعني لم يكن.. أنا لا أذكر في تاريخ حياتي إنه كان بيننا وبين إخوان مصر أي علاقات، أنا لا أذكر في تاريخ حياتي رأيت قيادة من قيادات الإخوان في مصر إلا مرة واحدة كنت رايح على مكتبة (وهبه) بدي أشتري كتب ففوجئت بيقولوا لي بتعرف مين هذا؟ بأقول لهم لا، قالوا هذا الأستاذ محمد قطب.
أحمد منصور: سنة كام هذا؟
أحمد ياسين: في سنة.. يمكن 64 أو 65.
أحمد منصور: آه فترة دراستك الجامعية.
أحمد ياسين: آه، لكن ما فيه بيننا وبين إخوانا في مصر أي علاقات، كل بلد له همومه وله مشاكله وله شغله.
أحمد منصور: إلى اليوم لم تر قيادات من الإخوان؟
أحمد ياسين: إلى اليوم.. إلى اليوم، يعني محمد قطب شفته هنا في قطر، أبداً مافيش اتصالات أو علاقات، حتى في زيارتي لمصر الأخيرة كان من طلباتي إني بدي أزور المرشد، لكن لم يتحقق لي زيارة ولا شيء من الزيارات اللي هناك، أنا بأعتبر شيء بس معنوي إنك تزور إنسان...
أحمد منصور [مقاطعاً]: لكن معروف إن حركة حماس هي -وإن كنا سنأتي لذكرها فيما بعد- أن حركة حماس خرجت من رحم الإخوان، أو هي تعتبر حركة إخوانية أو تتبنى فكر الإخوان أو نهج الإخوان.
”
حركة حماس خرجت من رحم الإخوان لأن فكرها ونشاطها هو نفس الفكر والنشاط لكن لا توجد بين حماس والاخوان أي علاقة لانها تواجه واقع فلسطيني وتتصرف حسب ذلك الواقع وليس حسب واقع أي بلد عربي
”
أحمد ياسين: هي لاشك إنها هي خرجت – كما يقولون – من رحم الإخوان المسلمين هذا صحيح، لأنه فكرنا ونشاطنا هو نفس الفكر والنشاط، لكن -زي ما قلت لك- إحنا مافيش بينا وبين إخواننا في مصر أي علاقات، ثم إحنا بنواجه واقع فلسطيني وبنتصرف حسب واقعنا مش حسب واقع أي بلد عربي، وإحنا ما بندخلش في الشؤون العربية ولا مع داخلها ومشاكلها، مالناش دخل فيها، وهذا من فضل الله علينا إن إحنا نكون مستقلين في سلوكنا وقراراتنا بما يخدم قضيتنا وشعبنا ووطننا.
أحمد منصور: قمت بزيارتك الثالثة إلى مصر في عام 64 - 65، حيث كنت تدرس في جامعة عين شمس في قسم اللغة الإنجليزية، ماذا تذكر من أحداث في هذه السنة؟
أحمد ياسين: والله صحيح هي كانت فترة لطيفة، وكان فيه طلاب مصريين يعني بيدرسوا في نفس القسم، طبعاً أنا غايب عن القسم، بيعملوا كشاكيل وبيسجلوا للمحاضرين، فكانوا بيحضروا لنا هذه الكشاكيل وإحنا كنا بنزوهم وكمان بنحمل لهم هدايا معانا كشكر على نشاطهم، والحمد لله كانوا متعاونين معنا، كان فيه أخوة وصفاء، وكل شيء، طبعاً بعد هيك أنا طبعاً منعت من السفر إلى مصر ثاني، حتى في سنة 67 تقدمت للسفر برضو عشان أكمل في 67 قبل العدوان بخمس.. لكن.. وأخذت إجازة من التعليم عشان أسافر، وأفاجأ إنه رفض طلبي للسفر إلى مصر، وأفاجأ إنه معاشي مقطوع خلاص كأني سافرت ما أعطونيش المعاش، وبتيجي حرب 67 خمسة..
أحمد منصور: يونيه.
الشيخ ياسين: يونيه.
أحمد منصور [مقاطعاً]: قبل حرب 67، هل..
أحمد ياسين [مستأنفاً]: و.. لا بأسافر ولا بآخد المعاش وعليه، صحيح.
أحمد منصور: هل لازلت تذكر أحداً من أصدقائك أو من زملائك الذين درسوا معك أثناء دراستك في جامعة عين شمس في مصر؟
أحمد ياسين: والله بأذكر شاب اسمه كرم بس مش عارف الآن ناسي يعني. سنوات طويلة.
أحمد منصور: فيه مواقف معينة حدثت لك في مصر في تلك الفترة لازلت تذكرها ولم تنساها رغم مرور هذه السنوات؟
أحمد ياسين: كان يعني أنا كنت بأذكر إنه بس فيه حاجة اسمها… في إخواننا الشعب المصري كان طلاب الجامعة لما بنتناقش معهم كانوا مش عارفين غزة وين، وإيش غزة وحدود غزة، صحيح!! لدرجة شاب من الشباب اللي بنتحدث معهم بيقول لي إنتوا الأميركان علمكوا الإنجليز.. الإنجليزي يعني عشان..، وهم قريبون منكم، قلت له أنت مش عارف غزة وين؟!
أحمد منصور: جنب واشنطن!!
أحمد ياسين: صحيح.. صحيح!! فيعني تجد شاب وصل إلى الجامعة وما يعرفش غزة وهي تحت الإدارة المصرية.
أحمد منصور: لا، بس الآن تغيرت الثقافة يعني.
أحمد ياسين: هذا صحيح أنا بأقول ما بأقولش، لكن الواقع هو هيك، حتى أذكر في توجيهي كان أستاذ بيعمل كتاب جغرافيا يعني جغرافيا للتوجيهي، أنا كنت متخصص قسم جغرافيا في التوجيهي، الأساتذة اللي عاملين كتاب الجغرافيا للتوجيهي إيش بيقولوا فيه؟ بيقولوا وتمتد حدودنا الشمالية من مرسى..
أحمد منصور: مطروح.
أحمد ياسين: ... والسلوم إلى شمالاً إلى رفح.. إلى قطاع غزة، يعني كأنه مش يعرف قطاع غزة هو داخل في مصر ولا مش في مصر.. صحيح يعني!!
فالأصل إنه لازم يكون هذا الشيء واضح تماماً، إنه هذه أرض أخرى لكنها تحت إدارة.. الإدارة المصرية.
وكان واحد في التاريخ كمان بيكتب كتاب، وبيقول إنه: بلاد الشام –بده يعرف بلاد الشام- فبيقول تحت بلاد الشام هي سوريا والأردن ولبنان وفلسطين وإسرائيل!! فقعدت أضحك.
أحمد منصور: هذا كان في ذلك الوقت في الستينات؟
أحمد ياسين: 58 هذا.. 58.. 58!!
أحمد منصور 58!!
أحمد ياسين: وطبعاً أنا أيامها، ما كنتش عندي ها التفكير الواعي اللي أبعت له رسالة وأقول له ما يصيرش كده، كان لازم أبعت له رسالة وأقول له هذا التفكير مش صحيح يعني مش هيك، والحمد لله إحنا..
أحمد منصور: هل كان هناك من يساعدك في مصر أثناء فترة دراستك؟
أحمد ياسين: الحقيقة لأ، مافيش حد مساعد، أنا كنت بأنزل في العتبة، في فندق.. (العتبة) أظن اسمه، وبأطلع على الجامعة بالترماي أو.. أو..، أو مرات كنت بأمشي نص الطريق يعني عشان أتنشط وبأرجع من الجامعة، مرات باخد تاكسي بأروح الجامعة، والحمد لله كان الجو طيب، وإخواننا المصريون من ألطف الناس في التعامل، حتى مرات كنت بأركب التورلي، الترولي سريع جداً.. بتاع الكهرباء هذا اللي بيمشي...
أحمد منصور: آه نعم نعم.
أحمد ياسين: ومرة بأطلع ووقفت.. الكراسي مليانة مش عارف أقف، ماسك... فأحد إخوانا المصريين، الكمسري بيقول لي ورق ورق يعني بده فلوس، يعني بده التذكرة، فأنا مش عارف أطول الفلوس من جيبتي، فأفاجأ إن الراكب اللي جنبي طلع فلوس وإدى له قال له خلاص خد روح، فقعدت أضحك يعني شوف الطيبة لوين، إن واحد خلاص شافني واقف مش عارف أطول الفلوس راح دافع عني والسلام مع السلامة، والحمد لله يعني كنت بأطلع لحالي وبأنزل لحالي، وبأتحرك بحركة كويسة يعني، الحمد لله.
أحمد منصور: خلال فترة وجودك وإقامتك في مصر ألم تفكر ألم تسعى إلى الذهاب إلى الإخوان والالتقاء بهم طالما أنك ذكرت أنك كنت تدرس كتبهم؟
أحمد ياسين: لا أنا مش.. يعني مش قضيتي إني أعرف الإخوان في مصر أو يعرفوني الإسلام ما بيرتبطش بإخوانا في مصر أو في غير مصر، أنا مسلم بدي الإسلام، لكن ما بأعرفش.. يعني بأعرفش يمكن مرة جمعنا لقاء مع أحد الإخوة الفلسطينيين في مصر، وكان جايين فيه اتنين من إخواننا المصريين من اللي كانوا في السجن وطالعين، لقاء مع أحد إخواننا الفلسطينيين وكنت مدعو عنده، كان بيدعيني عشان يغديني أو..، ففوجئت فيهم فبأسألهم بأقول لواحد منهم طب إنتو يعني دخلتوا السجن وطلعتوا.. اسمه إيش، استنى خليني أتذكره.. قال: آه، قلت له طب نظرة الشعب المصري إلكم إيش؟
أحمد منصور: هذا كان من الإخوان؟
أحمد ياسين: آه من الإخوان اللي دخلوا السجن وطلعوا، فرد بيقول لي: "أوه يا عم واللي يزمر يغطي دقنه" باللغة المصرية، فإلى اليوم بأذكر العبارة.. بأضحك، أظن الأخ اسمه عباس.. والله ما أنا عارف إيش اسمه، يعني اسمه عباس، فبس هذا اللقاء اللي أنا يمكن شفت فيه ناس من الإخوان، ومش عارفهم بس مجرد مصادفة، فالحمد لله إحنا دائماً علاقتنا.. مع إنه إخواننا المصريين كانوا يعني بيخافوا كتير من إنه يطلعوا وبيمنعوا، بس هم كانوا يعني يمكن مش فاهمين الحقيقة، إحنا ماكانش بينا وبين مصر أي علاقات إطلاقاً التنظيم الإخواني أو غيره، ولكن الحمد لله إحنا بنتجه للإسلام مخلصين لديننا ولوطننا بدون الترابط اللي بلد وبلد، كل بلد هي أدرى بنفسها.
أحمد منصور: يعني إنتو في.. يعني حتى تلك الفترة لم يكن لكم أي رباط تنظيمي بالإخوان؟
أحمد ياسين: إطلاقاً إطلاقاً.
أحمد منصور: في الوقت الذي ذكرت لي فيه في الحلقة السابقة أنكم كنتم تجلسون في أسر وتتدارسون كتب الإخوان.
أحمد ياسين: هناك.. آه.. آه بندرس صحيح.
أحمد منصور : أنت قدمت على الإجازة في عام 67 حتى تذهب إلى مصر مرة أخرى لتكمل دراستك.
أحمد ياسين: طبعاً -كما قلت لك- أنا طلبت إجازة، وأخدت موافقة التعليم على الإجازة، طبعاً والمفروض اللي بده يسافر أنه بيكتب إقرار مغادرة، لكن أنا ما كتبت إقرار مغادرة لأني منعت من السفر، ويوم واحد في الشهر رحت أقبض، قالوا لي مالكش معاش، طيب ليش يعني؟ قالوا أنت مسافر، طب أنا ما كتبتش إقرار مغادرة إنتو وافقتوا لي بس أنا ما غادرتش، وبأتابع تاني يوم على التعليم، قالوا: طيب، لما نرجع للكشوف ونحط لك ماهيتك، تالت يوم، رابع يوم، كان خمسة يونيو جاي، طبعاً صارت.. الهزيمة والنكبة، وراح المعاش، وظلينا لا رحنا مصر لا قبضنا معاشنا، والحمد لله.
أحمد منصور: هنا دخلنا إلى النكبة نود أن تحدثنا بالتفصيل عن النكبة.
أحمد ياسين: يعني هذه النكبة كان إلها مقدمات، وأنا كنت حزين إنه تصير هذه المقدمات دون استعداد حقيقي وصحيح، الرئيس عبد الناصر طبعاً اتخذ قرار سحب القوات الدولية من سيناء، وهذا قرار معناه أنا ما بأحط بيني وبينك حاجز أمني.. أنا بأحط بيني وبينك حاجز أمني دولي عشان يمنع الصدام بيني وبينك، تيجي أنت تشيله، يعني في نظر العالم إني أنا بدي أقاتلك، إلا أنه مصر ماكانتش مستعدة للحرب، مش مستعدة.
أحمد منصور: من أي النواحي؟ على أي مستوى؟
أحمد ياسين: لأن أنا لما إيجوا الناس من مصر على غزة كنا نقابل ناس منهم.. نقابل ناس منهم نتحدث معهم هو مش عارف وين رايح.
أحمد منصور: ها دول الجنود يعني تقصد؟
أحمد ياسين: آه الجنود!! تتحدث يقول لك طب هي الحدود فين؟ طب هم اليهود فين؟ أنت جاي على بلد مش لازم تكون فاهم الخارطة بتاعتك وعدوك وين، طب وأنت في الجيش؟ قال: لا ولالله أنا لسه جابوني من البيت قبل أسبوع أو أسبوعين، أنا كنت يعني احتياط، طيب احتياط جاي ومش عارف وين رايح؟! فماكانتش مصر مستعدة لمعركة في هذه الحالة، هذه واحدة، أنا ماكنتش عسكري، لكن أن كنت بأقول للشباب اللي حواليا أدعوا الله ألا تضرب مصر في طيارنها، لأنه إسرائيل تخطط لضرب طيران مصر، فتفقدها القوة الجوية، فتسيطر على الجيش وبتدمره في سيناء.
أحمد منصور: نعم
أحمد ياسين: فحتى بعض الشباب بيقول لي الله أكبر هي يعني الطيارات المصرية حظائر دجاج يعني؟! قلت له: أنا والله هيك بأشوف ما أعرفش أنا ما بأعرف، أنا هيك بأفكر وبأقول إسرائيل أول ضربة بدها توجهها للطيران مصر، وفعلاً كانت هي الحادثة اللي قامت بها إسرائيل، فسيطرت على الجو والجيش المصري في سيناء طبعاً كان مش مؤهل التأهيل الصحيح للمعركة والقتال، والدليل على كلامي إن نفس عبد الناصر في 5.. لا أدري 64، 65 قبل سنتين تلاتة يعني كان بيخطب في المجلس التشريعي الفلسطيني اللي طلع مصر، وقال لهم بالحرف الواحد.. ليش عاد وقال الكلام هذا، لأن الملك حسين قال لابد من مخطط عربي شامل ومدروس لتحرير فلسطين، فرد عبد الناصر رد عليه في المجلس الوطني الفلسطيني، قال اللي بيقول لكم عنده مخطط لتحرير فلسطين بيكذب عليكم، وأنا قلت.. وأنا بأقول لكم.. إن قلت لكم عندي مخطط لتحرير فلسطين بأكذب عليكم.
أحمد منصور: هذا على الملأ.
أحمد ياسين: على الملأ آه.. في مواجهة المجلس التشريعي الفلسطيني –اللي انتخب في غزة- طيب أنت اليوم قبل سنتين بتقول ما عنديش مخطط، وبعد سنتين صار مخطط وتواجه إسرائيل وبتجيب جيشك في سيناء، هو مش مستعد للمعركة، فالحقيقة يعني كان دخول غير مرتب، غير مستعد، غير مهيأ للمواجهة، وكانت النكبة زي ما أنت شفت يعني فادحة خالص، شفت في ست أيام تنتهي كل القوات اللي دخلت سيناء، كل الدبابات كل الإمكانات مش موجود، يعني يمكن كان عندنا من مقاتلينا اتنين تلاتة في بيت.. بيت!! بيهاجموه بالدبابات وبالصواريخ، بيقعدوا 24 ساعة.. و 48 ساعة مش مسلمين إلهم.
أحمد منصور: هذا من المقاتلين الفلسطينيين تقصد؟
أحمد ياسين: آه، يعني مش معقول الجيش بقواته وإمكاناته خلال ستة.. ستة أيام أو ست ساعات يكون انتهى.
أحمد منصور: أجواء ما قبل الحرب.. أجواء ما قبل الحرب في غزة؟
”
غزة قبل سحب القوات الدولية كانت بلد تجارة، يعني سوق حرة لنقل البضائع إلى مصر
”
أحمد ياسين: كانت متوترة جداً وغزة كانت في ذلك الوقت يعني قبل سحب القوات الدولية كانت بلد تجارة، يعني معبر للتجارة إلى مصر، يعني كانو عاملينها زي سوق حرة اللي ينتقل منها البضائع إلى مصر بسهولة للجالية المصرية الموجودة، والضباط، كانت مركز للورود، والصيني، والكذا اللي بتيجي من لبنان، والضابط أو المصري اللي موجود في غزة بس بده فرصة يروح فيها على مصر عشان ياخد معاه من البضاعة هيك، كمان الفلسطيني بده ياخد ويتاجر، يودي على مصر ويجيب، فكانت سوق تجاري قبل… أما بعد سحب القوات..
أحمد منصور[مقاطعاً]: يعني الوضع الاقتصادي فيها كان يعتبر وضعاً جيداً؟
أحمد ياسين: جيد للطبقة التاجرة،مش جيد، للسكان، السكان ما هو ما فيش إلهم عمل، كان عمل الشعب الفلسطيني في قطاع غزة كله موجود في الخارج في قطر، في الإمارات، في السعودية، في الكويت، في البحرين، مالهمش في الداخل مافيش لا أرض زراعية، ولا مجال عمل، ولا بحر، لأنه إسرائيل مسكرة على البحر كمان أيامها، لكن أقول لك إحنا كنا الطلاب في غزة لما أنا توظفت –كما ذكرت لك- كانوا بيعملوا مظاهرات بدهم عمل، فمصر تضطر تشغلهم في مصر بـ 12جنيه في الشهر، فخادتهم شغلتهم..
أحمد منصور: موظفين.
أحمد ياسين: شغلتهم في مصر في الدوائر الحكومية في التعليم وهنا وهنا، شغلت حوالي ألف.. ألف و 500 واحد في مصر.
أحمد منصور: يعني انتقلوا من غزة إلى القاهرة؟
أحمد ياسين: إلى القاهرة بس عشان يا خدوا –ويشتغلوا- معاش، ما فيش عمل!
أحمد منصور: نود أن تحدثنا بالتفصيل عما شاهدت ورأيت في يوم خمسة يونيو 1967م في غزة.
أحمد ياسين: في الواقع إحنا كنا بنستمع إلى إذاعتين: إذاعة إسرائيل، وإذاعة القاهرة، بشان نفهم إيش الأخبار وإيش اللي دار في المعركة، القاهرة بتعلن إنه جيشنا متقدم والطيارات تتساقط الإسرائيلية، وإسرائيل تعلن إنه جيشنا اجتاح سيناء واستولى و..و ..، وبتوزع منشورات "تُسلم تَسلم" وبنقول إيش الحرب النفسية هذه، وبعدين وزعوا منشورات علينا في غزة إنه إحنا كذا، وجت طيارة ووزعت منشورات، بدأ هجوم على المدفعية المضادة للطيران في غزة، طائرات تهاجمهم، ودمرت مدفع اتنين تلاتة، وعم بنطلع بنشوف بعينينا، يعني مصدقين ومش مصدقين...
أحمد منصور [مقاطعاً]: يعني أنت كنت ترى القصف و.. التدمير؟
أحمد ياسين: طبعاً الطيارات أمامنا، وهي تضرب المدفعية، يعني الحقيقة كان تكتيك الطيران الإسرائيلي أربع طيارات على موقع.. واحدة تضرب، والتانية طالعة، والتانية نازلة، حتى ما يعرفش يوجه أي ضربات إلهم أو .. فدمروا المدفعية اللي كانت موجودة في غزة ضد الطيران كله، وبعدين بدأت الإشعات إنه اليهود دخلوا (جابليا) ذبحوا.. اليهود دخلوا كذا.. الناس كانت في وضع سيئ جداً، حزينة جداً، يعني الكل مش عارف يعني بده يبكي، واللي مش عارف إيه يسوي.
أحمد منصور: كل هذا يوم خمسة يونيو شعرتوا بيه؟
أحمد ياسين: طبعاً، صحيح كان يوم مأساة، فعلاً يوم مأساة خالص،ولما دخلت القوات الإسرائيلية في ذلك الوقت...
أحمد منصور[مقاطعاً]: قبل دخول القوات الإسرائيلية إلى غزة، بعد يوم خمسة يونيو كيف كانت مشاعر وأحاسيس الناس في غزة...؟
أحمد ياسين: كل الشارع ذاهل، يعني اللي بيبكي اللي حزين، يعني مش عارف؟! كأن الشعب كله مخنوق لأنه ماكانش يتصور هذا، لأنه الإذاعة المصرية كانت دائماً بتقول ندخل تل أبيب، وجيشنا جاي على تل أبيب، وصواريخ (الظاهر) و(الظافر) و(القاهر) ومش عارف.. يعني كانت النفسية الفلسطينية قوية بالنسبة للدعاية المصرية، وأحمد سعيد يقول كلام.. والمعلقين، يعني كان مفاجئة قاسمة للشعب الفلسطيني في ذلك الوقت، هذا طبعاً الوضع اللي كان في غزة، يعني.. أقول لك زي ما قال: (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) تحس بمنظر البؤس والحزن..
أحمد منصور: وأنت كيف كنت؟
أحمد ياسين: ونفس الشيء، هو أنا واحد تاني يعني من..!! طبعاً نفس الشيء.
أحمد منصور: لأ.. كواحد موجه ومربي ولك إحساس ربما يكون أكثر من الناس بالنسبة لهذه الأمور.
أحمد ياسين: صحيح، بس أنا ماذا أفعل والأمر خطير وخطب وصعب على كل الناس.. صعب على كل الناس، كان الحقيقة كان وضع الاحتلال الإسرائيلي في هذه المرة كان صعب أصعب من سنة 56، رغم إنه قتلوا في 56 و.. ويعني بهدلوا لكن سنة 67 كان شيء أكبر شيء أعظم، طاردوا المقاتلين، ودخلوا بيوتنا أخدوا ناس قتلوهم، وإلى آخره يعني، فعملوا شيء سيئ.
أحمد منصور: متى رأيتم أول جندي إسرائيلي في غزة؟
أحمد ياسين: طبعاً هم ما وصلوا لناش في اليوم الأول، وما كانوش وصلوا للمناطق النائية، أنا كنت في معسكر الشاطئ، هم في الأول دخلوا –اليهود بيمشوا بسياسة خطوة خطوة- دخلوا أولاً إلى وسط غزة، وتمركزوا في المركز، صاروا يعملوا دوريات (بوليسية) يبعدوا شوية حواليه من المناطق العامة، تاني يوم تالت يوم يعني يمكن بعد 3،4 أيام لما شفنا الجيبات الإسرائيلية بتصل المعسكر و…، ما كانوش بيتسرعوا في الدخول خوف من المقاومة، لأنه كان فيه مقاومة موجودة، وكان فيه صدامات معهم، بس ما كانتش على المستوى اللي هو بدنا إياه إحنا، لأنه السلطة قبل الهجوم الإسرائيلي وزعت بنادق على الناس.
أحمد منصور: المصرية؟
أحمد ياسين: آه، الشباب كان فيه بنادق، فيه فرق، وفيه كذا.
أحمد منصور: كيف كان شكل هذه المقاومة ومن كان يقف وراءها؟
أحمد ياسين: أنا بأقول كان فيه مقاومة، بس في نظري ما كانتش هي المستوى اللي لازمن يكون، لأنه اللي حامل بندقية عندما وجد نفسه أمام دبابات و…، فقد الأمل، شو يعمل ببندقيته؟! يعني ما كانتش الروح المعنوية الفلسطينية اللي هي موجودة في 87 اللي تواجه بحجر وتواجه.. لو كانت الروح المعنوية الفلسطينية في ذلك الوقت هي الروح اللي ملكنها في 67 وعملنا فيها الانتفاضة، كان السلاح كثير كان ممكن عملنا عجائب، لكن للأسف ما كانش.
أحمد منصور: لكن أين كانت الحركة الإسلامية التي أشرت إلى وجودها من قبل؟
أحمد ياسين: أقول لك الحركة الإسلامية كان وضعها ضعيف بسبب إن.. الضغط المصري والهجوم المصري في 65، والاعتقالات، والإعدامات في 67، كانت الناس تخاف وتنفر، فكان يعني الوضع الإسلامي في قطاع غزة ضعيف جداً، ما كانش على هذا المستوى اللي أنت بتتصوره، ما كانش عندنا يعني.. كنا نحارب على الكتاب الإسلامي، كيف إحنا بدنا نمتلك سلاح في ذلك الوقت، ما كانش إمكانات إعدادية.. ما فيش إعداد صحيح للمعركة، ومع هيك يعني أنا أقول إن شعبنا قاوم بشكل عنيف وكان فيه مقاومة جيدة، فيه شهداء، فيه قتلى، يعني مش قليل، بس كان ينقصهم السلاح وما كانش عندهم إمكانيات كثير شهداءنا اللي قاوموا وقاتلوا في كل المناطق كان كثير هذا، يعني لا يقاس بـ 56، تماماً واستمر الصراع حتى لعند 70، و72، و73، حتى أذكر أنا والمقاتلين بيستشهدوا طلعت يوم بأخطب الجمعة في مسجد العباس..
أحمد منصور [مقاطعاً]: سنة كام؟
أحمد ياسين: 70.. 70، كانوا محاصرين معسكر الشاطئ، وبأقول لنفسي طب أنا رايح يعني بأخطب، وها دول الشباب بيسقطوا شهداء، طب ما هم مقاتلين، وليش ما أكون مقاتل زيهم أنا والمسجد اللي بأخطب فيه جنب مركز الشرطة الإسرائيلي، فطلعت المنبر وبدأت هجوم على اليهود، وهم ليش لاحقينا، وليش…، وليش محاصرينا، وليش كذا، كانوا عاملين طوق على معسكر الشاطئ، جزء منه بهدلوه، والله أذكر بعد الخطبة الناس هاجت جداً، وإيش بدنا نعمل؟! مش عارفين إيش يعملوا، فبيقولوا لي: نعمل إيه؟ قلت لهم: أقل شيء نعمل مظاهرة. فعلاً طلعت مظاهرة في ذلك اليوم واتجهت إلى الصليب الأحمر، وبعدها فكوا الطوق تاني يوم عن المعسكر، وهذا من فضل الله –سبحانه وتعالى- فيعني إحنا.. كان الفكر بيقاوم والسلاح بيقاوم، لكن ما كناش نملك كفاية ذخيرة وسلاح، حتى أحد الإخوة المقاتلين من تلاميذي يعني وكان داخل في قوات التحرير الشعبية، بأقول له: يا بني أنت مطارد يعني بدي كل يوم تعمل عملية إيش اللي بتعمله؟ قال لي: أيوه، أنا معاي غير ها القنبلة في أيدي بدي أدافع فيها عن نفسي إذا واجهوني ما فيش في إيدي، وفعلاً كان بيختبئ في مستشفى الشفاء لما حاصروه بدهم يعتقلوه هرب منهم، لما لحقوه وطاردوه ألقى القنبلة عليهم طخوه ومنعوا حد يسعفه، ظل ينزف حتى مات في مكانه، يعني حتى منعوا..
أحمد منصور: الإسعاف يصله.
أحمد ياسين: الإسعاف، والحمد لله يعني كانت مقاومة جيدة و...
أحمد منصور [مقاطعاً]: نود أن نبقى في سنة 67، لنعرف كيف نشر الإسرائيليون وجودهم، أو كيف انتشروا في غزة؟
أحمد ياسين: بعدما وصلوا معسكر الشاطئ نادى الميكروفون "اجمعوا الرجال في الساحة" طبعاً أنا ما بديش أطلع، لكن قلت بدي أطلع أتفرج، يعني أنا كان ممكن أقول لهم أنا مريض ومش طالع.. ما بديش أطلع لكن قلت لا بدي أروح أطلع وطلعت قعدت في الساحة بين الناس، فبدؤوا اليهود يجمعوا السلاح، بشكل.. الناس مش عاوزين يسلموا السلاح اللي عندهم، فإيجوا وحطونا في ساحة، وإيجوا إلى بيت.. كان بيت قدامنا، قالوا: اسمعوا اللي بنلاقي فيه سلاح البيت بنهدمه بندمره، خدوا بالكوا إحنا بنفتش.. عمالين نفتش في البلد، اللي عنده سلاح يروح يجيبه، واللي ما بيجبوش.. بنلاقي في بيته سلاح بنهدمه، فعلاً ورا المدرسة الأسوار طلعت قنبلة كده ثارت هدمنا بيت، الحرب النفسية الآن بتشتغل إيجوا أما منا في بيت مافيش فيه حاجة، ما بيسكنش شيء، فحطوا لهم قنبلة في العريشة بتاعته وفجروها، قالوا: ها البيت هذا دمرناه لقينا فيه سلاح، لما عملوا عمليتين تلاتة أمام الناس.. يلا اللي عنده سلاح يقوم يجيبه، الناس..
أحمد منصور: خافت.
أحمد ياسين: قامت وقامت وراحوا يجيبوا سلاح، قعدت يعني بدي أتفجر في نفسي ما فيش الوعي الكافي، طب هو بيضحك عليكوا... لقي سلاح قدامك في الدار هذه وجاي يفجرها!! بس بيضحك عليك، وفعلاً سلم كثير من الناس أسلحتهم اللي كانوا مخبيينها لكن بقي أسلحة، وبقي وجود، وكان مقاومة في هذا اليوم ، اليهود يتعاملون مع الشعوب بحرب نفسية، يعني قبل الدخول بالمنشورات "سلم تسلم".. فبيتأكد الوعي، اللي فاهم مش ممكن يستسلم إلهم.
أحمد منصور: ما هي الطريقة أو الوسيلة التي بدؤوا يسيطرون فيها على غزة شيئاً فشيئاً؟
أحمد ياسين: يعني زي ما قلت لك، اليوم مثلاً أخدوا المركز بكره بياخدوا النقطة القريبة منه، بعده بياخدوا النقطة الثالثة، بعده بيجمعوا.. بعده بيقعدوا في التعليم، بيجيبوا مدير التعليم بيقعدوا معاه، بيجمعوا المفتشين، كيف نرجع التعليم، بدهم يحطوا تخطيط، طبعاً الناس بدها تاكل.. بيقولوا مستعدين نجيب المعاشات للموظفين، بس يرجعوا للشغل، طبعاً اللي بده ياكل ومش لاقي ياكل بده معاش، فالموظف رجع لشغله، والمدرس رجع لمدرسته، وبدؤوا يقدموا سياستهم شوية شوية ويسيطروا على البلد، بدؤوا يحطوا لكل منطقة ضابط مخابرات بيسجل فيها اللي إله واللي عليه، وملفات ويتابع.. يسقط الناس، بدك تشتغل مدرس بنشغلك بس تشتغل معنا، بدك تسافر تكمل تعليمك بنسفرك بس اشتغل معنا، بدك.. ما فيش واحد يطلب أي طلب إلا يخلوه يشتغل معهم، واللي بيرفض طبعاً ما يشغله، واللي بيرفض ما يسفره، واللي، فكان كثير من الناس يسقطوا في هذه الجوانب لأنه حياتهم، لكن معظم الشعب ما كانش بيقبل هذا الشيء، يعني كان فيه فصلوا من عملهم مش مستعدين يشتغلوا، فيه ناس رفض يخرج للتعليم لأنه بدهم منه عمل معهم.. كثير، بس فيه ناس.. طبعاً في كل شعب فيه ضعفاء، فيه ناس ضعاف ممكن يسقطوا عملاء مع اليهود.
أحمد منصور: هل كنتم في ذلك الوقت تتعاملون مع الإسرائيليين كفرادى أم كنتم تتعاملون معهم كجماعة من خلال مجلس منتخب منكم أو مجموعة رشحتموها للقيام بهذا الأمر؟
أحمد ياسين: الإسرائيليين عادة بيتعاملوا مع الشعوب.. مع الشعب الفلسطيني فرادى ما بيتعاملوش بشكل جماعي، حتى في السجون كانوا ما بيرضوش يتعاملوا إلا فرادى، لكن إحنا فرضنا عليهم إرادتنا غصب عنهم، ولم نتعامل معهم إلا جماعي حسب قيادة منتخبة من فلسطينيين وتواجه اليهود وتحل المشاكل معهم، ما بنتعاملش فرادى في السجون، لكن في الشارع العام صعب أنك تجمع الناس وتحطهم في بوتقة واحدة، وخاصة إحنا ما كناش منظمين قبل الحرب، ما فيش الوضع التنظيمي، ما فيه هذا التنظيم اللي يشد الناس ويعمل المقاومة العنيفة والوحدة.. ما كانش هذا موجود.
أحمد منصور: لكن متى بدأ الناس يفيقوا من الذهول الذي عاشوه يوم خمسة يونيو، ويدركوا أنهم أصبحوا تحت واقع احتلال إسرائيلي قائم؟
أحمد ياسين: طبعاً مع الأيام أنت عارف التاجر اللي كان مسكر محله بدأ يفتحه، اللي عنده شوية بضاعة كان مخزنها صار يطلعها في الشارع، اليهود بدؤوا يجوا غزة عشان يشتروا بضاعة رخيصة بالنسبة لعندهم غالي جداً، فيجوا كل إشي في الشارع بشيكل يعني.. حاجة تافهة يعني ، والناس بدها تعيش، بدها تاكل، كل الناس مافيش عندها أكل، كل الناس بدها تعيش مش موجود عندها معيشة، الناس طبعاً بدأت يوم بعد يوم تستيقظ، فيه ناس فعلاً أصروا ما يرجعوا للعمل في الشرطة وفي غيره وفي... وفي الوظائف وبقوا خارج الوظائف، ما عادش خالص، لم.. يعني إحنا ما كانش.. لو كان فيه عندنا تنظيم جيد كان كلنا قاطعنا، وكان ما.. ما مشيش الاحتلال كويس، بس ما فيش تنظيم، ما فيش حماية للإنسان ولا إيش يعمل هو؟!، ولو فعلاً كان فيه تنظيم جيد للشعب الفلسطيني في ذلك الوقت لا تمردنا عليه بكل قوانا وهذا الذي أعطانا الدفعة في 87 بعدما إحنا شفنا الاحتلال وتعاملنا معاه وبدينا ننظم أنفسنا، بدينا نكتل أنفسنا، بدينا نعمل يعني قيادات أرضية تحت الأرض أمام الاحتلال، واللي ساعدنا بالمواجهات اللي أنت شفتها في الانتفاضة.
أحمد منصور: لكن –شيخ- كيف كان وضعك أنت؟
أحمد ياسين: أنا طبعاً إنسان كنت مدرس وبعدما أجت الاحتلال جلست في بيتي، وبعدما نادوا إنه التعليم بدا بده يشتغل والمدرسين يرجعوا، أنا واجهت القضية، طب أنا لما أروح للتعليم باخدم اليهود أم باخدم أبناء شعبي؟ فأنا كان قراري أن أنا ما باخدم اليهود بالقدر اللي أنا بأخدم شعبي، إذا ظلوا أبناؤنا بعيدين عن التعليم يبقى إحنا خرب مجتمعنا كله، إذن حتى لو اليهود رفضوا التعليم يجب أن نعلم إحنا، ومن هون كان في الجانب التعليمي إنه يجب على المدرس أن يعود إلى مدرسته، ويجب أن نوعي شعبنا ونقدم له الجرعات القوية لمواجهة الاحتلال.
أحمد منصور: ومن أين لكم بالموارد المالية أو الرواتب؟
أحمد ياسين: هي الرواتب هي اليهود كانوا.. كانت إسرائيل يعني من اهتمامها الفعلي إنها تعيد الحياة طبيعية لتثبت إنه الأمور عادت إلى طبيعتها وما فيش حاجة جديدة، هي تريد أن تعود الحياة من جديد، تعليم ومدارس، وصحة، ودوائر حكومية على أساس تقول للعالم: أهه البلد ماشية كويس وأنا ناجحة في إدارة البلد هذا كان بيهم اليهود يعلموه. لكن إحنا طبعاً المصلحة تقتضي إنا نعلم ولادنا وبدنا نعلمهم، سواءً كانوا اليهود.. حتى لو سكوا المدارس نعلمهم في المساجد، في البيوت، لأنه بدون علم الإنسان بيضيع، وما بيعرفش قضيته، ما بيعرفش ما مستقبله.
أحمد منصور: وصلتك بالحركة الإسلامية في تلك المرحلة؟
أحمد ياسين: طبعاً لازلت أنا يمكن كنت من الإخوة القلائل اللي موجودين في قطاع غزة، اللي بقوا، فيه ناس منهم إسرائيل رحلتهم في الخارج..
أحمد منصور [مقاطعاً]: رحلتهم؟!
أحمد ياسين [مستأنفاً]: آه طبعاً، ما هم صاروا..
أحمد منصور [مقاطعاً]: يعني هي طردتهم..
أحمد ياسين [مستأنفاً]: صاروا يجوا مثلاً بيعملوا الاجتماع العام اللي زي ما قلت لك إياه، يحطوا بعض العملاء في خلال سيارة من خرق يطلع هذا جندي حطوا على الشقة، هذا كذا فيلموا عدد كبير من الناس يرموهم على المصر على الأردن على أي.. على لبنان (يكموا) كميات كبيرة من الشعب الفلسطيني، بس ما بدهمش وعي عسكري موجود داخلي اللي يعمل في يوم من الأيام مقاومة قوية ضدهم، فرحلوا كثير من الناس.
طبعاً أنا كان همي دائماً إني بدي أعيد النشاط الإسلامي مرة أخرى، وبدأت نشاطي من جديد من خلال المسجد، من خلال تعليم الأطفال في المسجد الإسلام والعلوم الدنيوية كمان، يعني فيه مدارس تقوية في الصيف، من خلال بدينا نجمع تبرعات علشان اللي اترحلوا بيته مش لاقي ياكل، بديت أجمع تبرعات، مجموعات من الشباب أوزعها على الناس بتجمع، ونحمي الأسر اللي مالهاش عايل نودي لها مساعدات شهرية في هذا الوقت. يعني كان دورنا دور مدعم للشعب الفلسطيني في صموده من فضل الله سبحانه وتعالى.
أحمد منصور: هل تذكر متى بدأت هذه المرحلة تقريباً، في أي سنة من السنوات؟
أحمد ياسين: هذه المرحلة ابتدأت بعد الـ 67 مباشرة، لأنه فيه عندنا ناس رحلوا، فيه عندنا ناس استشهدوا، فيه عندنا ناس.. والبيوت ما فيش إلها دخل فكان لابد إن نعمل زي هذا الشيء، ونتصل في اللي عندهم خير وتجارة، أو موظفين يعني ناخد.. شكل رمزي، ونقدم للناس ما يسد الرمق، ما عندناش.. والحمد لله كان إلها دور طيب، ومفيد لصالح شعبنا في قطاع غزة.
أحمد منصور: كان هذا الأمر بيتم من خلال جمعيات أم من خلال بس شكل فردي؟
أحمد ياسين: لأ ما كان فيه جمعيات، هذا من كان خلال تصرف فردي، بس لأنه فيه إلي معارف من الشباب في كل منطقة كنا نطلب منهم: اطلعوا وحطوا لنا كشف واجمعوا لنا تبرعات علشان فيه أسر محتاجة، وبدنا نساعدها وبدنا نقدم إلها المساعدة. الجمعيات إجا فترتها متأخرة طبعاً.
أحمد منصور: شيخ، إن شاء الله في الحلقة القادمة نتناول بشكل تفصيلي عملية المقاومة التي قمتم بها ضد الاحتلال الإسرائيلي، والتي تمت والتي أشرت إليها فيما قبل بالشكل المنظم الذي بدأت به فيما بعد واستمراريتها إلى ما شاء الله بعد ذلك، كما تذكر لنا أيضاً العمل الإسلامي المنظم الذي بدأتموه في غزة.
أحمد ياسين: إن شاء الله.
أحمد منصور: شكراً فضيلة الشيخ أحمد ياسين (مؤسس وزعيم حركة المقاومة الإسلامية حماس).
كما نشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، حتى نلقاكم في حلقة قادمة من برنامج (شاهد على العصر). هذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله.
----------------------------------------------------