رجوع إلى الصفحة الرئيسيةمن سير الشهداء
free web hosting | free hosting | Web Hosting | Free Website Submission | shopping cart | php hosting
عز الدين القسام ,,,محمد أحمد حسن أبو نقيرة,,,فيصل سعود أبو سرحان ,,,غسان مصباح أبو ندى ,,,مروان فرج سلامة الزايغ,,,طارق عبد الفتاح حسن دخان ,,,محمد حسن عبد القادر قنديل ,ياسر حماد عليان الحسنات ,,,ياسر أحمد يوسف النمروطي ,,,عبد القادر كميل ,هشام حسني حسين عـامر ,,,شادي مصلح محمد عيسى,,,زكريا أحمد عبد المطلب الشوربجي ,,,حسن محمد حمودة,,,عماد منسي محمد نصار ,,,حسين أحمد محمود أبو اللبن,,,أنور أحمد محمود أبو اللبن,حاتم يقين المحتسب ,,,يعقوب يو سف مطاوع ,,,جميل إبراهيم أحمد وادي,,,ماهر أبو سرور ,,,محمد أحمد حسن الهندي ,,,بهاء الدين عوض إسماعيل النجار,,,أيمن صلاح سلامة عطا الله,,,محمد عزيز رشدي,,,أشرف بشير محمد مهدي ,,,موسى جاسر محمود السيد ,,,حامد القريناوي,,,عمـاد حسن إبراهيم عـقل ,,,يحيى عياش,,,فؤاد إسماعيل محمد الحوراني ,,,خليل الغروز ,,,احمد بدوي المسالمة,,,صلاح مصطفى شحادة ,,,إسماعيل أبو شنب

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا٠

صدق الله العظيم

سورة الأحزاب ـ آية ٢٣

من شهداء فلسطين

من سير الشهداء

الشيخ المجاهد عز الدين القسام

خاص:

يعبد … كلمة سر الموعد … يعبد …خفقات القلب المتمرد ، يعبد فرسان الغاب المتوحد … قد صدق الواعد والموعود … فهاتوا الطلق مع البارود … وجوبوا القمة مع الاخدود … يعبد يعبد … صخر ورصاص … وخطى قناص … في ليل اسود … ونهار اربد … يعبد … صمت محموم … وسهاد نجوم وظلال تمتد … في أقصى المشهد …

الوقت : صباح الأربعاء الثالث والعشرين من شعبان عام الف وثلاثمائة وأربع وخمسون للهجرة ، الموافق للعشرين من تشرين الثاني من عام الف وتسعمائة وخمس وثلاثون للميلاد .

المكان : أحراش يعبد بين أشجار البلوط في منطقةجنين ، الحدث : معركة حامية الوطيس يشارك فيها مئات الجنود البريطانيين مجهزون بآليات إضافة إلى طائرة استكشاف في مواجهة مجموعة صغيرة من المجاهدين لا يزيد عددهم عن العشرة ، سلاحهم البنادق و المسدسات ، يقودهم شيخ جليل قد جاوز الستين من عمره، ذو وجه ابيض مستدير، و لحية بيضاء مهيبة ، عرفه أهل حيفا بالشيخ (عز الدين القسام) أمام مسجد الاستقلال في المدينة ،و رئيس جمعية الشبان المسلمين ومأذون شرعي للمدينة ، قوات الاحتلال البريطاني تقدم للمواجهة في الصفوف الأولى رجال الشرطة العرب ، فيرفض القسام إطلاق النار عليهم ، رغم إلحاح رجاله حتى اشتدت المواجهة ، وأحكم الحصار حول أحراش يعبد ، فكان قرار الشيخ لرجاله : موتوا شهداء وسقط القسام شهيدا بصحبة رفاقه الثلاثة ( يوسف عبد الله الزيباوي ، حنفي عطيفة المصري ، محمد أبو القاسم خلف ) فيما اصيب المجاهد نمر السعدي إصابة خطيرة أدت لاحقا إلى استشهاده ، فكان استشهاد القسام الشرارة التي أشعلت الثورة الكبرى عام 1936 م وإضراب الستة شهور الذي انتهى بتدخل الزعماء العرب لوقفه ، معركة لم تستمر تاريخيا اكثر من ساعات ، غير ان قائدها القسام حظي بإجماع لا مثيل له في تاريخ فلسطين . وهو الرجل الذي ما سعى يوما لقيادة ولا مارس سياسة الزعامة ، وأساليب الأحزاب السياسية ، وكانت جنازته اضخم جنازة عرفتها حيفا ، عبر تاريخها الطويل ، وفي جيبه وجد مصحف شريف كان يمثل للشيخ الهوية والجنسية والطريق ، ولد عز الدين بن الشيخ عبد القادر مصطفى القسام عام 1871 م في جبلة في محافظة اللاذقية شمال سورية من أسرة كريمة معروفة ، وقد ذاق في طفولته عذاب الفقر والحرمان وكان يميل للتفكير والتأمل وتلقى تعليمه في الأزهر حيث تتلمذ لمحمد عبده " وجمعته علاقات طيبة برشيد رضا وكان يقرأ للأفغاني رحمه الله ، وكان دائم الصلة بالفقه والشريعة والأصول ، لا يكتفي بالوعظ ، بل يقرن الإرشاد بالعمل ، والعمل بالدراسة حتى وصفه العلامة ( محب الدين الخطيب ) بأنه من العلماء المعدودين حيث نزل الطليان شواطئ ليبيا عام 1911 م طاف قريته يجمع التبرعات لنصرة المسلمين وتوجه بصحبة عشرات المتطوعين إلى الاسكندرونة للجهاد في ليبيا ، وعندما منعوه عاد إلى جبله وبنى بأموال التبرعات مدرسة لمحو الأمية ، اشرف عليها بنفسه وحين اجتاحت فرنسا الشام عام 1918 م ، باع القسام بيته واشترى (24) بندقية وخرج مع صحبه معلنا الجهاد العام ضد المستعمر إلى أن أخمدت الثورة التي قادها " إبراهيم هنانو" حين غدره الإنجليز وسلموه لفرنسا ، واستشهد قائد ميسلون يوسف العظمة عام 1920 ، فقرر القسام التوجه إلى فلسطين بعد صدور حكم بإعدامه فاجتاز البحر إلى حيفا .. وتأمل عز الدين الجزر يعم البحر ، وتأمل كيف تغوص إلى العمق الأسماك … إن كانت إلا جوله … والمد الآن على شاطئ جند فلسطين … فالتحق بالمد هناك … وودع جند الشام … الهجرة كانت سنة سيدك المقدام … ما مكة ؟ ما يثرب ؟ ما جبلة ؟ ما حيفا ؟ ما يمناك ما يسراك ؟ الحق بالمد هناك … وكفاك وسام … حكم بالإعدام ، واقبل القسام وافدا من شام الجهاد إلى فلسطين الرباط ، مولاي الوافد من جبلة ، لا يملك غير عباءته … دميت قدماه من الأشواك … لم يشبه من عرفت حيفا … من طراق الليل النساك … كانت عيناه كفوهتي نار من تحت عمامته ، وبدت كفاه مقرحتين ، وبدأت تتعرف حيفا على القسام كمدرس في مسجد الاستقلال ، حيث التفت حوله جماهير المدينة والقرى المجاورة ، ودوت كلماته النارية في جنبات حيفا حتى انه وقف يوما على المنبر مشهرا مسدسا وقال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فاليقتن مثل هذا ) .وجاءه شاب لم يبلغ العشرين ويشكوا إليه من يصفونه بالتهور والجنون ، فيقول الشيخ : كلهم مجانين وأنت العاقل ، هل تريد حقا الجهاد ، فيقول : نعم ، فيبسط القسام يده ويبايعه على ثلاثة شروط : الاخوة ، الجهاد حتى الشهادة ، السمع والطاعة ، لقد نادى القسام بعودة الاسلام … إسلام الفاتحين والرجوع إلى الصلاة ، صلاة المجاهدين ، فاهتز الإنجليز لأنهم اصبحوا يواجهون إسلاما غير إسلام الدروشة والتخدير ، كان الأئمة والوعاظ تشغلهم أحكام الطهارة والحيض والنفاس والطلاق ، أما القسام فاشتغل بذلك كله وأضاف إليه قضايا الأمة ، فالإنجليز يحتلون فلسطين ويمكنون لليهود الهجرة والسلاح وشراء الأراضي والاستيطان ، وكانت معظم القوى الوطنية تعادي الصهاينة ، غير أنها تنظر للإنجليز حلفاء الأمس ضد تركيا كأصدقاء ، وغلب النشاط السياسي من مظاهرات وبيانات ووفود إلى لندن للتأثير على الرأي العام على نشاطات الأحزاب الوطنية ، لم تكن هناك أي قوة مسلحة منظمة يمكنها مقاومة بريطانيا والصهاينة ، فكان تحديد القسام للبريطانيين كعدد وضعا للأمور في نصابها ، فلولاهم لما بنى اليهود في فلسطين مستوطنة واحدة واختار الجهاد طريقا للمقاومة ، تاركا للأحزاب الأخرى أساليبها التقليدية ، وبدأ العمل المنظم والإعداد الجيد للثورة ، فكان القسام يعقد اجتماعات سرية لرجاله ، ولا يقبل الا من كان مؤمنا مستعدا للموت ، وكان معظم رجاله عمال وعلماء ، عرفهم عبر المسجد أو فصول محو الأمية أو جمعية الشبان المسلمين ، كما أتاح له عمله كمأذون شرعي التعرف جيدا على المجتمع وكان يزور الفلاحين في القرى أسبوعيا ، فكان لأهل حيفا بمثابة المعلم والإمام المأذون والمفتي والصديق ، يوحي لمن حوله ان التعلم فرصة كالعبادة … قليل الكلام كتوما ، محبا لتلامذته ، نعمه نعم ، ولاؤه كذلك ، لا تفارق البسمة وجهه وكذلك الهيئة والوقار ، يرفض التنعم بمظاهر الحياة ، وكان بيته غرفتان فقط ، كان تركيزه على بناء قاعدة ، وبنية سرية للثورة ، ولعل هذا ما دفعه إلى عدم المشاركة في المؤتمرات الإسلامية التي عقدت في المسجد الأقصى عام 1928 م و1931 م ، كان يعمل على شكل خلايا ولا يزيد أفراد إحداها عن الخمسة ، على نمط حلقات الأرقم بن أبى الأرقم وكان لكل خلية نقيب مسؤول عن القيادة والتوجيه ، وحدد مهمات كل منهم في جمع السلاح ، التدريب ، جمع المعلومات ، والدعوة ، والاتصالات ، كان في سنواته الأخيرة حائرا لا يستقر له قرار ، لا يستسيغ طعاما ، ولا يعرف للراحة طعما ، وعندما تحاول ابنته " ميمنة " تهدئته وإقناعه أن العمل السلمي خير طريق لمواجهة الإنجليز واليهود يصيح بصوته الجهوري " اصمتي يا ميمنة ، لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى _ متى ما يراق على جوانبه الدم ، لقد اخذ القسام قراره : سنقاتل مهما عز النصر … سنقاتل فرضا وجهادا … فإذا سئلت عين مبصرة من صاحبها يوم الحشر … لم تنطق : كان جبانا قوادا … سنقاتل كي ترث الأولاد … رايات تورثها الأحفاد سنقاتل في الحق عنادا ، نلبسهم في الفرس حدادا ، سنقاتل من اجل الشهداء !! ويقدر عدد من نظمهم القسام بقرابة المائة فيما ارتفع العدد ممن ينتسبون إلى القسام خلال سنوات الثورة إلى اكثر من ثماني مائة ، بعضهم سمع خطاباته في المسجد أو تعلم عنده ، أو تأثر بشخصه وفكره ، وكانت أول عملية إلقاء قنابل على مستوطنة "نحلال" في مرج بن عامر ، قتل فيها مدير سجن حيفا الصهيوني وابنه واصيب آخران ، فيما أعلنت بريطانيا عن مكافأة ( 500) جنيه لمن يدلي بمعلومات ، ونموذج آخر لعملياته كانت كمينا على طريق الناصرة قتل فيه (11) صهيونيا ، وأراد القسام الاطمئنان على موقف السكان وتأييدهم المعنوي والمادي خرج بمجموعة من المجاهدين ليكونوا نواة الثورة إلى أحراش يعبد وفي الطريق اصطدموا بدورية تطارد مجموعة لصوص فقتلوا قائدها اليهودي في سهل بيسان واطلقوا سراح مرافقيه العربيين ، فبدأت القوات البريطانية بمحاصرة الموقع لتدور هناك أول معركة ضد الإنجليز في فلسطين ، كانت نتائجها المتواضعة قتل واصابة عددا من جنود الإنجليز ، غير أن دلالاتها مثلت نقطة تحول وانطلاق في تاريخ الشعب الفلسطيني ، فيما اسر من المجاهدين القساميين " معروف الحاج جابر " من يعبد " ونمر السعدي " من شفا عمرو " واسعد المفلح " من ام الفحم " وحسن الباير " من برقين " واحمد عبد الرحمن جابر " من عنبتا " وعربي البدوي " من قبلان " ومحمد يوسف " من سبسطية ونلاحظ ان كل منهم من قرية ومدينة مختلفة مما يشير إلى مدى نجاح هذا المجاهدين في كسب الرجال وتجنيدهم للثورة ، ولعل بساطته وتواضعه من أسباب هذا النجاح لدرجة انه زوج ابنته فرانا بسيطا مؤمنا ، وعرف رجاله في السجن كطليعة للأسرى يقول الصحفي " كنعان أبو خضرة " الذي اعتقله الإنجليز في سجن القدس ، فالتقى القسامي عربي البدوي الذي كان يمضي عامه السابع في السجن فقال كنعان : لم يكن الضابط الإنجليزي هو مدير السجن ، بل كان عربي البدوي يستشار في كل شيء وكلمته مطاعة محترمة من الجميع ، بمن فيهم أنا ، إن القسام لم يبدع فكرا ثوريا ومبادئ جديدة بل أبدع ممارسة والتزاما يوميا بمبادئه وأفكاره الجهادية الثورية صحيح انه لم يربح الحرب في يعبد ولكنه ربح الشعب ، ومن وصف ثورته بأنها مجابهة انتحارية قبل الأوان فقد اخطأ ، " لقد اشعل القسام فتيل ثورته قبل فوات الأوان " انك يا شيخي زيت القنديل … جراحك ان سالت لا تعقدها بالمنديل … فبعض الجرح هتاف ، فاضرب ، هذا زمن الحق الشاهر سيفا … لأخير إذا لم يشهر حق سيفا واطعن يمين التنين الزاحف نحو الأقصى … يا أقصى ، يا معراج رسول الله إلى الملا الأعلى … أعطيك وفي … في مصباحك للساهر فوق صحائفه … يتلوا آيات النور … بيانا مثل الصبح … وبشرى مثل الفتح … يا أقصى يا علمي … أفسح لي في صحنك يوم الجمعة موطئ قدم … ها أنا جئت إليك … تسابق روحي قدمي … ويسابق سيفي قلمي … ها أنا جئت إليك … أفسح لي في صدرك مأوى يحضنني أو مثوى يدفنني !!

لقد استشهد القسام ورفاقه في يعبد ، غير انه بشهادته اشعل ثورة ، لقد كانت رسالة القسام لشعبه وأمته عبر فوهة البندقية : لا تصدقوا وعود الإنجليز وأكاذيبهم ولو كان اليوم بيننا لقال لأصحابه أوسلو ذات الكلمة : لا تصدقوا وعود الأمريكان وأكاذيبهم ، وقد أجهضت الثورة حينها عندما وثق زعماء الإضراب بوعود بريطانيا وتطمينات الزعماء العرب ، كما أجهضت انتفاضة شعبنا حين وثق زعماء منظمة التحرير بوعود أمريكا والدول العربية ، فهل يعود شعبنا ليسمع كلمة القسام وما اصدقها من كلمة .

لقد أدى القسام شهادته على شعبه وأمته وزفته الجماهير إلى مقبرة حيفا في اضخم جنازة تشهدها المدينة عبر تاريخها ، فكان خطابه في الجماهير بعد استشهاده أقوى من كل خطاباته عبر منبر المسجد مضى ورفاقه المجاهدين إلى جنان الخلد وبقيت ذكراهم في وجدان وذاكرة الأمة ، يشيرون بدمائهم نحو طريق العزة والكرامة والتحرير ويرددون : نحن الشهداء … صلى مولانا الشيخ علينا منذ أخذنا العهد ، ضقنا عينا بالشمس وبالخبز اليومي … وفتحناها في قدس النور الكلي ، فمرحى للفتح والنصر ولا أسفا لو نستشهد " ما نحن بأحجار تلقى في غير قرار … أنا نصعد … أرواحا لم تثاقل للارض ،أرواحا تشبه عود الند … نحن الشهداء … خيل القمة خيل يعرفها أهلها … خيل الصبح وتعرفها حطين … يعرفها المعتصم المنجد … في زمن الصحة قبل قرون … هذا زمن الصيحة يتجدد … هذا المنجد … هذي خيل المعتصم تحمحم في يعبد .

فإلى جنات الخلد يا شيخنا وقائدنا أبا محمد .

والسلام على روحك الطاهرة ، وذكراك العطرة .

المصادر :

1_ معالم في الطريق لتحرير فلسطين _ المقاومة .

2_ أنشودة القسام : منير الريس .

3_ الشيخ المجاهد : عز الدين القسام .

4_ الشيخ القسام في تاريخ فلسطين : بيان الموت .

***********************************************************************************************************

الشهيد محمد أحمد حسن أبو نقيرة

أبو أحمد افتتاحية الشهادة

"الاسم الأول في سلسلة قائمة الخلود التي اعتلت صهوة المجد مبكراً لتفتح للامة بوابة الجهاد مجدداً…بوابة تحمل قسمات نورانية تعمق في صخر التاريخ اسم قسام يعبد "

كانت الساعة تقترب من الساعة السابعة والنصف من مساء اليوم الثالث عشر من شهر ديسمبر من العام 1990م….. وقد أرخى الليل سدوله في جو يحمل بصمات كانون الباردة على مخيم الشابورة القابع رمز اللجوء والقحط وسط رفح الباسلة ….. وكان الصباح على موعد مع الذكرى الثالثة لانطلاقة حركة المقاومة السلامية (حماس) أبرز أسماء الانتفاضة الفلسطينية الماجدة،حين دوى صوت قنابل تبعه زخات من رصاص سلاح أوتوماتيكي من موقع البيارات الملاصقة رمزاً للصمود الفلسطيني غرب مخيم الشابورة…… قليل هم الذين جلب انتباههم الصوت المدوي فأغاريد الرصاص لحن تعودته أذان أبناء رفح الصمود منذ زمن الانطلاقة الأول قبل أعوام ثلاثة من تاريخ هذا اليوم وبعد ساعات ثلاث من هذا الحدث شق صمت الليل إليهم صوت مجموعة سيارات عسكرية إسرائيلية تقدمت حيث يقبع منزل أحمد أبو نقيرة وذاك الرجل الصلب الذي هاجر من بلدته الأصلية (بئر السبع) التي تعلم منها فنون الصبر حيث حياة المكابدة …. طرق الباب عدة طرقات أطل بعدها(أبو محمد) وخلفه أم محمد تطل برأسها وإذا بجنود الاحتلال يحيطون هذا الموقع الحصين وكلمات فجائية خرجت من فم الضابط بكل بساطة (ابنك محمد قتل الليلة وعليك الحضور بعد ساعة كي تواريه التراب).

(محمد أبو نقيرة) الاسم الأول في سلسلة قائمة الخلود التي اعتلت صهوة المجد مبكراً لتفتح للامة بوابة الجهاد مجدداً…بوابة تحمل قسمات نورانية تعمق في صخر التاريخ اسم قسام يعبد….إذن هي الانطلاقة مجدداً بعد أن رسخت الصبغة الأساسية لهذا الطريق الشاق الطويل و محمدنا الابن الأول لوالديه حيث أطل على الدنيا بعد طول انتظار في اليوم الثاني من شهر أبريل من العام 1965 ميلادية في مدينة رفح وبعد خمس البنات وتعلقت به العائلة الوادعة وخاصة والدته … وزاد تعلقها أنها رزقت بعده بأربع بنات.

نشأ (محمد) على الرجولة حيث تعود أن يُسمع ويُطاع حتى من أخواته اللواتي يكبرنه حيث برزت فيه روح القيادة مبكراً ….. وما كاد يشب حتى بدأ يساعد والده في بيع الخضار والفواكه في السوق أيام إجازته، وكان الوضع الاجتماعي المحيط (بمحمد) حسناً مما أسهم في حسن النشأة …. وأكسبه هذا العمل حيوية ورشاقة مما ساهم في إبراز الجانب الاجتماعي في شخصيته حيث تميز بعلاقاته الاجتماعية الواسعة واكتسابه محبة جميع من يلتقي بهم بسرعة … وبرزت الأمانة معلما بارزاً في شخصية محمد التاجر الصغير …

شب الطفل الصغير على أعين والديه الذين يرقبان كل خطوة من خطوات حياته ويتمنيان له الخير والرشاد … حتى غدا فتى يافعاً طالباً في مدرسة بئر السبع الثانوية … وبدا النضج معلماً بارزاً في شخصية (محمد) … وبرزت شخصيته المتمردة على الواقع المظلم لشعب يرزح تحت الاحتلال.

حيث كان (محمد) من أبرز نشيطي المظاهرات، وفي أحد أيام 1982م حاصر الجيش المدرسة وأوقف الطلبة على الجدار الداخلي رافعي أيديهم وكان(محمد) الذي قفز وسط الجنود بكل الجرأة على الجدار محاولاً اجتيازه، فأطاق أحد الجنود عليه النار وأصابه برصاصة مطاطية في يده، واعتقل حينها عدة أيام ثم خرج بكفالة وفي هذه الأثناء برز (محمد) وسط أقرانه. وبدا للفتى الناضج في تلك المرحلة توجه سياسي حيث كان أبرز أبناء الشبيبة الطلابية ….. انقضت المرحلة الثانوية وانتقل محمد للدراسة في الجامعة الاسلامية بغزة وبدأ الفكر الإسلامي يملأ عليه حياته … ولم يستمر طويلاً في دراسته حيث عاد للسوق وتكبد مشاق الحياة مع والده وبدأ التاريخ يرسم خطاً بيانياً تصاعدياً جديداً في حياة الشعب الفلسطيني ومسار الحركة الإسلامية بصفة خاصة حيث انطلقت شرارة الانتفاضة من شمال القطاع، حيث تقبع جباليا الثورة وامتدت إلى جنوبه حيث (محمد أبو نقيرة) الرجل شديد البأس يقبع في سوق رفح ينتظر قدره ليرسم بدمه جزءاً كبيراً من هذا الخط البياني التصاعدي كأحد نقباء (جماعة الأخوان المسلمين).

ومن اللحظة الأولى لانطلاقة الشرارة بر بطلنا كأبرز نشيطي حماس في المواجهات وتنفيذ الإضرابات ومعه أخو(بسام أبو عرادة) الذي استشهد في المواجهات وكان لهذا أكبر الأثر في حياة محمد المجاهد … وفي شهر مايو 1989 م كانت أذرع الأمن الإسرائيلية توجه ضربة واسعة ضد حركة المقاومة الإسلامية حماس وتطال حملة الاعتقالات رجل هذه السطور ليقضي محكوميته البالغة عاماً ونصف العام بتهمة الانتماء إلى حماس وتنفيذ فعاليات الانتفاضة والمشاركة بأعمال ردع لعدد من العملاء حيث كان الشهيد متحمسا للعمل الجهادى …ويبغض العملاء وكان كلما مر بعميل ينشد بيت الشعر الذي طالما ردده :

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً -- ويأتيك بالأخبار ما لم تزود

ومواجهة الأخطار كانت هوايته المضلة حيث كان الوقت المفضل لديه الخروج ليلاً حتى في منتصف الليل وفي ظل منع التجول الشامل، وقد خرج في احدى الليالي الساعة الواحدة وسأله رفيق دربه، هل تخاف مقابلة الجيش : قال : لا … لا أحسب حساباً لليهود الكلاب ولكن أحسب للكلاب العادية، وفعلاً هاجمتهم مجموعة كلاب فهربت جميع الكلاب إلا كلباً أسود هجم على الشهيد فأمسك به محمد وألقاه أرضاً ووضع في فمه حذاءه ولاذ بالفرار مع رفيقه. وكثيراً ما قابل أثناء تجواله الليلي جنود الاحتلال فيتحايل في التخفي والابتعاد عنهم ويسلمه الله تعالى.

وطوال فترة محكوميته لم يهدأ (محمد) فلم يتعود حياة القيد، فكان يفكر دوماً كيف الخروج من هذا القيد فما لهذا خلقت …. فقد اعتاد (محمد) حياة الحرية يفكر بعقله ويتحرك بإرادته حيث كان يملك قراراً مستقلاً، وشعوراً بالحرية يملأ عليه حياته …

هذه الطبيعة المنطلقة جعلت من السجن قيداً يثقل كاهله مما أثر في روحه المعنوية في داخل المعتقل وظل ينتظر بفارغ الصبر يوم الخامس عشر من شهر نوفمبر سنة 1990 م، يوم الحرية وكسر القيد الثقيل..وما أشق الانتظار!!!

وأخيراً جاء يوم الحرية المنتظر وخرج (محمد) من قيد ه وهو يحمل روحاً وثابةً منطلقة مقبلة على العمل وأي عمل …؟؟ إنه الجهاد ذروة سنام الإسلام.انطلقت الروح الوثابة والهمة العالية دون كلل أو ملل أو تهاون أو تراجع، وشمر المجاهد الشهم عن ساعد الجد وخاض دروب الجهاد بكل بسالة وتفان، فألح فور خروجه من المعتقل كي ينضم إلى (الجناح العسكري) لحماس فيما ألحت عليه والدته بالزواج كي تفرح وكان جوابه دوماً" سأتزوج لكن ليس من هنا وليس الآن".

واسم القسام حينها لم يرسخ بعد ويتردد بشكل مقتضب في مناطق متفاوتة أبرزها رفح البسالة،حيث وضع حجر الأساس لانطلاقة (كتائب الشهيد عز الدين القسام)…ز والتحق الشاب التواق بإحدى الخلايا القسامية في رفح، وذلك بعد استجابة للإلحاح المجاهد العملاق، بعد الإصرار والتصميم الذين أبداهما المرابط الثائر …. وكانت الكتائب في رفح حينها قد أعدمت شخصين متهمين بالتعاون مع الاحتلال،وبعد خروجه من المعتقل لم ينم شهيدنا أكثر من خمسة أيام في منزله حيث كان يخرج من بيته بعد المغرب ولا يرجع إلا صباح اليوم التالي، والغالب أن هذه الحرجة كان يقضيها في مهام عمله الجديد حيث لم تتوقف عمليات خطف المتعاونين والتحقيق معهم وقتل عدد منهم …

رفع المؤذن صوته بالنداء الخالد الراشد داعياً الناس لصلاة المغرب..واصطف الناس للصلاة وبينهم محمد يرفع يديه مكبراً يسجد لله عز وجل وبعد انتهاء الصلاة عاد فوراً إلى منزله وأخبر أمه أنه لن يعود إلى منزله هذه الليلة ….وألح عليه القلب الحنون بالنداء للبقاء …. فأجابها: لا أحب السجن ولا أريده، وغداً انطلاقة حماس … وأعقب هاتفاً وهو يخرج " يا ستي لو استشهدت فافرحي" ومضى قافلاً نحو هدفه …

بدت الشوارع خالية إلا من بعض الذين اضطرهم ظرف للخروج حين انطلقت خلية قسامية وهي تحمل شخصاً بعد ورود معلومات تحمل الإدانة والاتهام له، ودخلت الخلية منطقة البيارات الواقعة غرب الشابورة، وباشرت التحقيق معه، وأثناء ذلك حضرت دورية عسكرية من الناحية الغربية ولحظ المجاهدون ذلك وكان على أحد الأبطال إعاقة الدورية من موقع العمل، ورفع محمد يده هاتفاً أنا لها … أنا لها.

وانطلقت الخلية ووقف محمد خلف إحدى الشجيرات، ولما اقتربت الدورية ألقى ثلاث قنابل من صنع محلي على الدورية …. وأعقبها زخات رصاص لاحقت المجاهد حيث استقرت إحداها في فخذه الأيمن وتم اعتقله …..

وسارت به القوة وهو مصاب باتجاه معتقل أنصار في خانيونس وهو موثق اليدين والقدمين واتجه به الجنود ناحية غرف التحقيق.

ولما كان محمد مميزاً بالجرأة والمواجهة والعناد، فقد أسلم روحه إلى بارئها دون أن يسلم كلمة واحدة إلى ضابط التحقيق.

وفي الساعة الثانية عشرة ليلاً كان الوالد المحتسب يحيطه عدد كبير من جنود الاحتلال يواري جثمان ولده الشهيد التراب وهو يردد (إنا لله وإنا إليه راجعون)…..(حسبنا الله ونعم الوكيل)، يتلو آيات من كتاب الله عز وجل …فيما والدته تقف ذاهلة وهي غير مصدقة، فقد كان الخبر مفاجئاً وصاعقاً لأمه ولجميع من عرفه، فقد احتل في قلوب الناس موقعاً متميزاً لتطوى صفحة أولى ناصعة من صفحات الجهاد القسامي المتنامي على أرض الرباط الإسلامية، ولتنطلق الشرارة المميزة في العمل العسكري الإسلامي استجابة لوعد الله تعالى على هذه الأرض المباركة.

***************************************************************************************************************

شهادات حية لأسرى حول بطولات شهداء كتائب القسام

الشهادة الثانية حول الشهيد

فيصل سعود أبو سرحان

العبيدية / محافظة بيت لحم

القدس هي الحركة الجارية مع أنفسنا والمدد الساري فينا سريان الروح من الجسد مدينة لا تعرف الهوان والمذلة قوية أبية عصماء لا يعمر فيها ظالم ولا يخلد فيها غاشم ولن تكون نهاية صهيون على ثراها خيرا من نهاية الصليبيين في حطين أو التتار من عين جالوت .. لأجلها ترخص الدماء والأرواح وتهون التضحيات وحفاظا على ثراها سالت دماء الصحابة والتابعين وضحى السلطان عبد الحميد الثاني بدولة الخلافة وتلون ثرى القسطل بدماء عبد القادر الحسيني وتعطرت أحراش يعبد بدماء القسام ورفاقه وعلى الطريق قدم شعبنا ولا يزال يقدم الشهيد تلو الشهيد دفاعا عن القدس بحجارتها ومساجدها وحارتها وسورها وبواباتها وكل ذرة من ثراها تمتزج بدم شهيد سقط مدافعا عنها مرددا.." أقصانا لا هيكلهم " ، ولم تكن مجزرة الأقصى بتاريخ 8/1/1990 م التي راح ضحيتها عشرون شهيدا ومائه وخمسون جريحا لم تكن أول ولا آخر مجزرة يرتكبها الصهاينة بحق شعبنا المجاهد فتاريخهم ملون ومسطر بدمائنا ومزين ومزخرف ببشاعة مجازرهم وعنصريتهم وهمجيتهم بدأ بدير ياسين وكفر قاسم والطنطورة وانتهاءا بنحالين والأقصى ومجزرة الخليل وترقوميا ولطالما استنجدت القدس بالمسلمين ورددت ملئ فمها واسلاماه .. وامعتصماه.. ولا مجيب ولا معتصم ولا عمرو ولا صلاح الدين واثر مجزرة المسجد الأقصى البشعة هب بطل مقدام بسكينة لينتقم للشهداء وليشعل حرب السكاكين التي أثارت الرعب من صفوف يهود وشفت صدور المؤمنين وصار بطل عملية البقعة " عامر ابو سرحان " رمزا للجهاد والبذل والتضحية والبطولة وتردد اسمه في المساجد والمهرجانات والأناشيد والمواعظ ورددت الحناجر ((عامر سرحان باستبسالوا علمنا ضرب السكاكين كيف يحرر وطنا ))حتى صار مضربا للمثل مما دفع يهود للانتقام فيه عبر عزله السنوات زنازين عزل الرملة والحكم عليه مدى الحياة وهدم منزل عائلته الذي كان يأوي وقتها أكثر من عشرين فردا إضافة الى طابور جديد بنى حديثا الى جانب المنزل وتحطيم ثلاث غرف نوم جديدة لإخوته مما اضطر أسرته للهرب الى الأردن مؤقتا حتى تتخلص من تحرشات الجيش والمستوطنين وبقى أخوه " فيصل سعود أبو سرحان " ليكمل آخر امتحانات التوجيهي ويلتحق بعدها بأهله فيفرغ اليهود حقدهم بشهيدنا فيصل انتقاما من أخيه المجاهد " عامر ابو سرحان".

ولد شهيدنا فيصل " أبو مروان " من قرية العبيدية قرب بيت لحم عام 73 ، ورضع حب الدين والوطن والشجاعة والفداء منذ الصغر وكان أول طالب من رياض الأقصى التي افتتحت من القرية عام 1979 م وحفظ فيها الأناشيد وتغنى بكتاب الله منذ الصغر وكبر وكبرت معه أفكاره وأحلامه وتوسعت مداركه لما يعانيه شعبنا من تهجير وقتل وتشريد وامتاز بمكانته الخاصة لدى والديه وعلاقاته الاجتماعية مع اقرانه وتعلق قلبه بالراية الخضراء وكأنما أحس بقرب الشهادة فقال لأحد إخوانه احتفظ بالوصل لأنني لا اعلم ما يحدث لي غدا وعندما زار أخاه "عامر" من عزل الرملة واخذ يحدثه عن الجهاد والشهادة وقصص الشهداء تأثر فيصل كثيرا خصوصا لدى سماعه عن الشهيد القسامي " مروان الزايغ " فجعل كنيته " أبو مروان " تخليدا واعتزازا بهذا الشهيد واقتداءا بالمصطفى عندما احضروا له طفلا فقالوا ما اسمه قالوا فلان قال بل هو المنذر تفاؤلا باسم عم أبيه " المنذر بن عمرو " الذي استشهد من بئر معونة .

وفي يوم السبت اندلعت مواجهات من قرية العبيدية لدى اقتحام الجيش للقرية تركزت من مدرسة العبيدية الثانوية وكان فارسنا المقدام " فيصل " من المقدمة يصدح بالتكبير ويرجمهم بحجارتنا المقدسة ولدى اشتداد المواجهات بدأ المتظاهرون بالانسحاب وبقى " ابو مروان " صامدا لا يتراجع ولا يتزحزح مع مجموعة من إخوانه المجاهدين فقام قناص يهودي مجرم بتوجيه الرصاص نحو " صدر " فيصل الذي سقط جريحا على ارض المدرسة فاندفع الصهاينة الكلاب نحو صيدهم الثمين وكم كانت فرصتهم عندما عرفوا أن أخاه هو مفجر حرب السكاكين عامر أبو سرحان وأطلقوا الرصاص نحو رأسه ليجهزوا عليه كما روى بعض شهود العيان وتلقى الأهالي نبأ استشهاده بتصعيد المواجهات وملاحقة قوات الجيش الى مستشفى الحسين في بيت جالا وحمل الشهيد على الأكتاف ليزف الى الحور العين ودفن من قرية زعترة شرق مدينة بيت لحم يشكو الى الله ظلم الظالمين وحقد بني صهيون أذل وأخس خلق الله أما أسرة الشهيد فقد تلقوا خبر استشهاد فيصل بالفرح والاستبشار واستقبلوا المهنئين في حفله أشبه ما تكون بالعرس في منطقة مأدبا وزعت فيها المشروبات والحلوى .

هكذا غادر جسد فيصل وبقيت روحه وذكراه العطرة تبعث في قلوبنا الحياة وتذكرنا أن هناك قيم ومبادئ أغلى من الحياة ذاتها وان الحياة مجرد رحلة عابرة نحو الحياة الحقه هناك في جنات ونهر عند مليك مقتدر وكم من الأموات تحيى القلوب لذكرهم وكم من الأحياء تقسوا القلوب برؤيتهم.

مضى فيصل لينضم لأخيه مروان ليطرب بسماع قصته يرويها له بنفسه بعد أن سمعها من أخيه عامر ويحدثه عن أخوه يقبلون من الأسر يحبونه ويرددون ذكراه، ويدعون الله ألا يحرمهم اجر الشهداء ولا صحبتهم والى اللقاء في جنات الخلد يا فيصل.

والسلام على روحك الطاهرة.

******************************************************************************************************************

الشهيد القسامي

غسان مصباح أبو ندى

( أبو مصباح ) عملاق جديد وبداية الطريق

" وكان على أبناء الإسلام دفع مهر الجنة من بداية الطريق ... حيث أريق دم غسان فــــي أول محاولة تطهيرية.. ليعلن هذا الدم الطاهر الزكي بداية الصعود القسامي الشامخ على أرض الرباط لتأخـــذ القضية الفلسطينية بُعدها العقائدي الحقيقي ليس عبر شعارات بل عبر شلال دم نـوراني لم يتوقف كان شهيدنا أحد روافده .

لا زالت الانتفاضة المباركة متأججة نارها على طول البلاد وعرضها وكل يوم يدفع شعبنا ثمن استمرارية الثورة من دمه وعرقه وجهده ، فما من بيت فلسطيني إلا وزارته المحن والكروب ليدفع أهلنا ثمناً غالياً للحرية والكرامة وبطلنا اليوم أحد أولئك الذين أبوْا إلا العطاء ، وأي عطاء ... إنه الدم والشهادة ...

كان اليوم الثالث من شهر مايو/ آيار من العام 1991م حيث أزهرت ورود الربيع الحالم ، وحين داعبت نسمات المساء الرطبة وجوه الخلية القسامية الأولى في منطقة غزة الرابضة بين الأحراش الواقعة شمال غزة تنتظر صيدها الأصعب في باكورة أعمالها التطهيرية ... والصيد ليس سهلاً بل لعله أخطر المطلوبين لمجموعات الانتفاضة نظراً لتسليحه الجيد وتحركه الدقيق...

لم يطل انتظار الخلية حتى تقدمت السيارة التي تحمل الهدف (مصطفي المشلوح) أخطر عملاء المنطقة الشمالية ... وتوقفت السيارة بشكل طبيعي أمام الحاجز الحجري الذي وضع لهذا الغرض ... فانقضت الخلية القسامية على العميل الخطير وأحاطت بالسيارة وأظل بطلنا المقدام (غسان) من زجاج السيارة إلى حيث يجلس المشلوح خلف المقوّد آمراً إياه بالنزول الفوري ... وفي لحظة أخرج المجرم مسدسه وأطلق الرصاص على رأس (غسان) الذي سقط فوراً على الأرض مدرجاً بدمائه الطاهرة ... ولم يلبث إلا دقائق حتى صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها... كانت السيارة حينها تنطلق وسط الحاجز فارة فيما بقي الأبطال القساميون في ذهول شديد ... أحاطوا بجثمان أخيهم الشهيد في لحظة وداع أخيرة مؤثرة ، أقسم حينها الأبطال بالله العظيك على الثأر والانتقام لدماء (غسان) الغالية من كل المجرمين .

هذه اللحظات الرهيبة كانت الدافع الأكبر لهذه الخلية القسامية للإنطلاق الإبداعي لتمثل أبرز ما أنتجت خلايا القسام من إنجازات وليمثل كل واحد منهم علمــاً بارزاً من أعلام الجهاد القسامي على أرض الرباط .

من قرية (بيت جرجا) الفلسطينية هاجرت عائلة (أبو ندى) كما هاجر كافة أبناء فلسطين الحبيبة إلى اللجوء في الديار بعد الهجمة اليهودية الشرسة بمساندة القوى الغربية وتخاذل القوى العربية حيث بات للشعب الفلسطيني أبناء في كافة البلدان نتيجة النزوح الجماعي والهجرة المريرة .

واتجهت عائلة (أبو ندى) إلى الجنوب حيث قطاع غزة وفي مخيم اللاجئين جباليا الأكثر شهرة والأكبر عدداً حُطت الرحال ونصبت الخيام ...

وظلــت أحلام العودة إلى بيت جرجا ساكنـة في أوصال القلب النازف ... وشاب (مصباح أبو ندى) وما زال قائماً على حلمه ... ونقل حلمه إلى ورثته الذين عليهم أن يحملوا هذا الحلم حتى يتحقق أو يورثوه لأبنائهـم ...

كان الحلم أكثر رسوخاً في ذهن الابن الثالث (غسان) الذي ما كاد يشب عن الطوق في بداية نوفمبر سنة 1970م ... حتى بدأت أسئلته تكثر حول بلدته الأصلية وموقعها وجمال الحياة فيها... وكان يجلس ساعات إلى جوار والدته العطوف وهو يستمع إلى الحكايات عن بيت جرجا الرطبة ... وظل يردد :" يا ريح الصبا الوافي إن زرت الحمى سحراً وأهلي نائمون اقري الحمى مني السلام وقل له انا وان نأت الديار لعائدون " .

وبذلك ارتبط (غسان) بوالدته ارتباطاً وثيقاً حتى لا يكاد يفارقها أو يبتعد عنها وما زال يُسقى من معين حنانها حتى غدا الهدوء والسكون معلماً بارزاً من معالمه .

وارتقى (غسان) في هذا الحضن الدافىء ، وفي كل يوم يزداد الفتى شوقاً للديار .. وشوقاً لسماع قصص وأحاديث الأم الحنون عن هذه البلاد وخيرها .

وكان الفتى يتقدم في دراسته وما كاد ينهي الثانوية حتى انطلقت الشرارة الأولى للانتفاضة من مخيمه الحبيب حيث شاهد وشارك في هذه الانطلاقة المباركة لشعب يأبى الضيم والقيد...

ظروف النشأة التى ترعرع فيها جعلت هذا الفتى الوسيم خجولاً ... رغم ذلك فهو قويٌ صلبٌ متين يمارس رياضة فن الدفاع عن النفس (الكراتيه) لضرورته لشعب أعزل يواجه خطراً داهماً ... إضافة لممارسته هوايات أخرى ككرة القدم هذا عدا الصداقة الدائمة للكتاب ... فحيثما حل حمل كتابه فنشأ متعلماً مفكراً فيما أطربته الأصوات الإسلامية ونشيدها العذب الرائع ... وهو كشاب مسلم نشأ في المسجد ورضع حليب الإسلام منذ نعومة أظفاره أراد أن يكون رجلاً كاملاً ... وتطبيقاً لمنهج الإسلام كان (غسان) حريصاً على الطاعة لأهله وإخوانه حتى عدت معلماً بارزاً يميز (غسان) الهادىء الوديع ...

ورغم الظروف المادية الصعبة التى تعيشها العائلة المتواضعة حيث والده العاطل عن العمل وشقيقه الأكبر يعمل كسائق سيارة ، فيما شقيقه الثاني يواصل دراسته في أمريكا ... رغم ذلك أكمل الفتى المجتهد دراسته فتعلم فن العلاج الطبيعي وهو علم بدأ ينتشر في ظل الانتفاضة حيث المعاقون والجرحى المتعددون تضاعف عددهم وهم بحاجة إلى اليد الحانية التى تمسح عنهم عناء الإصابة ... وعمل (غسان) بعد تخرجه في المستشفي الأهلي العربي في مدينة غزة... يخفف عن الناس آلام المصاب بالعلاج الطبيعي والتمارين التى يؤدونها بتوجيهات (غسان) ... وكان أكثر ما يغضب الشــاب اليافع رؤيته لأحد أفراد شعبه وقد ترك الصلاة فيبادر إلى نصحه وتوجيهه .

فحرص على بناء نفسه بناءً إسلامياً صلباً ولم يقف عند هذا الحد حتى يبني بيته بناءً إسلامياً ، فالتدرج في البناء مسألة هامة في العمل الإسلامي بها نتج المجتمع المسلم الذي يمثل اللبنة الأساسية للدولة الإسلامية التى يسعى (غسان) ومع إخوانه لبنائها، لذلك كان غسان الأسرع في تلبية أي نداء استجابة لمفهوم الطاعة الذي تعلمه منذ نعومة أظفاره ، واستجابة لمعنى التربية بالقدوة لذلك لمّا نادت حماس بتحريم البضائع الإسرائيلية فحرّم غسان هذه البضائع على نفسه بشكل قاطع .

هذه الإرادة الصلبة كانت ناجمة عن الارتباط الكبير بالآخرة ... هذها الإرتباط المتواصل العبادة والالتزام التام في بيت الله ... كل هذا كان يدفعه دوماً باتجاه الشهادة والآخرة ... لذلك تراه يخبر كل من يحبهم أنه يزهد في الدنيا الزائلة ... المليئة بالظلم والإجحاف ... يريد أن يغادرها إلى الجنة للحياة مع الأنبياء والصديقين والشهداء وبجواره الحور العين استجابة لوعد الله للشهيد .

كان حديثه دوماً يحمل هذا الطابع الإيماني بحيث كان دوماً يدفع إخوانه نحو الجهاد والاستشهاد ونحو أداء واجب الدعوة على أكمل وجه ، كل ذلك لم يكن ليدفع غسان إلى التهور أو تعجل القدر ، فظل يعمل في صفوف حركة المقاومة الإسلامية - حماس - وهو ينتظر أمراً جديداً لعمل أرقى يرتقي به إلى العلى ويسطر بدمه خارطة الإسلام في العصر الحديث وليكون بذلك القدوة لهذه الطريق ... تماماً كما علّم أهله وكثير من إخوانه وهو صامت ... علمهم حين سلك الطريق القويم وأرشدهم بإرادته وعزيمته اللحاق به ...

كان من أكثـر ما يكره (غسان) النجاسة العالقة بمجتمعنا ... يتمنى أن يرى مجتمعاً طاهراً نظيفاً ويردد دوماً أنه بذلك نبدأ فقط طريق الحرية ... لذلك كان دائم الحديث عن العملاء وخطورتهم وضرورة التخلص منهم وربما كان هذا هو الدافع الأكبر (لبشير حماد) كي يتقدم نحو (غسان) يعرض عليه الانضمام إلى أول خلية قسامية في جباليا لملاحقة أذناب الاحتلال والقضاء على فلولهم ، وضمت الخلية إلى جانبها (مجدي حماد) الذي يقبع خلف الأسلاك الشائكة يقضي محكومية عالية والشهيد (عماد عقل) الذي أدرك رفيق دربه (غسان) بعد سنوات لتنطلق الخليــة الأولى لأداء عملها البطولي وعتادها في ذاك الحين الخناجر والسكاكين فقط .

وكان على أبناء الإسلام دفع مهر الجنة من بداية الطريق حيث أريق دم (غسان) في أول محاولة تطهيرية ليعلن هذا الدم الطاهر الزكي بداية الصعود القسامي الشامخ على أرض الرباط لتأخذ القضية الفلسطينية بعدها العقائدي الحقيقي ليس عبر شعارات بل عبر شلال دم نوراني لم يتوقف كان شهيدنا أحد روافده ...

انتصبت أم غسان واقفة وهي تضع يدها على وجهها لما وصلها خبر استشهاد (غسان) وهي تردد كنت أنتظره لتناول طعام الافطار سوياً ... هل حقاً لن تعود ثانية يا ولدي وظلت هكذا تردد حتى عاد إليها رشدها وأخذت تردد حسبنا الله ونعم الوكيل ، فيما وقف الوالد أمام ولده المخضب بدمائه وهو يردد بشكل سريع " إنا لله وإنا إليه راجعون " .

وانطلقت مسيرة حاشدة وهي تحمل جثمان رمز العطاء القسامي الأول (غسان) إلى حيث مثواه الأخيـر ليواري الجسد الطاهر التراب ...

وفي مقبرة جباليا ينتصب قبر الشهيد غسان مصباح عبد الحميد أبو ندى كالنجم اللامع يهدي الحيارى إلى الطريق الصحيح نحو الآخرة ... نحو الفخار والحرية ... وكانت الدماء الغزيرة التى دفعها غسان ثمناً للجنة والحور العين تضع حاجزاً كبيراً مع العملاء والخونة وخاصة أولئك الذين لم يتورعوا عن قتل أبناء شعبهم ... وكانت ذات الدماء دافعاً أكبر للخلية القسامية للانطلاقة في حرب التطهير من دنس العملاء ورجس أسيادهم اليهود ...

وذات الدماء كانت أكبر دافع لعائلة غسان نحو مزيد من الالتزام الإسلامي القويم وهم يغشاهم طيف ابنهم وأخيهم يتقدم الطريق ولا زالوا يذكرون تقواه وصلاته وصيامه وغيرته على دينه وعقيدته ، ولا زالوا يذكرون حثه الدائم لهم الالتزام وربطهم بالآخرة ويوم القيامة وفوراً يرددون أن العين لتدمع وأن القلب ليحزن وأنا على فراقك يا (غسان) لمحزنون ...

وقد نعت حماس على الجدران شهيد كتائب عز الدين القسام غسان أبو ندى وكان هذا أول بروز جماهيري لاسم كتائب القسام ... الاسم الأكثر شهرة وتواجداً في ضمير الشعب الفلسطيني في العصر الحديث .

********************************************************************************************************************

الشهيد

مروان فرج سلامة الزايغ

"غادر (مروان) دنيانا إلى حيث مقره الدائم في الفردوس الأعلى مع الأنبياء والصديقين والشهداء ليعلو رحاب الوجود بعد أن ذكر الله تعالى في عمله فذكره تعالى في قضائه فهنيئاً للثرى الذي لف جسده الطاهر، وعاشت ذكراه خالدة لأنه خاض التحدي المفروض بكل قوة ..فنال رضوان الله بإذن"

فتح مروان عينيه منذ الصباح على نداءات التكبير تعلو منزله،خرج حيث الإطارات المشتعلة والطرق مسدودة،وأنبأه أحد إخوانه أن يهودياً قتل سبعة من العمال فجر هذا اليوم 20/5/1990 م اشتعلت النار في صدر مروان) وبدأت تتراءى أمامه خواطر تحمل معاني الثأر والغضب .. ما ذنب هؤلاء العمال ؟؟ ألا يكفي القتلى كل يوم في غزة وجباليا وخان يونس ورام الله والخليل وبيت لحم، وكل أرجاء الوطن ولكن أين يمكن إطفاء تلك النار المستعرة في صدر مروان ..؟!! وفي مساء8/10 /1990 م انطلق (مروان) نحو مسجده كعادته لأداء صلاة الظهر حين لاقاه أحد إخوانه يحمل إليه نبأ استشهاد عشرين فلسطينياً في المسجد الأقصى المبارك في مجزرة رهيبة ..

ضاقت الدنيا في عين (مروان) .. شعر باختناق رهيب وأن ملك الموت يزوره وتراءت الأفكار في ذهن (مروان) في لحظة الذهول هذه .. واختمرت في ذهنه الفكرة، فمروان الذي يأبى القهر والظلم والتعسف لا يمكن أن يتجاوز واقع شعبه المرير وبهذا الإباء يصنع واقعاً جديداً وبذلك التحدي الصعب الشرس،يصنع المستحيل رغم تفاوت الإمكانات .. ضغط (مروان) على شفتيه وهو يردد :

أرى بلادي تبتلى-- وتهان من نسل القرود

و أغض أجفاني على-- شوك المذلة كالعبيد

في الأسر تصرخ ويحنا-- أيراه مزقني القعود

انطلق مروان ذاك الفتى اليافع الذي يبلغ من العمر سبعة عشر عاماً فجر يوم 14/12/1990م ليلقى رفيق دربه (أشرف البعلوجي) أحد أفراد المجموعة التي يرأسها مروان في تنفيذ فعاليات الانتفاضة الحماسية .. التقت الأعين وتصافحت الأكف في هذا اليوم الأغر حيث ذكرى انطلاقة حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وانطلقت الأقدام نحو مسجد (السدرة) بمدينة غزة لأداء صلاة الفجر ..وكان المسجد يمثل للرجلين المأوى و المحضن والانطلاقة ..

وخرجا بعد أداء الصلاة حيث سرى فيهما عشق الشهادة مسرى الدم من العروق مروان أشرف سكيناً تفحصها جيداً ودسها في متاعه .. ركب الأخوان سيارة مرسيدس محملة بالكادحين من أبناء شعبنا الذين في شخوصهم يترسخ البؤس الفلسطيني من جراء الاحتلال، كانت نظرة (مروان) إليهم دافعاً نحو ذكرى (الأحد الأسود) .. دافعاً نحو الاستمرار في الطريق الذي قرره الفتى الثائر. وبدأ مروان بأدعية الصباح ودعاء السفر فيما غرق رفيق المهمة في نظرة وداع أخيرة حانية ..

واجتازت السيارة بسلام حاجز إيرز رغم التشديد الأمني الناجم عن الانتفاضة وعملياتها البطولية .. إنها المرة الأولى التي يدخل فيها (مروان) أرضه الطاهرة فلسطين (رغم أنه من مدينة غزة أصلاً إلا أن فلسطين كل فلسطين بلاده) حيث لم يسبق أن عمل فيها .. فيما كان أشرف يعمل في مخزن ألومنيوم بمدينة(يافا) الساحلية وكان الهدف ينتظر مصيره هناك.

ولما وصلت السيارة قرب المكان استوقفها (أشرف) وترجل الأخوان .. كانت الساعة تقترب من السابعة حين وقف (مروان واشرف) أمام المخزن وانتظرا قريب الساعة حتى بدأ أصحاب المخزن والعمال اليهود في القدوم وفتح باب المخزن ودخل أشرف وخلفه (مروان) .. وكان أشرف قد جهز قطعة اسبست مكسور لاستدراج موشيه إلى نهاية المخزن، ولما حضر بينهما استل الرجلان خناجرهما تراقصت كل ذكريات شعبنا .. ذكريات التعس والشقاء واللجوء واغتصاب الحقوق والقتل والنهب .. و" عيون قارة " حيث العمال يقتلون و" الأقصى " حيث الراكعون الساجدون يذبحون .. ليستقر الخنجر في جسد (موشيه).

ومع انطلاق صرخة (موشيه) التي أسلم فيها الروح .. لتطل السكرتيرة من مكتبها وتشاهد المنظر الذي ملأها رعباً وتغلق الباب وتهجم على التليفون .. وينطلقا خلفها لتستقر الخناجر في بطنها وتتراءى أمامهما صور أمهاتنا يقذفن بأحشائهن يقتلن في ساحات الأقصى .. في كفر قاسم ودير ياسين .. والهراوة الرابينية لتكسر عظامهن.

وعلى الصراخ والعويل جاء العامل من المصنع المجاور إلى قدره حيث عاجله (أشرف 9 بثلاث طعنات في صدره ويكمل مروان معه مشوار الذبح، وفي إحدى الطعنات تصاب يد أشرف بجرح بالغ الدماء تملئ المكان ..أحضر الماء يا أشرف طهر الأرض من نجسها حتى يأتي المزيد من الصيد ولكن اليد النازفة ألزمت بالخروج بعد أن خطت علبة الطلاء التي أحضراها معهما "حماس تعلن مسئوليتها عن عملية القتل بمناسبة الانطلاقة الرابعة لحركة –حماس-" ..

واتجه الأخوان إلى موقف السيارات في منطقة " أبو كبير " وافترقا للضرورة الأمنية مع الأمنيات القلبية باللقاء إن لم يكن في الحياة الدنيا ففي جنة الرحمن ..

حيث ركب (مروان) إحدى سيارات المرسيدس وانطلقت به نحو كتلة الانتفاضة الملتهبة (قطاع غزة) وبحماية الله وعونه تمكن البطل القسامي من دخول غزة الحبيبة وتوجه فوراً إلى منزله ليلقي عليه نظرة الوداع الأخيرة حيث سمع خبر العملية الجريئة من إذاعة العدو في نشرة أخبار العاشرة والنصف وكبر وهلل وانطلق لصلاة الجمعة في مسجد فلسطين) حيث لم يعد بعدها ..فقد بدأت رحلة المطاردة الطويلة والشاقة والممتعة .. وعلى أثر ذلك وجهت ضربة قوية لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، حيث اعتقل المئات وطورد (أشرف و مروان)، وقد اعتقل (أشرف) من الضفة الغربية ليقضي محكومية عالية في السجن.

ويرحل مروان إلى الذكريات حيث الرجل الصلب الصبور فرج سلامة الزايغ بمدينة غزة في منطقة التفاح حيث عمله الشاق المرهق (صناعة الطوب) وهو يستمع لمذياع صغير ويتابع حلقات حرب أكتوبر سنة 1973 م، ولكن ذهنه شارد هناك حيث زوجته التي تركها في المنزل وهي تعاني مقدمات آلام الوضع، ويدعو الله في سره أن يرزقه بغلامه الأول تقر به عينه ويعاونه في تحمل أعباء الحياة الشاقة ..

ما كاد ينتهي نهار عمل الرجل حتى جاءه البشير يحمل إليها الخبر السار .. زوجتك وضعت (مروان)، ولم لا يكون (مروان) ..حيث يقبع اسم (مروان بن عبد الملك) كالنجم الساطع.

أطل بطلنا الجديد (مروان الزايغ) على دنيانا المعذبة (بيد الإنسان ذاته)، وفي أسرة متواضعة ملتزمة ومحافظة، وبين أخوين وأختين، وحيث الإمكانات المادية الضعيفة .. نشأ (مروان) على الخشونة،وما كاد يشب على الطوق حتى بدأ في مساعدة والده في عمله الشاق، إضافة إلى دوامة المدرسة، وبذلك حاز محبة والديه لهذه الرجولة المبكرة، إضافة إلى هدوئه والتزامه بالصلاة، إلى جانب الخلق الحسن القويم الذي تحلى به مروان، حيث لا يذكر أن الطفل الهادئ قد جلب إلى بيته مشكلة أو مشادة مع أحد من أبناء حيه ..

وانطلقت شرارة الانتفاضة المباركة، كان مروان يبلغ من العمر الرابعة عشر عاماً فقط، رغم ذلك كان يتمتع بجسم قوي ربما يسبب عمله في صناعة الطوب ..

رغم هذه الحداثة فإن الحجارة كانت معشوقته، فكانت لا تخلو أي مواجهة مع قوات الاحتلال من وجود ذلك الفتى الهادئ الجريء الذي يرشق الحجارة بكل قوة مما أثار إعجاب المنتفضين في (حي التفاح).

ولإفراغ طاقته الكامنة في المواجهة والتحدي كان يتجه ذلك الشبل الصلب إلى (ميدان فلسطين) للمواجهة والتصعيد خاصة في أيام المواجهات المحددة من (حماس). أكسبته جرأته وغيرته احتراماً مبكراً لشخصه الصغير .. إضافة إلى التصاقه بمسجده الأيبكي)، حيث شارك بفاعليته في بناءه الجديد، وكم تمنى أن يراه مكتمل البناء ..كل ذلك أضاف إلى شخصيته مزيداً من التميز ..كانت أجمل اللحظات التي يحياها (مروان) تلك التي يلتقي فيها إخوانه، فيما عشق فتانا الانطلاق، فكان يهوى الخلاء و البيارات، حيث يسمح الموقع بإشباع الفتى لهوايته المفضلة ..

في هذه الأثناء كان مروان أصغر المنتمين رسمياً لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في حيه رغم ذلك فقد احتل موقعاً متميزاً بين أقرانه نظراً لجرأته الفائقة وتحمله للأمانة والمسئولية وعشقه للعمل الجهادي الحماسي الذي يؤديه .. وفي إحدى الجولات العملية لمجموعة (مروان) ظهرت الوحدات الخاصة ففر جميع أفراد المجموعة ومنهم (مروان)إلى أحد المنازل، ولما زال الخطر أخذ مروان المشتاق للقاء الله تعالى يبكي ويضرب نفسه وهو يقول لماذا فررت، كان ممكناً إطلاق النار علي واستشهد .. هذا عدا جرأته في المواجهات خاصة في (ميدان فلسطين) الذي يشهد له بالتألق الفدائي.

وفي إحدى المواجهات لاحظ مروان جندياً يقف وحيداً بجوار سيارة الجيب، فحمل حجراً كبيراً وتقدم رويداً رويداً من خلف الجندي وهو ينوي قتله بحجره العظيم، وفي هذه الأثناء ركب الجندي الجيب واصرف من مكانه وتراجع (مروان)، وقد اعتقل (مروان) أثناء إحدى المواجهات ومكث ثماني عشرة يوماً في سجن أنصار 2 بغزة، هذا الإقدام الخارق كان الدافع الأكبر لموافقة (مروان) حين تقدم منه أشرف يعرض اقتراحاً بقتل عدد كبير من اليهود .. بل كان سابقاً إلى الإقدام ثأراً للنار المتأججة في قلبه العامر بحب الله والوطن. وبعد تنفيذ الهجوم الجريء في قلب الكيان لابد من الضريبة وهي غالية .. أيسام وأشهر وسنون من المطاردة والملاحقة الدائمة والدائبة من جند الاحتلال وخفافيش الظلام، وقدر الله تعالى يضع بصمته فيحفظ (مروان) بعينه التي لا تنام .. حتى يسقط شهيداً على هذه الأرض الطاهرة ..فقد غادر مروان مدينة غزة فوراً نحو المنطقة الوسطى في القطاع (المغراقة) حين افترش الأرض والتحف السماء ..وكانت عناية الله تحوطه في كل حين وعينه ترعاه كل لحظة، حتى أن جنود الاحتلال يعيثون فساداً في مجموعة الأشجار المجاورة للشجرة التي يجلس في ظلها المجاهد دون أن يقتربوا منه .. ويذهبون للبحث عنه في منزل أخواله فيما هو يقبع خلف المنزل ينظر إليهم ويلاحق الجنود مجموعة من راشقي الحجارة في مجموعة الأشجار التي يعيش وسطها ولا يلتفتون إليه ..

وفي أثناء هذه الحياة الحافلة تعرف (مروان) على بعض إخوانه المجاهدين الذين التحق بهم في العمل العسكري الذي كانوا يؤدونه في تلك الفترة، ولم تكن قد بدأت حياة المطاردة بشكل واسع .. فالمطاردة لدى (كتائب القسام) مدرسة واسعة افتتحها (مروان) الشهيد ..

وكان جل العمل حينها يرتكز على التطهير من العملاء وأذناب الاحتلال فشارك بطلنا المقدام بفاعلية واسعة في هذا المجال، إضافة إلى تنفيذ هجمات ضد قوات الاحتلال ومستوطنيه وأبرزها قتل (الحاخام دورون) قرب دير البلح بتاريخ 1/1/1992م، وقتل (ديفيد كوهين) قرب بيت لاهيا بتاريخ 20/5/1992 م. كان (مروان) يدفع ثمن هذه المرحلة الحرجة من مضايقات هائلة لأهله حيث اعتقل حوالي خمسة عشر من أبناء عائلته، كما داهم الجيش منزله أكثر من مائة ..هذا عدا إغلاق الاحتلال لمنزل أهله بعد الهجوم الجريء في قلب يافا، فأصبح كل من (مروان) وأهل بيته بلا مأوى، كل في مكانه. و (مروان) يبدو أكثر تصميماً على التحدي حتى الشهادة فوق أرضه الطاهرة فيرفض بإصرار الخروج من أرضه الحنون، وفي أثناء ذلك كان (مروان) يغرق بالتفكير الجاد لتنفيذ هجوم استشهادي في قلب الكيان حيث يريد لقاء الله تعالى مقبلاً غير مدبر .. يريد لقاء الله وقد أغاظ العدو ونال منهم مقتلاً، إلا أن هذه الخواطر الإستشهادية الرائعة لم تترجم على أرض الواقع لصعوبة الحركة خاصة لمطارد مثل (مروان) .

كانت الليالي و الأيام تسير متثاقلة في قطاع غزة، حيث الكبت والاضطهاد والشعور بالظلم يجعل عقارب الزمن متوقفة. ولكن الحياة عند مروان كانت تسير بشكل وطعم ولون التحدي الإسلامي القسامي تصبغ الحياة بلون الصراع الممتع ..حيث يشعر (مروان) بكل كيانه بأنه يقاتل من أجل الحق،وهذا جعل لحياة مروان طعماً لذيذاً .. فكان شهيدنا يتنقل بين مخيمات ومدن قطاع غزة مع إخوانه الذين التحقوا بركب المطاردة من بعده ن وكان فوج المطاردة الأول (لكتائب الشهيد عز الدين القسام) .. حيث انتقلت مجموعة مروان بقيادة ياسر الحسنات إلى مدينة غزة، لأن الترك فيها أوسع مجالاً وأكثر أمناً، حيث البعد عن الحواجز المتكررة والاتصال السريع بين التقاطعات المتناثرة ..

رغم كل ذلك يشعر مروان بقرب اللقاء في ظل ذي الجلال والإكرام .. لذلك كان يوصي أهله دوماً "إذا استشهدت فلا يقام العزاء أكثر من ثلاث أيام .. وتوزع الحلوى والشراب الطيب وإقامة عرس حقيقي " .. وداعب والده يوماً قائلاً :" لو سمعت خبر استشهادي ماذا تفعل " .. فأجاب والده الصابر أقول " إنا لله وإنا إليه راجعون " .. فقال مروان الآن أطمئن .. أوصيك يا والدي " لا تحزن علي كثيراً " .. وكان مروان لا يلقى أحد من إخوانه إلا يطلب من الدعاء له بالشهادة ..فقد كان يعشقها بحق .. والله مطلع على النوايا فرزقه إياها.

كان العام 1992 م العام الثاني لحياة المطاردة لمروان ..رغم ذلك كان الرجل سعيداً بحياة التحدي والصراع ..حيث داعبت نسمات ليل مايو أنفاس المجاهدين الطاهرة وهم يتناقشون في واقعهم الصعب .. فيما يتذكرون أخاهم الشهيد الذي كان بالأمس بينهم .. ردد مروان المصاب بعيار ناري في قدمه جراء رصاصة صدرت خطأ .. أجاب ياسر اليوم يمضي على رحيل طارق إلى الرفيق الأعلى ما يزيد شهر ونصف وأجمع المجاهدون على انه محظوظ اكثر منهم وتمنى كل واحد منهم الشهادة وخرجت مجموعة من المجاهدين تحمل قطعتي سلاح من نوع كارل غوستاف تحاول بها اصطياد أحد اليهود فيما بقى الأبرار الثلاثة ياسر الحسنات ومحمد قنديل و مروان وبحوزتهم مسدس وقنبلة يدوية فقط وتهامسوا فيما بينهم لقد طال مقامنا في هذا الموقع وعلينا الإسراع في البحث عن موقع بديل حتى لا نثقل على أصحاب المنزل وحتى نأمن خفافيش الظلام التي تراقب حركات المجاهدين وانتقلوا جميعاً إلى غرفة مجاورة حيث أدوا صلاة قيام لله تعالى .. لجأ كل واحد منهم إلى قرآنه يمسكه بيمينه ويتلو من آياته العطرة ما يتروح بها عناء يومه ويعيش معه في جنة الرحمن ..

أثناء ذلك كانت قوات العدو الصهيوني تحكم حلقات الحصار حول المنزل .. وتنبه المجاهدون لذلك فاستعدوا وأخذوا الأهبة الكاملة للمواجهة رغم ضعف الإمكانات وشحها، وأخذ كل واحد منهم موقعاً، فيما تحركت قوات الاحتلال أسفل المنزل لتهوي قنبلة (ياسر) تزلزل جمعهم .. وتحركت قوى الحقد اليهودي تقتحم المنزل من كافة الأنحاء وعلى الدرج يلتقي (مروان) بمسدسه مع ضابط حرس حدود برتبة (كولونيل) ويفرغ (مروان) رصاصاته في صدر الضابط ليخر صريعاً، وقد اعترفت إذاعة العدو بذلك، ويسقط العمالقة الثلاثة الشهداء، ويلتحق مروان بركب الخالدين، وتتحقق أغلى أمانيه التي نام يحلم بها واستيقظ يذكرها ..

ليسقط فدائي القسام الأول مدرجاً بدمه الطاهر يروي أرض الصبرة الطيب أهلها والتي تمثل جزءاً من بلده وموطنه الأصلي غزة هاشم الفداء ..

وقد كظم العدو غيظه من هذه النتيجة في معركة غير متكافئة فخسر كولونيلاً وعدد من الجرحى من ثلاثة لا يملكون من العتاد شيئاً. من أجل ذلك بدأ العدو يعيد حساباته في كيفية مواجهة أمثال هؤلاء العظام، لذلك لجأ بعدها إلى قصف المنازل بالصواريخ حتى يأمن المواجهة مع رجال العقيدة.

تناقلت الأخبار نبأ استشهاد ثلاثة من أبناء القسام منهم منفذ أروع العمليات (مروان الزايغ) الذي تشفى اليهود بمقتله وأعلنوا أنه مسئول عن مقتل ثلاث يهود في يافا قبل عام ونصف ..

وعم الغضب العارم شوارع القطاع، فالتهبت بالنار والثورة وقذف أبناء الإسلام حمم غضبهم الجارف باتجاه دوريات العدو وآلياته ولبست شوارع القطاع السواد حداداً على أرواح الشهداء الأفذاذ،وعمت المواجهات العارمة كل المواقع، ولما سمع (والد مروان) خبر استشهاد ولده قال : الحمد لله الذي أعطى وهو الذي أخذ و الأهل و يذكرون (مروان) بدهشة ..هل حقاً هو (مروان) الهادئ الوديع لم يكن قد تجاوز الثامنة عشر ة من عمره يطلق الدنيا ثلاثاً .. فيما يردد أحد الجيران وهو يبكي كيف لا أبكي وقد بكى عليه الشجر والحجر والسماء.فيما اشتهر الذي كان يؤمه (مروان)فما يكاد يلتقي شاب بآخر حتى يبادره الأول أنت من مسجد (مروان) ..

"غادر (مروان) دنيانا إلى حيث مقره الدائم في الفردوس الأعلى مع الأنبياء والصديقين والشهداء ليعلو رحاب الوجود بعد أن ذكر الله تعالى في عمله فذكره تعالى في قضائه فهنيئاً للثرى الذي لف جسده الطاهر، وعاشت ذكراه خالدة لأنه خاض التحدي المفروض بكل قوة ..فنال الشهادة.

*******************************************************************************************************************

الشهيد القسامي

طارق عبد الفتاح حسن دخان

أبو حذيفة طارق القسام الموهوب

" بهذه المرحلة بدأ طارق يعتلي سلم المجد بكل سرعة وقوة حتى القمة (الشهادة) ليشق اسمه في صخر التاريخ ، حيث تعلو نجوم كمعالم ترتبط أسماؤها بشكل جذري بطريق تخطه لدينها وترسم معالمه بنفسها ... وقليل هم أولئك الذين ترتبط أسماؤهم بالمجد الذي صنعوه من هؤلاء القلائل كان طارق ... فما ان تذكر طارقاً حتى يتبادر إلى الأذهان القسام فكان حقاً طارق القسام "

كانت الوالدة الحنون تحتضن ولدها الأول وهي تنظر إليه بإعجاب وحب عميق وتبتسم لشقرته الخشنة ... وتتمنى من قلبها أن ينشأ نشأة إسلامية عميقة ... فتحدثه قصص الأنبياء والصالحين ... وقصص الجنة وما فيها من خيرات وثمار وفواكه ... ويتساءل الطفل الذكي ببراءة ... هل يوجد في الجنة شاي ؟ " فقد كان يحب الشاي كثيراً " ، وتضحك الأم وتظل تضحك ... وتواصل عملية التربية العميقة لولدها استجابة لأمر الله وتوصيات والده الشيخ (عبد الفتاح دخان) .

وتعود بها الذكريات يوم تزوجها المربي الفاضل الأستاذ (أبو أسامة) وقبلت أن تكون زوجة لهذا الرجل المسلم الداعية ... وتذكر يوم نقلها أبو أسامة من النصيرات إلى المستشفى المعمداني في غزة كي تضع وليدها الأول ، فاليوم الخامس من شهر أكتوبر في عام 1969م مسطر في ذاكرة الأم بأرقام بيضاء وهو اليوم الذي أنعم الله عليها بغلام تقر به عينها ...

وكم كانت فرحة (أبي أسامة) بهذا الغلام رغم وجود خمسة من الأبناء قبله من زوجته الأولى، إلا أن الوليد الجديد احتل موقعاً خاصاً فى قلب الوالد و ربما لمح الرجل صاحب البصيرة فى عيني ولده بريق العودة إلى (عراق سويدان) ... تلك القرية التى هاجر منها يوم داهمها التتار الجدد ، وربما هذا المزيج من الشعور بالفرح والرغبة في العودة اللذين يلمع بريقهما من عيني (أبو أسامة) جعلاه يختار اسم (طارق) لولده الجديد حيث يقبع اسم (طارق بن زياد) الفاتح الإسلامي العظيم ، ولعل الفتح يكون على يدي (طارق) الوليد الجديد .

نشأ طارق وترعرع في هذه الحياة الإسلامية ، فوالده من الرواد الأوائل في (جماعة الإخوان المسلمين) في قطاع غزة ، وأحد مؤسسي (حركة المقاومة الإسلامية - حماس) ، يغدق عليه العلم والمعرفة ويبث فيه روح المقاومة والجهاد ، ووالدته تحوطه بحنانها وعطائها وحسن تربيتها ، فنشأ طارق رقيق الإحساس، مرهف الشعور ، يعشق سماع القصص ، ساهم ذلك في نشأة خيال واسع وعبقرية تصويرية بالغة ... هذه النشأة الإسلامية الصافية خلقت من طارق ذاك الشبل الملتصق ببيت الله ... شخصية قوية تمتلك قرارها ، وتحدد مستقبلها ، ويعتمد عليها في كل موقف وحين ، ويكتسب جرأة مبكرة جعلته ينطلق وهو في الثالثة عشرة من عمره في منتصف الليل بعد أن حمل عصا ليطارد قاذفي الحجارة على البيوت الآمنة في منتصف الليل وهم فئة أرادت زرع الفتنة في صفوف الشعب الفلسطيني غير عابىء بالمخاطر التى تواجهه ، وكان ذلك قبل اندلاع الانتفاضة المباركة . فقد كان طارق مزيجاً غريباً من المواهب ، فحيثما التفت وجدت طارق كالسراج المنير .

ففي ميدان الرياضة لمع (طارق) في ملعب (كرة القدم) ... وفي لعبة (تنس الطاولة) كان أبرز لاعبي فريق الجمعية الإسلامية في النصيرات ... إضافة إلى ممارسة رياضة (الننشاكو) ، حيث كان من السباقين إلى ممارستها واتقانها .

وفي ميدان الفن رأيت الفتى اليافع عضواً في الفرقة المسرحية التابعة للجمعية الإسلامية وأحد أعضاء فرقة النشيد الإسلامي .

وإذا تلفت إلى الأدب شاهدت طارق شاعراً وكاتباً للقصة ، فتراه غارقاً في كتابة الرسائل لإخوانه ويخرجها في أجمل صورة ... حتى غدا لطارق كتابات عدة ... وكان أبرز وأجمل ما كتب طارق في الأشهر القليلة التي طورد فيها لقوات الاحتلال الغاصب... وكان جل كتابته عن العطاء والفراق ...

وكان من أخر كلماته .. " وقد حان الرحيل ... وها هي ساعة الصفر تقترب شيئاً فشيئاً ، ولكن هل سنقول وداعاً ... أظن بأنه لا ، ولكننا سنقول إلى اللقاء ... أخي انظر إلى هذه الحياة التعيسة اليوم ألقاك وغداً أفارقك ... اليوم أعرف أنني سأغادر ولا أملك البقاء ... إن يوم الفراق أصعب يوم ليتني مت قبل يوم الفراق ، وهكذا أيها الأحبة نفارقكم ولا ندري متى نلقاكم " .هذا عدا الثقافة الواسعة والإلمام الكبير بقضايا المسلمين ...

هذه المواهب لم تكن لتمر مر الكرام أمام نظرة (جماعة الإخوان المسلمين) فقبل أن ينهي طارق دراسته الثانوية أصبح عضواً عاملاً في هذه الجماعة ليمثل استمراراً لوالده في العطاء لدعوة السماء .

وما كاد طارق ينهي دراسته في معهد الأزهر بغزة ويلتحق بكلية الآداب بالجامعة

الإسلامية بغزة حتى انطلقت الإنتفاضة الإسلامية المباركة حيث كان (أبو حذيفة) ابرز جند حركة المقاومة الإسلامية - حماس - منذ اليوم الأول لإنطلاقها يعمل بكل جد واجتهاد على تنفيذ فعالياتها وتوزيع بياناتها ... هذا عدا المواجهات التى كان طارق بارزاً في أدائها ، وكان اسم طارق يتردد بأنه من أمهر رماة الحجارة، وكانت ذكرى (الإسراء والمعراج) في عام 1988م الأبرز حيث دعت حماس للمواجهة والتصعيد ، وحدثت مواجهات عارمة حاصرت فيها قوات الاحتلال المسجد الجنوبي بالنصيرات ، وكان طارق أحد المدافعين الأشاوس حتى انسحبت قوات الاحتلال .

والانتفاضة المباركة بلورت شخصية طارق بشكل جهادي متميز ، حيث بدت الجرأة إحدى أبرز المعالم لشخصية طارق ، إضافة إلى مزيد من الالتصاق بأرضه الحبيبة (أرض الإسراء) وحبه المطلق للدفاع عن الوطن السليب .

ولما انتشرت أعمال اللصوصية ومهاجمة البيوت الآمنة بدافع من يهود ، قرر طارق وإخوانه تشكيل مجموعات الحراسة الليلية ويبقى هو وإخوانه يتبادلون السهر على حماية الجماهير ... كل هذا النشاط المتصاعد جعل عيون سلطات الاحتلال تتفتح جيداً على طارق ليتم اعتقاله عدة مرات . فما يكاد يتحرر أبو حذيفة من قيده حتى يُعاد ثانية إليه ، فأكسبته أيام المحنة هذه مزيداً من الصلابة والشدة ، كما أكسبته المزيد من المعرفة الأخوية التى كان يسعى لها طارق بكل حيوية حتى غدا شخصية مشهورة على الصعيد الشبابي في القطاع والضفة ... كما أكسبته تلك الأيام المزيد من الكفاءة في قرض الشعر فكتب :

من كتسعوت تحية ورسالة -- للأهل والأحباب والخلان

أوصيهموا فيها بقوة خالد -- وثبات عمار على الإيمان

أماه لن نرضى بحكم المعتدي-- وسيحكم السلطان بالقرآن

وسيحكم القرآن في كل الدنا-- وسندخل الفردوس والرضوان

وقد أنكر استخدام الشعر للانحلال والمجون من قبل الكثيرين ، فأنشد قائلاً :

ألا يا عيون الشعر نامي -- ودعي الكلام ودعي الأماني

إني رأيت الشعر أمسى للمجون -- وللخنوع وللتسالي والغواني

انا نريد الشعر يصرخ هاتفاً-- مثل القنابل والرصاص الغاني

-- انا نريد قوافياً شعرية نوراً وناراً تحرق الأوثان

ولما قررت الحركة تشكيل خلايا لجهازها العسكري في كافة المواقع واختارت لهذا الجهاز خيرة أبنائها ... اختارت (أبا حذيفة) ليكون عضواً في خلية كتائب الشهيد عز الدين القسام في المنطقة الوسطى ...

وتحركت الخلية القسامية الأولى في النصيرات ، وكان القسم الأول على قبر

(الشهيد حسين أبو يوسف) لتقطف رؤوس العملاء وبشكل أذهل كافة أبناء القطاع وذاع صيتها لما تميزت به من عملٍ راقٍ ، وتحرك دقيق حيث كان يتم خطف العميل والتحقيق معه وتسجيل كامل اعترافاته على شريط كاسيت ، وإذا كان يستحق الإعدام ينفذ فيه الحكم بعد قرار الإفتاء في جرائم العميل ... وتم الإفراج عن عملاء في أكثر من مرة دون إعدامهم مما جعل لكتائب القسام في منطقة النصيرات اسماً طاهراً ولا أحد يعلم في ذلك الحين من تتبع هذه الخلية التي تتحرك بكل هذه الدقة، فلا يكاد يرى أهل النصيرات عناصر الخلية ولكنهم يسمعون كل يوم عن خطف ... أو اعدام.. أو افراج عن عميل بعد التحقيق معه واستتابته ... وكأن من ينفذ كل هذه الأعمال خارج الكرة الأرضية ، أو أنهم يلبسون طاقية الاخفاء ‍‍‍ وقد كان (طارق القسام) يحمل في قلبه ، ولا تخفي ذلك فلتات لسانه كراهته للخيانة ونبذه مرتكبيها ، وقد وجه خطابه الأول إلى الذين باعوا ضمائرهم :

" يا خائنون قضيتي ... وهويتي ... وعقيدتي ، نهدي إليكم والسلاح هو الدليل... رصاصات الوصول ، ونعود كي (ترووا لنا) كيف السقوط ... كيف العمالة ... وعندها تتألمون ... تبكون والدمعات تهمي من عيون الحقد ... لكنه في حينها ... يأتي الندم ... لكنكم لن تفرحوا فتعقلوا اني ناصح لكم ... قبل الوصول " .

واستمر العمل ساري المفعول بكل دقة وثقة حتى اعتقلت سلطات الاحتلال الأخوين (مجدي حماد وصلاح العايدي) وهما يحاولان الخروج عبر الحدود المصرية ، وتم الاعتراف على الخلية القسامية التي كان (طارق القسام) أحد جنودها ...

ويصل الخبر (لأبي حذيفة) ويتخذ فوراً أخطر قرار في حياته - المطاردة - ، وتأكد هذا القرار حين اقتحمت قوات ضخمة من الجيش منزل (أبي أسامة دخان) الساعة الثالثة من فجر 12/1/1992م وتمت حملة تفتيش واسعة النطاق بحثاً عن (طارق) ... ولكن أين ...؟

أبو حذيفة يقرر عدم العودة إلى الذل خاصة وهو يعلم أن أحكاماً عالية تنتظره هذه المرة ... وتمنعه من مواصلة الكفاح بحرية وبذلك بدأت مرحلة جديدة في حياة طارق ... وقد تركت هذه المرحلة بصماتها الواضحة في طارق وشخصيته وكتاباته ... فقال فيها :

لا يا أخي ... لا تبتئس .. وارفع سلاحك عالياً ... حتى نسير إلى الجهاد ... واعلم أن (كتائب القسام) ما ماتت ... وإننا حتماً إليكم عائدون ... لا يا أخي لاتخن ... قدّم حياتك منحة ... حتى نسير إلى الجنان ... لا يا أخي ... لا تركنن إلى الفراش ... لا تعشق النوم .. حان الصحو من تيه السنين واعلم بأن مسيرة القسام قامت لتحيي روح امتنا الدنية قم يا أخي ... فالحور تنتظر الشهيد ... قم يا أخي ... والقدس تبكي ... قم جفف الدمع الهتون حتى نضيف يداً إلى أيدي الجهاد قم يا أخي مسرى النبي يئن ... من ينقذ المسرى الحزين .

وبذلت قوات الاحتلال جهداً مضاعفاً في البحث عن (طارق) خاصة وأن مسئول أمن المستوطنات قتل قرب مفرق دير البلح يوم 1/1/1992م ، وكانت أصابع الاتهام الاسرائيلية تشير إلى (طارق) حتى آخر لحظة في تنفيذ هذا الهجوم القسامي الأول من نوعه في مرحلة القسام الحديث ، وترسخ هذا الاعتقاد لدى السلطات الإسرائيلية المحتلة بعد إعلان (كتائب القسام) مسئوليتها عن هذا الهجوم في كافة أنحاء القطاع ، بهذه المرحلة بدأ (طارق) يعتلي سلم المجد بكل سرعة وقوة حتى القمة (الشهادة) ليشق اسمه في صخر التاريخ حيث تعلو نجوم وترتبط أسماؤها بشكل جذري بطريق تخطه لدينها وترسم معالمه بنفسها ... وقليل هم أولئك الذين ترتبط أسماؤهم بالمجد الذي صنعوه ، من القلائل هؤلاء كان (طارق) ... فما أن تذكر (طارقاً) حتى يتبادر إلى الأذهان القسام ، فكان حقاً (طارق القسام) ، وكان أبرز ما يسعى له طارق مع إخوانه في هذه المرحلة توفير كمية من السلاح لتغطي وجود هذا العدد من المجاهدين الأفذاذ وربما كان هذا هو أبرز أسباب قرار الخروج لتوفير جزء من العدة من الخارج .

وكان طارق في هذه الفترة يشعر بقرب اللقاء في داخله ، لذلك كان كل حديثه وكلماته حول الفراق ، فيقول لإخوانه : " اليوم نلتقي وغداً نفترق " " حان الفراق وقد يكون إلى الأبد " .

وفي زياراته القليلة لمنزله أثناء المطاردة كان يقول لأمه : إن حدث لي شئ لا تحزني فإن ما يحدث قدر الله وما كتب سلفاً ...

وفي هذه الأثناء كان يعد للخروج مع مجموعة من المطاردين خارج الحدود بعيداً عن الملاحقة اليومية ... ولجلب السلاح من الخارج ...

وما أن اقترب يوم الفراق حتى حلّ (شهر رمضان المبارك) حيث اعتكف طارق في بداية الشهر الكريم للعبادة وكان دوماً يقف بين يدي الله تعالى يسأله الشهادة عاجلة يرفع الله بها راية الإسلام ويذل راية الكفر ... وفي ليلة 8/4/1992م اتجه طارق مع أخويه ورفيقي دربه (جلال صقر وزياد أبو مساعد) إلى الحدود المصرية لمغادرة قطاع غزة براً يتجه هناك حيث قدر الله ينتظره ... قدر الله يحمل إليه الكرامة والمحبة ... كان طارق يتجه نحو الحدود وهو يحمل في قلبه كل الحب والحنين لهذه الأرض يتمنى أن لا يتركها ولو للحظة واحدة ... يشعر أن روحه مرتبطة بكل ذرة من ذرات هذا التراب المخضب بدماء الصحابة والشهداء المجاهدين .. يتجه طارق ناحية الحدود وهو يتمنى العودة إلى حضنه الدافىء وملاذه الآمن ...

آه ما أشق الفراق وما أقساه وأصعبه خاصة على قلب رقيق كقلب (أبو حذيفة) . وبدأ (أبو حذيفة) يسكن من لوعات نفسه وآهاتها العميقة ... وهو يتمنى العودة القريبة إلى هذه الأرض الحبيبة وأخذ ينشد :

عائدٌ طير الحمام ليغني للجنوب-- وينادي يا حبيباً حل بي وهو غريب

وأنا أمشي إليه رابط الجأش أسير-- في يميني بندقية وقيود وعطور

--ومعي حناء أمي وبها كفي خضيب وغداً يا صاحبي فيه جنات وحور-- وحواري حالمات ورياض وقصور

عند ربي مكرمات -- حينما اللقيا تطيب

لم يكن المجاهدون قد علموا حقاً طرق التعامل الآمن خاصة في ظل وجود نفر باع نفسه للشيطان ... وهذا الجهل أوقع المجاهدين في فخ الغدر حيث يفاجأون في طريق الهجرة بكمين عسكري وتحيط بهم قوات الاحتلال من كل جانب وأطلقوا عليهم الرصاص في محاولة لارهابهم وايقافهم ... توقف المجاهدون الأبطال الذين لا يحملون سوى السلاح الأبيض ولكنها عزة المؤمن تنتفض في عروق طارق الهمام فيأبى الاستسلام ويستل خنجره وينقض كالأسد الهصور على أحفاد القردة يريد منهم قصاصاً على جرائمهم ، ويملأ قلب طارق الشعور بالظلم والاضطهاد ، ومن خلف بريق خنجره يبرز وجه طارق الغاضب على أولئك الذين باعوا دينهم وأبناء جلدتهم بثمن بخس ...

ولكن يعاجله الرصاص الحاقد ليسقط الجسد العظيم مدرجاً بدمائه... وليروي ظمأ الأرض الطاهرة إلى الدماء المسلمة الزكية ... وصعدت الروح الوثابة إلى بارئها تشكو ظلم الظالمين وتقاعس المتخاذلين فيما يعتقل رفيقاه .

ويخفي الاحتلال نبأ استشهاد طارق لحاجة في نفسه ، وفي فجر الجمعة 10/4/1992م استيقظ سكان النصيرات على مكبرات صوت الاحتلال تنادي بفرض حظر التجول ، وتساءل الناس فيما بينهم ... ما السبب ؟؟ ماذا حدث ؟؟

وتقدمت قوة عسكرية من منزل الرجل الصلب (أبو أسامة دخان) واقتادوه مع اثنين من أبنائه إلى المقبرة وأمروهما بحفر قبر ‍‍‍ لمن ؟؟؟ لا تسألوا ...

ثم حضرت قوة ثانية ومعها جثمان طلبت من الوالد وأبنائه دفنه ... رفع شقيق طارق الرداء عن الجثمان ... (طارق) ‍‍‍ يا الله نحفر قبر طارق ‍‍‍ يا قتلة يا مجرمين ، وبدأ الآخران بشتم بني يهود ومهاجمتهم بدون وعي ... فيما وقف الشيخ صامتاً مسلّماً أمره لله تعالى وهو يردد (إنا لله وإنا إليه راجعون ...الحمد لله ... اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها) ، وأهال الإخوة التراب على شقيقهم الغالي بعد أن ألقوا عليه نظرة الوداع الأخيرة .

ولمّا علمت الوالدة الصابرة قالت كلمتي الحمد والصبر التى أوصى بها (طارق) ... (الحمد لله على نيله الشهادة) ، وقالت : (كنت أحثه على الدراسة لكي يصبح طبيباً ... إلاّ أن نيله الشهادة أحسن من أي شهادة أخرى) ، وكانت العائلة تعيش أشد حالات التحفز والاستنفار ...

وما أن انتشر الخبر الصاعق الذي ذُهل منه قطاع غزة بأسره ليلتهب بالنار والمواجهات والغضب الحقيقي ، فما من موقع إلا وحطت فيه رحال (أبي حذيفة) ، وما من منطقة إلاّ وتعرف (طارق دخان) ، ذلك الشاب صاحب المواهب المتعددة ، وما من شاب مسلم إلا وكان (أبو حذيفة) صديقه ، فكانت أبرز معالم (طارق) كثرة التعرف على الإخوان .

وتحدت النصيرات منع التجول وخرجت جماهيرها تعلن المواجهات العارمة ليصاب عدد كبير من شباب النصيرات بالأعيرة النارية .

ويقام حفل عزاء ضخم للشهيد الغالي ويؤمه الآلاف يومياً ، وكان عرساً حقيقياً حيث نعت (جماعة الإخوان المسلمين) و(حركة المقاومة الإسلامية - حماس) و(كتائب الشهيد عز الدين القسام) أبناً من أبنائها البررة ، وجندياً من جنودها الميامين البواسل ... وكانت وصية طارق أن يتم توزيع العصير بدلاً عن القهوة السادة وأن يقدم التمر والحلويات وقد كانت سنة حسنة في جميع سرادق عزاء الشهداء بعد طارق.

لقد كان استشهاد (طارق) معلماً بارزاً في مسيرة القسام الحافلة ، فقد كان هذا الاستشهاد يمثل الانطلاق القسامي المدّوي في كافة أنحاء الأرض المحتلة ليسمع صداه كل العالم وربما كان هذا تحقيقاً لمعنى الفتح الذي رغبه الشيخ (أبو أسامة) حينما أطلق اسم (طارق) على وليده الجديد تيمناً بالفاتح الإسلامي (طارق بن زياد) .

وفي حفل العزاء تذكر الجميع طارقاً : طارقاً الفتى الهادىء الوديع ... طارقاً الصامت ... طارقاً الرياضي ... طارقاً الشاعر ... طارقاً الأديب والفنان ... طارقاً المجاهد الشهيد فيما بقي شقيقه الأصغر (محمد) صامتاً ثم نطق كلماته المزلزلة " قسماً لأثأرن لدم أخي " ، وبقي هذا القسم يتردد صداه في نفس (محمد) حتى التحق (بكتائب القسام) وجندها البواسل ليبر بقسمه ويقتل جنديين برصاص القسام الهدّار الجندي القتيل الأول كان في خليل الرحمن بتاريخ 12/12/1992م ، وهذا الحادث الذي كان أحد الأسباب لقرار الابعاد الرابيني لمئات من قيادي ومؤيدي الحركة الإسلامية ، ومنهم الشيخ المربي (عبد الفتاح دخان) والد الشهيد والأسير ،

والثاني في فجر ليلة القدر من رمضان 1993م في مخيم جباليا الثورة ثم يصاب (محمد) إصابة بليغة قرب مخيم النصيرات ويتم اعتقاله، ولا زال محمد خلف الأسلاك يسير على عكازين، ولكنه أطفأ نار قلبه بهذا الثأر العظيم من جند الاحتلال الذين أراقوا دم أخيه المغوار طارق القسام وأعلن لهم أن لحمنا مر وأن دماءَنا علقمٌ...

وقد كانت آخر كلمات الشهيد طارق تلك التى كتبها بتاريخ 8/4/1992م والتى حرص فيها على خطاب الجيل الفلسطيني المسلم الجيد قائلاً :

" والآن يا شعب الحجارة ، يا جيل الصمود ، يا طفل ثورتنا العظيمة ، يا أيها الأمل المجاهد في قلوب التائهين يأتي رحيل الجبن عن وطني لنطهر الوطن السليب ... نحتل صمتاً قادماً منها ... بلاد المستحيل ، وفجأة يتحول الصوت المخيف ... مشاعلَ ... ويتحول الدمع الحزين قنابلَ ... تبني صروح المجد في وقت الأصيل ... تأتي رصاصات الصمود تعيد للأطفال بسمتهم ... وتنشىء الشيخ الجليل ... وكتائب القسام تعلي صوتها ... بالذكر ... بالآيات .... بالترتيل ... تأتي إليهم عبر صوت الخوف ... تقتلهم ... تحتل فيهم جبنهم والخائنون سيعلمون ... عند الوصول ... بأنهم فوق الرصاص سيسقطون ...

وقد كانت كلمته الأخيرة واضحة في عمق الاختيار ، حيث يقول في إحدى رسائله " أخي الحبيب ... إنه الجهاد ... إنه الموت في سبيل الله عز وجل ... وإنها الطريق التى اخترناها " .وبعد أن كان (طارق) يكتب الشعر كُتب فيه الشعر ...

" يا طارق القسام ...

يا فرساً توضئنا صهيله ...

هيا تسرب في مسامي الأرض ...

وابدأ خطاك من النصيرات أزهر اللوز لتأتي خانيونس في لياليها الجميلة ...

بك يا ابن ذلك الليث تنتفض البلد ...

بك شهيد القدس ضمخنا رقاب الساسة البلهاء حبلاً من مسد ...

بك تستعيد الأرض جوهرها وتبقى للأبد ...

هرب المناضل والزعيم وما تبقى من أحد إلاك يا ملح البلد ...

إلاك يا ملح البلد .. "

*******************************************************************************************************************

الشهيد

محمد حسن عبد القادر قنديل

أبو الحسن

أبرز أسماء العطاء

وسقط الجسد العملاق مدرجاً بدمائه الطاهرة .. سقط بعد أن قدم وقدم .. لم يتوان في العطاء المتواصل لدعوة السماء حتى اختاره رب السماء ليكون هناك في ظله، وليسطر بدمه الزكي شهادة جديدة على واقع التردي والتخلي، ويفتح بوابة جديدة دخلها الشبان الإسلاميون الفلسطينيون بكل قوة لتكتب على أرض الرباط ملحمة جديدة قديمة، هذه الملحمة رفرفت من جديد فوقها راية

(لا إله إلا الله .. محمد رسول الله)

انطلقت خطا المجاهدان (ياسر الحسنات ومحمد قنديل) بثبات وخفة ورشاقة رغم الخطورة البالغة التي تلف تحركهما لأنهما مطلوبان لقوات الاحتلال منذ ما يقرب من الخمسة شهور بعد المعلومات التي ملكتهما السلطات بحقيقة كونهما جنديين في كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية –حماس- قيامهما بتنفيذ عدة هجمات استهدفت قوات الاحتلال وعملائه ..

وتنقل المجاهدان من موقع لآخر في منتهى السرية والأمن .. إلا أن واجبهما هذه المرة يلزمهما السرعة في الإنجاز ولو أدى ذلك إلى درجة من المخاطرة، فأخوهما المجاهد (مروان الزايغ) بطل عملية الثأر في يافا بتاريخ 14/12/1991م مصاب بعيار ناري في قدمه وعليهما الإسراع لعلاجه، وأشار محمد على أميره ياسر بضرورة بقاء مروان في منزل الشيخ حسن في منطقة الصبرة لصعوبة تحركه وللضرورة الأمنية رغم الصعوبة البالغة التي تواجههم، وأومأ ياسر برأسه بالإيجاب ..وأخرج زفرة حارة ..وكان حينها أكثر ما يضايق المجاهدين ضعف الإمكانات وندرتها .." وأردف ياسر لذلك علينا الإسراع في إحضار من يعالج مروان في المنزل "، و فعلاً تم ذلك.

وما كاد الليل يلف منطقة الصبرة بظلام دامس .. وقبل حلول منع التجول الليلي الذي كانت تفرضه سلطات الاحتلال كل ليلة من الساعة الثامنة مساءاً إلى الساعة الخامسة فجراً،وذلك بهدف حصار المجاهدين، وقمع الانتفاضة، غادرت مجموعة من المجاهدين منزل الشيخ حسن بعد زيارة عاجلة لمروان المصاب .. والتف الاخوة حول مروان بعد صلاة العشاء وهم يرددون أهازيج إسلامية :

يا بلادي، يا بلادي من أجلك صرت مقاتل ..

من أجلك يا بلادي صرت مناضل ..

وتمر قافلتي مع الأحرار من بين السنابل، ونصبر في انتظار النصر،

والنصر دوماً للمقاتل، لنكون يا شعبي فداك، لنكون يا شعبي فداك،

أما النصـر، وأما أن نكـون الجـسر في درب القوافـل ..

انتبه المجاهدون لصوت طائرة هليوكوبتر تحوم في المنطقة .. ذهب العين أعلى السطح يستطلع، وإذا بقوات معززة من جند الاحتلال تزحف نحو الملاذ والمأوى، تزايدت حالة اليقظة ..وقف مروان على قدميه مع إخوانه رغم الإصابة .. في إعلان واضح لقبول التحدي والاستعداد للمقاومة ..

كان (محمد) المجاهد ابن المغازي الثائر قد اختار الزاوية الأقرب للمواجهة مع قوات الاحتلال .. ولم يكن هذا الاختيار من قبيل المصادفة .. بل اختياراً مقصوداً حيث القرب من زاوية المقاومة .. والقرب من انتقاء البارئ عز وجل ..

وما أن فاجأ ياسر قوات الاحتلال بقنبلته اليدوية الوحيدة التي كانت بحوزتهم فشتت جمعهم وأسقطهم مدرجين بدمائهم .. فيما انطلقت رصاصات مسدس مروان باتجاه ضابط الوحدة وهو يعتلي الدرج ليسقط قتيلاً ليدفع جزءاً من بداية المواجهة مع جند القسام، و(محمد) يغلق الثغرة التي يحرسها.

فيما انطلق الرصاص اليهودي بشكل كثيف نحو المأوى، حيث كان محمد يعتلي السطح، هناك ينتظر رصاصة واحدة من آلاف الرصاصات بينه وبين الجنة .. وكانت تلك الرصاصة التي أصابت الجسد الطاهر فاعتلاها محمد منطلقاً نحو جنة عرضها السماوات والأرض ..نحو الحور العين وتاج الوقار والشفاعة وحواصل طير خضر .. والنجاة من العذاب نحو وعد الرحمن للشهيد ولن يخلف الله وعده. وسقط الجسد العملاق مدرجاً بدمائه الطاهرة ..سقط بعد أن قدم وقدم ولم يتوان في العطاء المتواصل لدعوة السماء حتى اختاره رب السماء ليكون هناك في ظله، وليسطر بدمه الزكي شهادة جديدة على واقع التردي والتخلي، ويفتح بوابة جديدة دخلها الشبان الإسلاميون الفلسطينيون بكل قوة لتكتب على أرض الرباط ملحمة جديدة قديمة، هذه الملحمة رفرفت من جديد فوقها راية (لا إله إلا الله).

فلم يكن يعلم (حسن قنديل) والد العائلة المتواضعة البسيطة ما تخطه يد القدر لوليده الجديد محمد يوم إن رزق به في ذلك اليوم الأخير من شهر (سبتمبر) من (عام النكبة) رغم ظلام ليل هذا العام الدامس الذي جلل المنطقة العربية بأسرها بالخزي والعار بعد هذا الحدث القاصم الذي دحرت الجيوش العربية واحتلال الأرض الإسلامية في أيام ستة، رغم كل ذلك شعر حسن أن غلامه الجديد أضاء جوانب قلبه الكبير بنور جديد لم يعرف كنهه .. فيما بقيت المنطقة تغرق في ليل الهزيمة وظلام التخاذل.كبر محمد في عين والده الذي يرعاه ويحوطه باهتمامه، إضافة إلى سائر إخوانه الكثير عددهم، ومحمد يرى حال الأسرة المتواضع .. إضافة إلى حال شقيقه الذي يعاني من مرض مزمن، وبحاجة دائمة إلى العلاج والأدوية المرتفع ثمنها .. كل هذا كان يدفع محمد إلى المبادرة للعمل في سن مبكرة حتى يساهم في مواجهة أهله للظروف القاسية ..مما جعل الفتى اليافع يجيد أعمال البناء ومن خلالها يكتسب رزقاً .. كل ذلك لم يعطل المسيرة الدراسية المتقدمة لمحمد الذي أقبل على العلم بكل شغف وحب.

ولما انطلقت شرارة الانتفاضة، كان محمد يواصل دراسته الجامعية بقسم الكيمياء بكلية العلوم بالجامعة الإسلامية، بهذه الحياة الخشنة الشاقة، تعلم شهيدنا مواجهة الصعاب وتذليلها ..تعلم فن العطاء اللامحدود ..ودون أن يسأل عن المقابل .. تعلم ببيت الله تعالى الإسلام صافياً، فعلم كيف يتبين الحق ويحميه ويدافع عنه بكل قوة، فكان مصراً على رأيه، إذ اعتقد صوابه لا يخشى في الله لومة لائم ..فيما حمل منذ نعومة أظافره قدراً كافياً من الذكاء والشجاعة .. إضافة إلى الجسم المتين الذي تحلى به (محمد) عدا ممارسته فن الدفاع عن النفس (الكاراتيه).

هذا المزيج الفريد من المواهب والصفات جعل محمداً شخصية تفتح لها مغاليق القلوب، فكان محمد محور التفاف شباب الإسلام حوله، يحبهم فيحبونه ..يعطي فيتعلمون منه فن العطاء ..

ترسخت هذه المعاني العظيمة في شخصية (محمد) يوم انطلقت الانتفاضة حيث كان (محمد) ابن الحركة الإسلامية (رمز العنفوان و العطاء في الانتفاضة) أبرز الوجوه اللامعة في المغازي كشاب يافع يحمل هموم وآلام شعبه .. حيث انطلق محمد يمنح دون تردد كل ما يملك ..

وفي الليالي الأولى للانتفاضة انطلق محمد ملثماً يجوب أرجاء مخيمه مع إخوانه يضعون الحواجز ويشعلون الإطارات ويلهبون نار الانتفاضة الفتية بعطائهم المتدفق، ويطلقون صافرة البداية لمرحلة جديدة في تاريخ فلسطين والحركة الإسلامية .. تطور عمل حركة المقاومة الإسلامية –حماس- وتفرع عبر أجهزة متعددة، وواصل الفتى المعطاء، مسيرته ليتولى مسئولية جهاز الأحداث في المغازي ..

وبينما كان يجهز مع إخوانه الإعلام الفلسطينية المزينة بشعار التوحيد وحولهم علب الطلاء في منزل أحد إخوانه في إحدى الليالي الانتفاضية، طرق الباب بشدة، خرج أهل المنزل حيث قوات الاحتلال تداهم المنزل وتعتقل صاحب المنزل دون رؤية (محمد) وأعلامه تفترش أرض الغرفة !! وبينما (محمد) كان يوزع في إحدى الليالي بياناً للحركة مع أحد إخوانه فاجأتهم دورية عسكرية، إلا أن (محمد) تحرك بشكل طبيعي وسار في طريقه دون أن تلتفت الدورية الراجلة إليه أو إلى أخيه المجاهد، مع انه كان يلقي البيانات وهو يمر بجوارهم، كان يعلم يقيناً بان الله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين .. لذلك ترى حقيقة التوكل المطلق على الله معلماً بارزاً في سلوك (محمد) ..

ثم تولى المجاهد المعطاء مسئولية جهاز الأمن الحركة (مجد) في المغازي، وبدأت رقعة المعلومات الأمنية تتزايد، فكان القرار بإيجاد خلايا قسامية تلاحق فلول العملاء في كل المواقع، ووقع الاختيار على صاحب العطاء المتواصل (قنديل) ليؤسس خلية كتائب الشهيد عز الدين القسام في المغازي ويتولى مسئوليتها .. حيث تحركت بفاعلية وقوة في منطقة المغازي ، وكافة المناطق الوسطى، وهاجمت أذناب الاحتلال ونفذت حكم الإعدام في ما يقارب ثمانية عملاء ..

ولما اعتقل الأخ حسن العايدي) على الحدود المصرية .. ووقع المحظور وتوالت الاعترافات حتى طالت خلية المغازي القسامية لينضم (محمد) فوراً إلى قافلة الأحرار .. قافلة المطاردة الأولى .. ويختفي مع إخوانه عن الأنظار يجوبون أنحاء القطاع في كر وفر مع قوات الاحتلال على الأرض الطاهرة .. فيما رفض مراراً الخروج مقسماً على الشهادة على هذه الأرض. كان حب الله والوطن الدافع الأكبر لتواصل العطاء القنديلي حتى الشهادة التي كان محمد يعشقها ويذكرها ويكثر ذكرها وانتظارها ..

وفي زيارته القليلة لأهله كان يحثهم على الصبر والمصابرة إذا وصلهم خبر استشهاده، ولما سمع الأهل نبأ استشهاد ولدهم في اليوم الرابع والعشرين من شهر مايو في العام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين ميلادية من الإذاعة الإسرائيلية، وقفت صورة محمد بينهم كالطود الشامخ يذكرهم وصيته بالصبر والاحتساب، فتواصوا بالصبر وحمدوا الله تعالى ودعوا له بالخير وأن يشفع لهم يوم القيامة.

وما أن انتشر الخبر بين جماهير قطاع غزة حتى توافدت أفواج المهنئين (لآل قنديل) بشهيدهم الغالي حتى غدا موقع العزاء عرساً ضخماً يؤمه الآلاف من كافة الأرجاء، وبقى النشيد الإسلامي يصدح موحيًا بالفرح الغامر الذي يملأ القلب، فيما طافت أكواب الشراب تؤكد هذا الشعور .. فجفت الدموع، وشعر الجميع بالغبطة حتى الأم الحنون لم تذرف دمعة واحدة، بل كانت أكثر النساء حثاً على الصبر واحتساب الأجر والدعاء.

وفي آخر أيام العزاء كان حفل تأبين ضخم للشهيد، حيث غصت شوارع المغازي بأهالي القطاع الذين توافدوا يستمعون مناقب القنديل القسامي (محمد)، وتحدث الجمع، ودقت الطبول، وفي هذه الغمرة الحافلة اقتحمت بيت العزاء قوات ضخمة من جيش الاحتلال وحرس الحدود ووقعت مواجهات ضارية، جرح فيها عدد كبير من الجماهير بالرصاص .. فيما تفرقت الجموع في الأراضي الزراعية ..

وفي ظلام الليل الدامس بدأ أنفار قليل عددهم من عائلة الشهيد القنديل تحوطهم قوات كبيرة من جند الاحتلال يحملون جثمان الشهيد الغالي فيما رائحة المسك ملأت الموقع .. وألقى الجمع النظرة الأخيرة على الجسد الطاهر قبل أن يواري التراب، وقد شاهد الجميع إصبع يد محمد الشهيد يرفع شارة (الوحدانية)،وقد حاولوا مراراً ضم إصبعه دون جدوى .. وقد دفن الشهيد وهو يرفع هذه الشارة العظيمة، لينتقل محمد من العالم المحدود إلى عالم الخلود .. ومن دار الابتلاء إلى دار البقاء، وليثبت اسمه في صحائف المجد، وفي جسور العودة كأبرز أسماء العطاء وقد ترك الشهيد وصيته المتزنة الشارحة لأصول الطريق قائلاً فيها :

وصية الشهيد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين ..

أما بعد ..

إلى اخوتي ..أحبتي .. أمل الجهاد المتأجج في ناظري إلى الأبد عمالقة الالتزام الصادق .. إلى كل المتمسكين رغم كثرة المفرطين، ورغم سفههم ..إلى أبطال مستقبل هذا الدين .. إلى فرسان الحق والقوة والحرية .. وإلى أشبال حماس الأبطال ..إنني أكتب رسالتي وأنا في خندقي بين الرصاص والقنابل، وبجانبي رشاشي ينتظر المعركة وهو مشتاق إلى تقبيل رؤوس اليهود وعملائهم .. من بين هذه الأحداث وهذه المخاطر تذكركم وأنتم تجلسون حولي في أيام قد خلت، فقلت لنفسي .. من فيهم يحمل الرشاش بعدي .. ويلقي القنابل ؟؟ .. من فيهم هانت الدنيا عليه وأشرقت روحه وتألقت لمعانقة الشهادة ؟؟ كي أخفي عنده سر الجهاد ..من فيهم يا ترى سوف يرث (أحمد ياسين ويحيى السنوار وروحي وحازم العايدي وعيد مصلح ؟؟) من فيهم سوف يذكرني وأنا مطارد، فلا ينام الليل يحلم في الجهاد ويظل يفكر كيف السبيل لقتل اليهود وأذنابهم الأوغاد ؟؟

من فيهم يرفع راية القسام عالية كما رفعناها في زمن الذل والعار،لقد مهدنا لكم الطريق لكي تسيروا على درب البطولة والشهادة، وتعانقوا روح الجهاد، ولا تفرطوا، أقول لكم من قلب صادق وكلي أمل أن تسمعوا كلمتي ..

أحبتي .. إن أول خطوة في طريق الجهاد المقدس هي الالتزام بتعاليم القرآن والنهج الدرب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم خير الأنام .. وثاني خطى الجهاد،أن لا تنام الليل إلا أنت تنظر في حال البلاد والعباد .. ومن بعد ذلك يبدأ الاستعداد ليوم اللقاء مع البنادق والزناد .. لتكون الشهادة أو نصر ينزله رب العباد .. هذي خطانا في خنادق القسام، فهل تكون لكم أمنيات وتقدموا كي تبدءوا الطريق إلى الجهاد وتستعدوا كي تلحقوا بإخوان لكم هانت عليهم الدنيا وباعوها بما فيها ليصلوا بثمنها إلى رضا الله وإلى جنات الخلد وعدن، وإلى حوض النبي صلى الله عليه وسلم ..

أقولها لكم : إن جهادكم ونفوركم هو حياة الأمة، وأن بين أيديكم تشرق روح الخلافة فتنعم الأرض بالإسلام، وترفع راية التوحيد وما كنا نحن إلا نحن إلا حلقة من حلقات الجهاد الرهيبة المتواصلة بها يعز الإسلام وتنتعش راية التوحيد لتظل عالية لا تذل ولا تهفت ما دام سيل الدم يرويها، وزغاريد الرصاص تصاحبها، وشظايا القنابل تشق لها الطريق للعلو والشموخ ..

اخوتي .. إن الرسول صلى الله عليه وسلم بشرنا بالرباط إلى يوم القيامة، وفضل الشام في الجهاد عن باقي البلاد، وحبب إلينا الشهادة ورغبنا فيها لعظم درجة الشهيد ومنزلته بين الأنبياء والمرسلين يوم القيامة، وحبب إلينا الجنة وفردوسها الأعلى وعد الله للمجاهدين والشهداء، وندعو الله يقبلنا مع المجاهدين وأن يرزقنا الشهادة في أرض الأقصى الحبيب وأن يلحقكم بنا مجاهدين وشهداء وأن يجعل النصر على أيديكم .. إنه على المولى ونعم النصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أخوكم محمد حسن قنديل (القسام)

" أبو حسن “

21/09/1992

أعلى الصفحة

*********************************************************************************************************************** الشهيد

ياسر حماد عليان الحسنات

أبو طارق

التفاني الصامت

قبض ياسر بقوة على القنبلة اليدوية الوحيدة التي بحوزتهم وتجلت في لحظة واحدة كل الصور أمامه، صورة الماضي العامر بالعطاء والتفاني للرسالة الخالدة … وصورة الحاضر الذي يحمل ملامح التحدي غير المتكافئ، لكنه الإيمان يملأ الصدور ويدفع لمواصلة الطريق مهما كان الثمن … وصورة المستقبل المشرق … حيث جنان الرحمان والفردوس الأعلى والشفاعة وعرش الرحمان يتجلى، وحيث الأنبياء والصديقين والشهداء بإذن الله.

كان على ياسر أن يسرع خطاه تاركاً منزله رغم غياب والده (الشيخ حماد الحسنات) خلف الأسلاك الشائكة بتهمة المشاركة في تأسيس وقيادة حركة المقاومة الإسلامية حماس، والاعتقال الإداري الذي لاحقه بعد ذلك.

كان عليه الإسراع استجابة للواجب الإسلامي الذي يستحث خطا الشاب الأسمر الهادئ صاحب العطاء الصامت لينطلق ناحية الجنوب من مخيمه (النصيرات) حيث دير البلح وقربها مزرعة الدواجن التي يعمل بها مع إخوانه …

لم تكن مزرعة الدواجن تلك سوى غطاء للعمل الجهادي القسامي الذي انطلق في المنطقة الوسطى والتي كان ياسر أحد قادته … حيث في أسفل المزرعة يقبع المبنى الذي اتخذته المجموعة القسامية كموقع تحقيق يخطف المتهم بالتعاون مع إحدى المخيمات الوسطى وينقل مقيداً ومعصوب العينين إلى الموقع، ويجري معه تحقيق شامل وينفذ الحكم العادل في المتهم حسب جرائمه أو يطلق سراحه إذا لم تكن جرائمه كافية لتنفيذ حكم الإعدام فيه …

كانت تلك الأعمال حينها تثير الإعجاب والدهشة والتساؤل … من يقف خلفها ؟؟ وكيف تؤدي بهذه الدقة والمهارة ؟؟ (ياسر) يغد السير نحو الموقع المتقدم … والخندق الجهادي الأمامي وتدور به ذكريات الأيام والليالي الخوالي … يتذكر والده وهو يحدثه عن الهجرة والشتات حيث انتقلت الأسرة من (بئر السبع) البلدة الأصلية مع مئات العائلات الفلسطينية حيث آوتهم خيام اللاجئين في قطاع غزة … خيام اللجوء والضياع … وتحولت الخيام مع الأيام إلى بيوت مليئة، حيث يؤوي البيت عشرات الأفراد …

واستقرت عائلة الشيخ حماد في النصيرات ورزقه الله بالأبناء تباعاً … وحدثه والده الشيخ عن يوم ولادته في اليوم الأول من عام 1964م حيث لازالت العائلة تعيش في ظل الحكم المصري في قطاع غزة على أمل العودة إلى بئر السبع … وكم كانت فرحة العائلة بقدوم ياسر ضيفاً جديداً كريماً على هذه الحياة …

وكم كان حلم العودة لازال يراود (الشيخ حماد) … ولكن الحلم سرعان ما تبخر واستيقظ أهل القطاع على تقدم القوات العسكرية الإسرائيلية لتسحق الحلم بمزيد من الاحتلال والمصادرة للأرض. ولكن أين نذهب الآن ؟! مالنا خيار سوى الصمود حيث نحن …

استمر ياسر في خطاه الثابتة وهو غارق في الذكريات … كانت تلك الذكريات تزيد من اضطرام النيران في صدره الجياش ليمارس حقه في الحلم والعمل على تحقيق الحلم الذي ورثه عن والده الشيخ … وعاد ليتذكر أيام الطفولة بين الشجيرات الحانية، يلعب مع الصبية رفقاء طفولته، وفي ظلها ألعاب البراءة، وتذكر المدرسة التي آوته منذ نعومة أظافره والتي يراها الآن بعين خياله بجدرانها المتآكلة وسقفها القرميد الذي يكاد يهوي فوق رؤوس التلاميذ ومدرسيها المخلصين بعطائهم رغم قسوة الظروف، ويوم انتقل ياسر للدراسة في غزة حيث على زملاء جدد وإخوان كرام، ومن يومها بدأت دائرة المعارف للشاب الهادئ الواثق تتسع لم يترك موقعاً إلا وله فيه اخوة وزملاء على طول قطاع غزة، حيث كان ينتقل باستمرار لأداء دوره كأمير للكتلة الإسلامية في مدرسة الصناعة، حيث تعلم هناك خلال عامين من عمره مهنة التكييف والتبريد، وبدأ بعدها يزاول مهنته الجديدة من خلال ورشة صغيرة، لم تكن تؤدي دورها في تغطية النفقات الخاصة، هذا عدا عائلة ياسر الجديدة بعد زواجه وبعد أن رزقه الله بطفلتين … وذلك دفعه إلى البحث عن البديل، حيث عمل في مصنع بسكويت.

دار هذا الشريط بسرعة في ذهن ياسر وهو يتقدم نحو الموقع المطلوب … كان يرى في تقدمه نحو الموقع القسامي تقدماً نحو قدره الذي رسمه له الله عز وجل … حاول للحظات قراءة قسمات المستقبل أو التنبؤ بجزء منه، لكنه لم يفلح في ذلك فعاد أدراجه إلى الذكريات … عاد ليذكر نشاطه الإسلامي قبل الانتفاضة، جال في أرجاء مسجده وتفقد زواياه بخاطرة … وذهب إلى الجمعية الإسلامية في النصيرات ليذكر فيها أيام العطاء الفني، حيث برز كمتحدث ومقدم برامج رغم الخجل الشديد الذي كان ينتابه حين يقف متحدثاً أمام الجماهير … وكان يطرب لسماع النشيد الإسلامي من فرقة الجمعية، وكان يرى في المسرحيات الهادفة التي تقدمها الجمعية بديلاً فنياً حقيقياً للهبوط الذي أغرق به الشعب باسم الفن والتقدم … وكان يمارس هوايته في إلقاء الشعر وقرضه، وكان هذا يسهم في إكساب ياسر جرأة حيناً بعد حين، ولما تولى إمارة الكتلة الإسلامية في مدرسة الصناعة كانت الثقة بالنفس معلماً في شخصية (ياسر) …

رحلت الذكريات مرة أخرى إلى الانتفاضة المباركة وتذكر بمزيد من الفخر دوره مع إخوانه في الهاب جذوتها وإيقاد نيرانها … وكان ياسر بين أولئك الأبرار الأوائل الذين تقدموا يلبسون القناع تاجاً لرؤوسهم الطاهرة كي تتقد هذه الجمرة التي أحرقت اليد اليهودية …

وعين الاحتلال لم تكن غافلة عن ياسر وهو يتحرك كقائد وضّاء يحظى بحب واحترام إخوانه ويحتل مكانة مرموقة في صفوفهم، لذلك بادر الاحتلال إلى اعتقاله إدارياً وكان من الأوائل الذين افتتحت السلطات بهم معتقل كتسعوت (أنصار 3) في صحراء النقب … ولم يكن هذا ليضعف عزيمة أبي طارق صاحب الإدارة القوية، بل تقدم في العطاء وازدادت حماسته وكان يبدي إعجاباً شديداً بأبطال خطف الجنود (ساسبورتس وسعدون) من أبناء الحماس المجاهدين (نصار وشراتحة والمبحوح)، وكم كان يرغب أن يلتحق بصفوفهم.

ثم جال بخاطره يوم أسندت إليه الحركة مسئولية جهاز الأحداث في المعسكرات الوسطى، وكان هذا فخراً إضافياً، فكم كان ممتعاً أن يعطى المرء لإسلامه ووطنه كل ما يملك من وقت وجهد ومال ودم، ولما قدر الله تعالى تقدمت قوات الاحتلال لاعتقاله ومحاكمته بهذه التهمة ليقضي محكوميته البالغة عامين في معتقل أنصار 3 الصحراوي، وما كاد ينعم (أبو طارق) بشمس الحرية في ربوع قطاع غزة وتحت شمسه الحانية حتى بادر إلى الاستجابة والموافقة على العمل في كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري للحركة، وكان من أوائل العاملين في المنطقة الوسطى … كان يعشق الجهاد ويهوى أداءه ويحب تنفيذ استجابة لأمر الله تعالى بالجهاد حتى يحققوا أبرز المبادئ التي يؤمن بها (الجهاد سبيلنا).

كان ياسر يصطدم بدابة تسير أمامه وهو غارق في ذكرياته، وانتبه على صوت صاحبها ينادي عليه بالحذر والانتباه … تلفت فإذا هو على مشارف الموقع القسامي الذي يريد أخذ يتمتم مروحاً عن نفسه بأنشودة سمعها حديثاً وظل صداها يتردد في نفسه " مجاهدون … مجاهدون … مجاهدون … مناضلون … مناضلون … مناضلون … فوق التل فوق السهل فوق الجبل مجاهدون، وحدنا كل مبادئنا ورفضنا الموت، وصرخنا في وجه الليل تحدينا الصمت … وحلفنا أن الشمس ستشرق بعد أفول وقهرنا الموت، قهرنا الموت، قهرنا الموت ".

كان قد وصل ياسر إلى مدخل مزرعة الدواجن التي يرتادها بشكل شبه يومي كموقع عمل، حيث تفقد الدواجن وأمدها بالغذاء والماء، ثم دلف عبر فتحة غير بارزة في نهاية المزرعة بها سلم يؤدي إلى أسفل المزرعة، حيث إخوانه في انتظاره وقد جلبوا شخصاً متعاوناً مع الاحتلال، وظلت المحاولات مع الرجل كي يعترف بما لديه من معلومات حتى بادر إلى الحديث وياسر يستمع ويسجل كل ما يتلفظ العميل … ثم طلب منه إعادة اعترافه وسجله على شريط كاسيت … طلب منهم العفو والمغفرة بعد الاعتراف … بادره ياسر : كان ذلك ممكناً لو أنك لم تطلق النار على أبناء الشعب، ولم ترتدي الزي العسكري الإسرائيلي، أما الآن فقد سبق السيف العدل، ولكن بإمكانك التوبة الخالصة لله تعالى والصلاة والخشوع بين يديه طلباً للمغفرة والرحمة … وأحضر له الماء وأرشده إلى طريق الوضوء والصلاة كإعلان للعودة إلى الله تعالى ولو في اللحظات الأخيرة … ثم جلبوا له بعض الطعام تناوله بتردد.

كان العمل الجهادي القسامي يسير بانتظام وهدوء، ولا يعلم به أحد على الإطلاق سوى القائمين وعين الله ترعاهم … فالسرية والكتمان علامات بارزة في شخصية ياسر، ولكن قدر الله النافذ يتحرك لحكمة بالغة لإماطة اللثام وكشف خلايا القسام العاملة، حيث حضر ياسر إلى والده يوماً بعد خروج الوالد من المعتقل ليخبره أنه باع نصيبه في المزرعة لعدم جدواها … ولم يعط الوالد الخبر اهتماماً كبيراً حتى علم بالقصة لمّا قدمت قوات الاحتلال في بداية عام 1992م لاعتقال ياسر … ورفض ياسر الاستسلام وأصبح ضمن المجموعة الأولى لمطاردي القسام … واختارته قيادة الجهاز العسكري ليكون أميراً للمطاردين، وقضى أبو طارق جل وقت المطاردة في مدينة غزة مع إخوانه يتنقلون من موقع لآخر وهم يؤدون واجبهم في الموجهة الجهادية على مختلف الجبهات، كان يشعر ياسر بالمتعة في حياة المطاردة لأنها تجسيد بقوة التحدي والصراع … وما أجملها من معاني حين يحمل صاحبها الحق ويزود عن حمى الشرف والكرامة، والمطاردة تعني في قاموس ياسر المقاومة حتى آخر الأنفاس …

وأضاف استشهاد طارق القسام مزيداُ من التحدي والعنفوان على شخصية ياسر، وكم كان طارق قريباً من ياسر فهما أبناء النصيرات وأبناء الحماس والقسام وأبناء الجمعية الإسلامية، كل ذلك معاً وسوياً، وترى ذلك مجسداً في تسمية ياسر نفسه بلقب (أبي طارق) نسبة إلى طارق الشهيد … وغدا بعده ياسر أكثر تصميماً على مواصلة الطريق حتى نهايته، وكم كان يتمنى النهاية بشهادة في سبيل الله تقر بها عينه ويعز الله بها راية الإسلام ويذل راية يهود …

لم يطل انتظار ياسر، فبعد أكثر من شهر من استشهاد طارق كان القدر يرسم لياسر نفس الخطى، ولكن بصورة جديدة …

ففي مساء الرابع والعشرين من شهر مايو من نفس عام المطاردة (1992)، تقدمت قوة عسكرية نحو منزل الشيخ حسن الديري في حي الصبرة بمدينة غزة لتحاصره، حيث يقبع داخله الأبرار الشهداء (الزايغ … قنديل … الحسنات)، وكان مروان حينها يعاني من أثر الإصابة النارية بقدمه … قبض ياسر على القنبلة اليدوية الوحيدة التي بحوزتهم وتجلت في لحظة واحدة كل الصور أمامه … صورة الماضي العامر بالعطاء والتفاني للرسالة الخالدة … وصورة الحاضر الذي يحمل ملامح التحدي غير المتكافئ، لكنه الإيمان يملأ الصدور ويدفع لمواصلة الطريق مهما كان الثمن … وصورة المستقبل المشرق … حيث جنان الرحمان والفردوس الأعلى والشفاعة وعرش الرحمان يتجلى، وحيث الأنبياء والصديقين والشهداء بإذن الله.

واعتلى ياسر سطح المنزل … ولما تقدمت القوة وأصبحت في مرمى الإصابة انطلق الساعد القسامي بقنبلته وهو يهتف الله أكبر … الله أكبر.

ليتشتت جمع يهود ويقعون مدرجين بدمائهم … ويصوب مروان رصاص مسدسه نحو ضابط الوحدة، فانطلق الرصاص الجبان من كل صوب وحدب نحو أجساد الأبرار ليتحقق الحلم لأبناء القسام بالشهادة والارتقاء إلى الجنان إلى الفردوس الأعلى … ويتحقق حلم يهود في القضاء على إحدى الخلايا القسامية، ويهوي أحد ضباط الاحتلال إلى قعر جهنم، حيث تمكن رصاص القسام من قتله ليحقق الله دعوة ياسر لشهادة يذل بها يهود …

كانت وصية ياسر التي سمعها أهله عبر شريط الفيديو عالقة في أذهانهم ـ عدم الصراخ ـ توزيع الحلوى ـ إقامة عرس الشهادة ـ تنفذ بحذافيرها، حيث ذرفت الدموع على الشهيد الغالي وانتصب عرس الشهيد في قلب النصيرات أمه أبناء القطاع، يهتفون للشهيد وللإسلام وللحماس وللقسام. والتهبت أرجاء القطاع بالمواجهات العارمة غضباً شعبياً على فقدان أ[ناء مقاتلون بررة من أبناء هذا الشعب المعطاء …

ومكث جثمان الشهيد أياماً مع قوات الاحتلال، وبعد ليال ثلاث تقدمت قوة عسكرية تطلب من الشيخ حماد الخروج مع أفراد قلائل من العائلة لدفن الجسد الطاهر … جسد الشهيد ياسر … كانت نظرات الوداع الأخيرة بالغة التأثير، شعر الشيخ حماد بمرارة الفراق ولوعة الحرمان من رؤية ولده الحبيب الوادع، لكنه كان في سعادة غامرة حيث ولده يكمل الطريق التي اختارها برزت معاني التضحية والوفاء من أجل الله والوطن متجسدة في شخص ولده لعودة الراية الخالدة … ووري الجسد الطاهر التراب لتضمه (مقبرة الزوايدة) التي تفخر بثلة من الشهداء الأبرار تقبع أجسادهم في تربتها الطاهرة.

ولم يقف العطاء ولم تقف المسيرة، إذ استمر (زياد حماد الحسنات) شقيق ياسر في طريق شقيقه ليطارد لسلطات الاحتلال فترة من الزمن ثم يتمكن من مغادرة الأرض الحبيبة على أمل العودة القريبة بإذن الله … وقد ألقيت كلمات الرثاء والوفاء للشهيد الغالي في عرسه الكبير ومما تضمنته هذه الكلمات …

" إننا نودع اليوم رجلاً شهماً إلى جنات الفردوس بإذن الله … استشهد في ميدان العز والشرف والكرامة في سبيل الزود عن حياض الوطن المقدس … لقد أوقف شهيدنا حياته منذ نعومة أظافره لخدمة دعوته ووطنه … إن حماس لا ترثيه ولا تبكيه بل تتخذ من سيرته مثلاً أعلى ونبراساً …

إن ما يبعث فينا الثقة والقوة، التاريخ القسامي الحافل بالأعمال المجيدة لشهيدنا الغالي، إن من عرف هذا البطل عرف أن الله قد أودع قلبه سراً علوياً لم يودعه إلا في قليل من عباده الصالحين، منهم ياسر الذي أخذ من الإيمان عقيدة، ومن الإخلاص وطنية، ومن الوفاء عشرة ومن العزيمة إقدام، ومن الثبات إرادة، ومن النبل طبعاً، والبطولة اتصالاً ".

وقد أجمع الذين شاهدوا ياسر في شهادته أنه كان كاليقظ ورائحة المسك تعبق المكان … نعم إنها الكرامة يمنحها الله لأوليائه المجاهدين الذين تقدموا في زمن التراجع ليكتبوا بدمهم صفحة جديدة ويشقوا طريق الحرية … بجهادهم المتواصل وليدقوا أبوابها الحمراء بدمائهم المدرجة الزكية … فطوبى لهم وحسن مئاب …

أعلى الصفحة ******************************************************************************************************************

وداعاً أيها القائد

الشهيد

ياسر أحمد يوسف النمروطي

أبو معاذ

الشهيد النمروطي: جبل شامخ في الأفاق ورجل عسكري معطاء!!

خاص: كتائب القسام( قساميون)

من قال أوراق الشهادة ...قد طوتها الريح في زمن الخراب ؟ من قال ان حكاية الشهداء قد صدئت وواراها التراب ؟ من قال إن أشرعة البطولة قد طواها الموج في بحر الغياب ؟ من قال إن جحافل القسام قد فقدن صهيل خيولها في يوم (يعبد ) عندما نعق الغراب ؟ من أين يأتي هؤلاء إذن ... ومن أي المآذن يطلعون؟ فتحتفي بنشيدهم هذه الهضاب... ومع اشتعال دمائهم لا بد ينقشع الضباب ....

جبل شامخ في الافاق

جبل شامخ في الأفاق ... لا يمكنه إن يتوقف عن مد يديه للشمس نحو النجوم الساطعة في السماء ... تتلألأ النجوم وتزداد سطوعا ولمعانا من شعاعه الذي يمنحه للآخرين في صمت .... فهو صخرة الأقدار التي تتحطم عليه صرخات الأحزان ... وزند قوي أشع من وسط الظلام ليبدد عتمة الليل ... ويجلي الصبح بالنهار انه الشهيد ياسر احمد يوسف النمروطي (أبو معاذ) .

في عرس شهادته

في ذكرى رحيلك العاشرة ايها الخالد في ذاكرتنا للابد ... صورتك انتشرت على ثياب التلاميذ... واحلامك تتجسد في صباهم ... وتقاطيع وجهك تلازمهم في احلامهم ... ومقاطع شعرية يكتبونها لاجلك في كراريسهم المدرسية ... وريح روحك ترفرف على المكان وتزيح عنهم الظلام وتذر الرماد على العتبات.... اصطف أبو معاذ حذو الظل ... واشتم السكون ... ووهج عن ومض انحدر في خلاء الكون ... ورفرف في السماء ... وهيأ نفسه للافق ... وامتزج بدمائه ... فكان امتدادا للفضاء ... ونسج فينا ذاكرة وحلم ... وكان على موعد مع الشهادة حين تقدمت قوات عسكرية بأعداد هائلة في مساء الثلاثاء 14/07/1992م ... وحاصرت المكان الموجود فيه وهو المنطقة الجنوبية من حي الزيتون ... واستمرت حملة تفتيش واسعة النطاق حتى قرب ظهيرة اليوم التالي 15/07/1992م ... حتى خرج أبو معاذ من موقعه وهو يحمل مسدسه الشخصي أطلق منه رصاصات على قوات الاحتلال ... وحاول القفز بين المنازل حيث كسرت ( الزاوية ) التي كان يستند عليها فأطلق الجنود أكثر من ثلاثمائة رصاصة على جسده الطاهر ليرتقي الى الله شهيدا ويجمع في راحتيه وميض النجوم وتتذكره ضوء المصابيح في طرقات المخيم وينفث اريجه عبر النوافذ منتثرا وازقة المخيم ملء خطاه وبشموخ ابو معاذ كون بعض ملامح المخيم والتي لن تغيب ملامحه عنا ابدا ....

رمحا مشرعا في وجه الاعداء

يا رمحا مشرعا خلف الأسوار ... يا شجرة من نار تكوى الأعداء ... لم يتجرأ الجنود المدججون بأسلحتهم ان يتقدموا صوب جسدك المسجى .... ليتم نقله وسط إجراءاتهم في البحث داخل الجسد حول أي أثر لمعنى المقاومة والصمود ... وتعلن الإذاعة الإسرائيلية نبأ استشهاد ياسر النمروطي أخطر المطاردين في قطاع غزة .... وأعلنت حركة المقاومة الإسلامية حماس عن يوم 15/07/1992م إضراباً شاملاً حداداً على روح الشهيد الرقيب ياسر النمروطي قائد كتائب الشهيد عز الدين القسام في قطاع غزة .... ولمع ضياء ابو معاذ على الشجر المتكاثف جنب الطرقات .... وظهر لمعانه في السكون على عتبات البيوت ... واعمدة النور عندما امتزج البياض بحمرة الشفق ... ونقش اسمه على قلوبنا ... ونما فيها حين انشق عن صمت الوجود ...

محطات المقاومة والصمود

خطط ابو معاذ... وتأمل نحر الأعداء بصخر الشطان... وقوى الأفق المفتوح على الظلمة ... وجبال الطور المجدولة في سدف الليل... وتلال غزة التي صادرها المحتل .. وقرر ان يكون شوكة في حلق المحتل ..... وبدا خطواته الاولى .... ففي شهر مايو 1989م كانت أجهزه المخابرات الإسرائيلية في القطاع عزة توجه ضربة شاملة (لحركة المقاومة الإسلامية _حماس )اثر قيامها باختطاف جنديين من قلب إسرائيل .... وطالت هذه الهجمة قيادات الحركة... وأجهزتها المختلفة .... وكان ابو معاذ أحد أولئك الأبرار الذين طالهم الاعتقال بتهمة ترؤس خلية من المجاهدين الفلسطينيين في منطقة خان يونس ... وقد حكم على أبو معاذ حينها بالسجن عامين .... وغرامة مالية قدرها (7000 شيكل ) .... وقد قضاها في سراديب التحقيق في سجن غزة المركزي ... وفي معتقل النقب الصحراوي بين آيات الله عز وجل حافظا وتاليا ...

ميلاد النور

لك المعاطر التي توقدت في التراب.... يا اول المجد ... فلقد كانت اللحظات القليلة التي يخلو فيها أبو معاذ بنفسه تذهب به الذاكرة إلى الأيام الخوالي من حياته الحافلة حيث الطفولة وبراءتها... فقد حاز بذلك إضافة إلى جماله الرائق محبة والديه خاصة انه قدم إلى الدنيا بعد وفاة شقيقه تيسير الذي يكبره مباشرة... مما دفع والدته إلى ضمه إلى حضنها تحدثه قصص بطولات الفرسان .... وأحاديث بلدته وسقط رأسه والده (ياسر) والحياة الجميلة فيها وقصة الهجرة الكبيرة وأماني العودة الملازمة للعائلة المتواضعة وكل أبناء فلسطين.... وتذكر له بشيء من السعادة يوم ولادته (السابع والعشرين من شهر سبتمبر من عام 1964 م حيث كان قطاع غزة تحت الاحتلال المصري ... وان قدومها فتح قلبها مجددًا إلى الدنيا رغم إن الله رزقها قبله بذرية كثيرة....

حياة خلاصة

يا من تخيرت بعض امتداد الفضاء .... وكونت أفقا ... وشكلت التماعا للنجوم باخرة الليل .... ورسمت وجهك على تلال خان يونس ... حيث تواصل البراءة واللعب مع رفقاء الطفولة ، وصيد العصافير ، والرحلات الدائمة إلى شاطئ بحر خان يونس .... حيث يمكث ساعات بين مياه البحر وأمواجه ورماله دون كلل أو ملل …. وأيام الدراسة ، تحت سقف مدارس خان يونس للاجئين ، وما بها من متعة وبراءة …… ومن تفوق وذكاء ، (حيث كان ياسر من المتفوقين بين أقرانه ) ، والتزم صغيراً في مسجد الشافعي ) حيث شعر ومنذ نعومة أظفاره بمعنى الولاء.... وحقيقة الانتماء ... ونهل من نبع الإسلام الصافي ما شاء الله ... وكان أحب أيامه يوم ينطلق مع إخوانه إلى الخلاء يلعبون ويتسامرون ... وفي هذا الموقع تعلم الشدة والبأس على كل ما يخلف منهج الله تعالى .... وباشر في بناء جسده العملاق حيث مارس بشكل متواصل ألعاب القوى وفن الكاراتيه ... وكان من الأوائل الذين حصلوا على الحزام الأسود.... وكانت نعمة الله عليه عظيمة بجسد قوي على البلاء صابراً... وبالتأكيد كان التزاوج بين الإيمان النقي والجسد القوي مصدر إرهاب متواصل لأعداء الله ...

التزام وتدين

بصرخات من عمق الصدر وتجمع ملء يديه صراخ تخرجه من باطنها الأرض .... فأبصر نجمة داود على الخوذات ... ورفض الذل ... والتحق ( بجماعة الإخوان المسلمين ) ونما وصفا ذهنه وفق الإسلام ومنهجه ، ومنح بيعة عالية لله تعالى ، ثم تعود به الذاكرة حيث ( الجامعة الإسلامية) في غزة وأيام العمل الجميلة فيها، حيث الحراسة الدائمة لهذا الصرح من أي عبث كانت إحدى مهام ياسر الذي يملك كل المؤهلات البدنية والنفسية لهذا العمل ..

وبدأ يفكر الشاب الناضج في الاستقرار الأسري بعد اكتمال شخصيته والاعتماد المطلق على نفسه، تزوج ياسر ورزقه الله بمعاذ قرة عين له ولزوجه..

عرف الطريق

صوب رصاصك ... ان الرصاص خلاصك .... ضمد جراحك ... واشهر صباحك .... وارفع على زحفهم سلاحك .... وكان أحب الأيام إليه ذاك اليوم الذي تقدم فيه المجاهد ( يحي السنوار ) مؤسس منظمة الجهاد والدعوة ( مجد ) ( جهاز الأمن ) التابع لحركة حماس كي يشكل خلية جهادية في مدينة ( خان يونس ) تؤدي واجبها في مواجهة الخارجين عن إطار الدين والوطن .. وتحركت الخلية قبل ومع بداية الانتفاضة ضد أهداف تشكل خطراً على مجتمعنا وقضيتنا ، حيث شكلت هذه الأهداف مراكز لإسقاط أبناء شعبنا في براثن المخابرات.

انتبه أبو معاذ الراقد في خيمته على أثر سقوط مسبحته من يده، هذه المسبحة الغالية التي صنعها بيده من نوى حبات زيتون بلادنا كي يبقى من خلالها على اتصال دائم مع الله تعالى في هذه الخلوة الدائمة التي أراد منها العدو كيداً ( لياسر) وإخوانه ، فإذا هي نعمة عظمية يشعر فيها بمدى قربه من الله تعالى.

ترسخت المفاهيم

ولما كان ياسر بين أحضان إخوانه رفقاء المحنة والصبر يودعهم في اليوم العشرين من شهر مايو 1991م، بعد قضاء محكوميته كاملة .. كأنه في بريق أعينهم يلمح مضاء العزيمة فوق أكتافهم شارة النصر ، وفي حنايا قلوبهم التي لامست قلبه دفء العطاء والنصيحة ، فخرج ياسر وهو يعرف الطريق جيداً ... وقد ثبتت به خطاء بشكل كبير ... وترسخت لديه القناعات ( أن الجهاد هو السبيل ) ... وبدأ بريق الإصرار والمضاء أكثر لمعاناً في عيني ياسر المقدام كي يمضي في هذا الطريق الشائك ... والتطور النوعي في شخصية ( أبي معاذ ) بعد خوض هذه المدرسة المتكاملة وحفظ كتاب الله تعالى ونيته الصادقة على مواصلة الطريق كان كفيلاً بأن يصبح أحد الرقباء لحركة الإخوان المسلمين في مدينة خان يونس.ما كاد ( أبو معاذ ) يحط الرحال بعد هذا السفر الطويل في بحر الغربة عن الأهل والزوج والولد ، وذلك استجابة للهيب المستعر في قلبه الذي يدفعه للعمل والعطاء حتى بادر إلى تشكيل خلية عسكرة من خلايا كتائب الشهيد عز الدين القسام في منطقة خان يونس وقف على رأسها.

قائدا قساميا

ولما يبدأ العمل العسكري ، كان قد خطط لذلك حتى اعتقلت مجموعة قسامية في شهر ديسمبر 1991م ، وأثر ذلك في السابع من يناير من العام التالي داهمت قوات عسكرية معززة منزل ياسر فما كان من المجاهد إلا اتخاذ قراره الحاسم وإعلان التحدي الصعب بقوله الصارم " لن أسلم نفسي لليهود وسأموت ألف مرة قبل أن ينالوا مني " ليصبح بعدها ( أبو معاذ ) مطارداً لقوات الاحتلال والمستوطنين في كافة الخنادق الأمامية للمواجهة وليستعر لهيب المعركة بشكل أكثر بروزاً في كافة أرجاء القطاع الصامد، وليكون أبو معاذ من أولئك النفر الأوائل القلائل الذين بهم ارتفعت راية الجهاد وأصبح اسم القسام رمزاً أصيلاً لكل جهاد صادق وتضحية كاملة ..

حياة المطاردة كان رجل الساعة يفهم دوره جيداً وينفذ المطلوب منه بشكل كامل ، فانطلق منذ اللحظة الأولى للمطاردة في مدينة غزة وأحيائها ( والتي لم يغادرها مطلقاً حتى استشهاده ) يرفع بنيان القسام ويثبت أركانه في الأرض ليصبح كالشم الرواسي، حيث تولى ( أبو معاذ ) قيادة ( كتائب الشهيد عز الدين القسام ) في قطاع غزة .. وهذه المهمة الثقيلة لم يكن ياسر ليضن بها أو يتقاعس في آداءها رغم المشقة البالغة التعقيد .. حتى لم يتوقف المطارد البطل عن العمل من أجل توفير الإمكانات اللازمة للمجاهدين ، حيث قام بشراء السلاح وإعداد مواقع الاختفاء ، وبدأ يوسع قاعدة العمل العسكري، فانضم إلى القافلة مجاهدون جدد وغدت الخلايا القسامية في شتى المواقع .. وبدأت موجة من الهجمات التي شارك بفاعلية التخطيط لها أمير الكتائب ( أبو معاذ ) ومنها الهجوم على مركز الشرطة في غزة ، وعملية ( مصنع كارلو ) قرب ناحل العوز حيث قتل يهوديان ، وعملية قتل المستوطن ( كوهين ) قرب بيت لاهيا.

اخلاص وتفاني

وكان الإصرار والتفاني والإخلاص معلماً بارزاً في شخصية القائد ( أبي معاذ ) حيث تراه في كافة المواقع رجلاً إيمانياً معطاءاً لا يبخل على دينه وحركته بالجهد والوقت والمال والدم القاني الذي روى التراب الطهور الذي عشقه ياسر ، كان أكبر شاهداً على هذه الحقيقة الناصعة وفي كل هذه الأوقات الصعبة والتحدي العنيف كان دوماً يردد " راية الجهاد ارتفعت ولن تخفض بإذن الله تعالى وسنظل نضرب اليهود في كل مكان ما دام فينا عرق ينبض .. ؟

الشهادة عنوان

ولم يكن ياسر التواق يضع نصب عينيه سوى نهاية واحدة ( الشهادة ، الجنان ) فكان يرفض الخروج من الأرض المقدسة كما يرفض تسليم نفسه لأيدي السجان القاهر، فكان يسعى للشهادة بكل قوة وعنفوان وينتظرها كأمنية غالية طالما رسخت في عقله الباطن أن الموت في سبيل الله أسمى أمانينا ، لذلك لم يذخر أبو معاذ جهداً لتحقيق هذه الأمنية، لذلك كان دعاؤه الدائم " اللهم ارزقنا الشهادة مقبلين غير مدبرين ".

لن ننساك

وما كان لكتائب الرحمن من جند الحماس والقسام أن تنسى أحد أبرز خريجي مدرسة الجهاد والاستشهاد.... حيث حضرت في اليوم الثالث للعزاء خلية قسامية مسلحة ....أطلقت الرصاص في الهواء تحية لقائدهم القسامي .... وهم يرفعون ولده معاذ فوق أكتافهم .... وفي حفل تأبين الشهيد الرقيب المهيب اثنى الجميع على أبي معاذ القائد الجندي ، وقال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي ( نودع اليوم بطلاً لم أشهد له مثيلاً في هذا الزمان ) ، ففعلا هذا زمان الرجال يا ابا معاذ .... هذا الزمان التي تتهاوى فيه هامات الرجال .... وانت مع الفجر تمضي ... مضيت وتركتنا خلفك نلعق جراح الغربة... يا من تعاهدت على الشهادة ... وانطلقت بسورة العصر .... لن تنساك الجدران التي بحناء الحماس خضبتها .... ولا الاعلام التي بلا اله الا الله وشحتها .... ولن تنساك صلاة الفجر يا خير من ارتادها .... ستبقى الجندي الذي مضى على العهد حتى قضى .... هنيئا يا ابا معاذ اللقاء بالاحباب في السماء .... وستظل في القلب مع العماد وابو الهنود والعياش والباقين نجما فوق الجبين ....

********************************************************************************************************************

من ملفات كتائب القسام في جنين

الشهيد القسامي

عبد القادر كميل

: يقرأ المعادلة بشكل صحيح من مؤسسي كتائب القسام في شمال الضفة الغربية

خاص/قسام /جنين

تقديم

هي بلدة في جنين تستحق بحق أن تسمى بلد القساميين ، فمنه كانت الشرارة الأولى لأولى مجموعات الكتائب في الشمال ،ومن خيرة أبنائها صنعت وقود الكتائب في الانتفاضتين، وفي بيوتها أمضى العياش فترة من مطاردته إنها قباطيه ،سلسلة طويلة من العطاء فمن ستة قساميين قدمتهم شهداء قبل اندلاع انتفاضة الأقصى ، إلى ثلاثة شهداء قساميين آخرين قدمتهم في ظل انتفاضة الأقصى ،يضاف إليهم عشرات المعتقلين القساميين من أبناء البلدة على طول الانتفاضتين ، لذا كان حقا علينا أن نعيد إلى الذاكرة سيرة ثلة من أبناء هذه القرية من شهداء القسام بدءا بالقائد المؤسس الشهيد عبد القادر كميل ، مرورا برائد زكارنه واحمد أبو الرب محمد ابوالمعلا "الأناسي " وامجد كميل ، ومحمد صالح كميل ،إلى شهدائها القساميين في ظل انتفاضة الأقصى الشهيد صالح كميل وظافر كميل ومحمد كميل ، والحبل على الجرار

( الجهاد والشهادة قدر الكثيرين منا في فلسطين ، أما الموت فهو بالتأكيد قدر الصهاينة الذين يعيشون فيها )

هكذا يقرأ القساميون المعادلة ، وهكذا يتعاملون مع الواقع المر الذي تفرضه ممارسات الاحتلال الصهيوني في بلادهم وعلى أرضهم ، فلا عجب إذا أن يكون المجاهد القسامي عنوان المرحلة ورافع لواء المقاومة ضد أبناء القردة والخنازير ، فلقد أثبتت كتائب القسام دوما أن الحديد والنار هما الطريق الصحيح والوحيد لنيل الحقوق الضائعة والمغتصبة وما دون ذلك وهم وضياع ، وعبد القادر هو أحد هؤلاء القساميين الأوائل الذين رسموا لغيرهم الطريق ووضعوا اللبنات الأولى في صرح القسام العظيم .

الميلاد والنشأة

ولد الشهيد البطل عبد القادر يوسف كميل بتاريخ 3041968م في بلدة قباطية الواقعة بين أحضان جنين القسام ، وتربى بين أفراد عائلته القروية المتدينة على حب قيم وتعاليم الإسلام العظيمة ، تلقى الشهيد عبد القادر كميل تعليمه الأساسي والإعدادي والثانوي في مدارس بلدته قباطية ، وحصل في سنة 1987م على شهادة الثانوية العامة وبتقدير ( 88.5%) مما أهله للدراسة في الجامعة .

بعد حصول عبد القادر على الثانوية العامة بفترة قصيرة قرر السفر للخارج لإكمال دراسته الجامعية ، وفعلا سافر للأردن وألتحق هناك بالجامعة الأردنية حيث درس في كلية الشريعة ، وفي فترة مكوث عبد القادر في الأردن تعرف على بعض الأخوة الناشطين في صفوف حركة المقاومة الإسلامية – حماس – حيث جند هناك لصالح الحركة ، ومع تطور عمل المقاومة الإسلامية في فلسطين قررت قيادة الحركة في الخارج تكوين جهاز عسكري جديد لحركة – حماس – تحت مسمى ( كتائب الشهيد عز الدين القسام ) وانتدب عبد القادر لغرض هذه المهمة في منطقة شمال الضفة الغربية ، وبدأ فعلا قبل أن ينهي دراسته الجامعية بالتدرب على السلاح وصناعة المتفجرات وبقي في هذه الوضعية حتى حان موعد العودة للوطن .

العودة للوطن

وفعلا عاد عبد القادر لفلسطين بتاريخ 1551992م واستطاع بفضل ذكائه وحكمته العسكرية إخفاء تفاصيل مهمته عمن حوله من الأقارب والأصدقاء حتى أنه عمل في مجال الزراعة وقص الحجر في القرية كتمويه لنشاطه ، وبعد قترة قصيرة من مكوثه في منطقة جنين بدأ عبد القادر مع عدد من المجاهدين في حركة – حماس – العمل لتكوين خلايا عسكرية صغيرة في منطقة شمال الضفة الغربية تحت مسمى ( كتائب القسام ) الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية .

الشهادة تنتظره

عمل الشهيد عبد القادر في مجال صناعة المتفجرات والعبوات الناسفة ، وقام بوضع العديد منها على طرق سير الدوريات العسكرية الصهيونية ، وفي يوم 1381992م وفي ساعات ما بعد العصر توجه الشهيد عبد القادر لزيارة أحد المجاهدين في قرية اليامون القريبة من مدينة جنين ن وبعد اللقاء قام عبد القادر بزرع عبوة ناسفة على أحد الطرق الفرعية حول القرية وذلك ككمين لإحدى الدوريات ، وفي أثناء زرع و تركيب العبوة حدث خطأ مما أدى لأنفجار العبوة واستشهاد القائد عبد القادر كميل على الفور ، نقل بعدها جثمان الشهيد سرا من اليامون لقباطية حتى لا تعلم قوات الاحتلال بملابسات الحادث ، وبالفعل تم دفن الشهيد عبد القادر سرا و حتى بدون علم والدة الشهيد بالموضوع حيث تم إبلاغها بالحادث بعد ساعات من الدفن ، وهنا يظهر صبر المرأة الفلسطينية و قوة النفس المؤمنة بقضاء الله وقدره فبعد علم والدة عبد القادر بخبر استشهاد ولدها اتجهت نحو مقبرة الشهداء بالقرية ووقفت على قبر إبنها وقالت ( الله يرضى عليك يا عبد القادر )

علمت قوات الاحتلال بالحادث بعد أيام وطلبت من أحد أخوة الشهيد الحضور لمقر المخابرات في البلدة وهناك سأل الضابط شقيق الشهيد عبد القادر عن سبب الوفاة فأخبره بما حدث ، حيث دهش الضابط جدا من نشاط عبد القادر العسكري وتسائل ( كيف يتم كل هذا بلا أدنى علم لنا ، ثم كيف لم يتم اعتقال عبد القادر عند عودته من الأردن )

هذا هو القائد القسامي عبد القادر كميل أبن كتائب القسام الذي فهم وتدبر المعادلة الصعبة ( جهاد ثم استشهاد ) فكان بحق نموذجا للمسلم المخلص الصادق الذي ترك متاع الدنيا وزخرفها ، حتى أنه بعد استشهاده لم يترك سوى صورة واحدة له وهي صورة تخرجه من الجامعة لكثرة زهده ، إن القسامي رجل كبير في زمن الصغار والأقزام أحب دينه وأمته ووطنه وقدم لهم جميعا روحه وحياته بلا ثمن .

هنيئا لك يا عبد القادر الشهادة وهنيئا لك صحبة رسول الله صلى الله علية وسلم في جنة عرضها السماوات والأرض .

*******************************************************************************************************************

الشهيد

هشام حسني حسين عـامر

أبـو حمـزة

أســد فلسطين

" رحل أبو حمزة بعد أن أودع في كل بيت وردة ، مغروسة وسط الدار لا ترويها المياه ، فقـد سقاها أبو حمزة بدمه فما تذبل أبداً ... ينظر إليها الناس ، يذكرون (هشاماً) الذي أودعهم هذه الأمانة ... يقسمون (لن نقيل ولن نستقيل) حتى تنبت الوردة في رحاب الأقصـى الطاهرة ، وحينها ينتصر (أبو حمزة) ويفـوز ركب الشهداء الأحرار الذين تقدمهـم (أبو حمزة) "

بدأ الليل يرخي سدوله في مساء اليوم قبل الأخير من شهر (أكتوبر) من العام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين ، حينما رفع (أبو حمزة) كفيه إلى السماء متمتماً بدعاء خافت مبتهلاً إلى الله عز وجل أن يسدد رميته ويرزقه الشهادة في سبيله مقبلاً غير مدبر .

في أحد خنادق الجهاد الأولى كان يقبع (أبو حمزة) في أيام مطاردته الأولى مع إخوانه المجاهدين في كتائب الشهيد عز الدين القسام . غطى (هشام) وجهه بكفيه وغاب في عالم الذكريات إلى ذلك اليوم القريب الذي طلق فيه الدنيا الزائلة وغاب عن زخرفها .. تاركاً المال والأهل والولد ... بعد أن كان يخوض مجالات الجهاد والمقاومة في كافة المواقع وهو ملثماً لا يعرف الخصم له طريقاً .

كان ذلك اليوم مغروساً في ذاكرة (أبي حمزة) ... يوم أن حمل سلاح المقاومة وارتدى لثامه الحمساوي وطاف في شوارع وأزفة المخيم يساند ساعده المسلح إيمانه العميق الذي يسكن قلبه، وكم ردد على مسامع إخوانه أن الحق لابد له من قوة تحميه وتسانده وإلا فإن الحق كلمة مجردة لا تستطيع الوقوف في وجه الأعاصير المزلزلة التي تحاصر الحق في كل مكان .

وبينما كان (أبو حمزة) يؤدي دوره الجهادي ، ويقدم التحية إلى قائده (ياسر النمروطي) في حفل تأبينه في مخيمه الفدائي ، وفي لحظة لم يدرك تفاعلاتها يسقط اللثام عن الوجه القسامي الذي يمثل طليعة العمل الجهادي العسكري في مخيم (خانيونس) ، وتهامس الناس هذا (هشام عامر) الملثم المسلح .. يومها لم يعد (أبو حمزة) إلى أهله وأبنائه ... كانوا هناك ينتظرونه .

على باب الدار وقفت زينب تمسك بيد شقيقها الأصغر (حمزة) ينتظران الوالد الحاني الذي رمق الدار عن بعد .. لم يستطع الاقتراب ... كان يلمح بعين البصيرة خيوط الأخطبوط تنسج حوله شبكة محكمة متقنعة ... كانوا حينها يبحثون عن طرف خيط أو دالة طريق نحو الجنود المجهولين من (كتائب القسام) الذي بدأوا برسم معالم الوطن وأخذوا يغرسون خنجراً في خاصرة السرطان الاستيطاني الذي استولى على الأرض ، وطارد الأبناء وقتل الأشقاء وترك الأطفال دون عائل .

كانوا يبحثون بكل قوة عن هذا الخيط الذي يقودهم إلى خنادق القسام الثائرة ، ولكن (أبو حمزة) ليس جندياً عادياً يسهل اعتباره ثغرة يتم الدخول منها إلى خنادق التحدي الأولـى .

(فأبو حمزة) رجل قوي الشكيمة ، صلب العريكة ، تربى منذ نعومة أظفاره على الإباء والتحدي ، فمنذ ميلاده الذي أعقب حزيران النكبة بشهر واحد ، في أحد بيوت مخيم (خانيونس) القرميدية ، بعد أن رحّل أهله من (بيت دراس) قريتهم الأصلية ، ما وقف (أبو حمزة) يوماً مطأطأ الرأس أو حاني القامة ، درج على العزة والكرامة والإباء ، فما كنت تخاله طوال حياته في مدرسته الابتدائية وبين أقرانه في الحي إلا قائداً يجله الجميع حتى أولئك الذين يكبرونه دوماً كان كبيراً في عيونهم ، وطوال حياته الدراسية كان حاملاً للمسئولية التي عاشها منذ الصغر . وما إن أنهى دراسته الثانوية حي افتتح محلاً لبيع الدجاج يقتات منه وأهله ، كانت الخصال الأصيلة في شخصية (أبو حمزة) تجعل منه رجلاً محط الأنظار ومعقد الآمال ، وقد كان لها فما تخلف عن عطاء أو بذل ولم تشهده مواقع (خانيونس) إلا جواداً كريماً لدرجة أنه وهب معظم ماله للمجاهدين .

عدا عن شجاعته النادرة وحزمه المانع لكل الثغرات والسقطات ، لذلك ما هابه أحد أكثر من هيبة المتساقطين والمنافقين لأنه ما عرف النفاق والمساومة ... وربما كان هذا هو السبب في مطاردته المبكرة . وهذا العناد والاعتداد في الحق يطل دوماً في شخصية (أبي حمزة) ليرسم نموذجاً جديداً للمجاهد الفذ والقدوة الخالصة لسيد الشهداء (حمزة بن عبد المطلب) ... فما شوهد (هشام) يوماً متنازلاً أو مهادناً ، بل كان يغذ السير باتجاه (الأقصى) في خط مستقيم لم يفهم السياسة ولا أنصاف الحلول ... امتشق السلاح على كتفه واستعد مبكراً للرحيل .

وساهم في دعم هذه الشخصية الثائرة النشأة الإسلامية الصافية التي عاشها (أبو حمزة) في مسجد فلسطين حيث تتلمذ على يد المجاهد (يحيى السنوار) مؤسس جهاز الأمن والدعوة (مجد) التابع لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) ، والذي يقضي محكومية أربعمائة عام ويزيد في السجون الإسرائيلية .

وعلى يد (أبو إبراهيم) تلقى (أبو حمزة) معاني التضحية والفداء والقوة في الحق ، والصلابة في دين الله تبارك وتعالى ، وسانده في ذلك زمالته الدائمة للشهيد (جميل وادي) . فخرج من هذه التربية لا يخاف في الله لومة لائم، يمضي في طريق الحق دون وجل أو خوف أو تراجع.

وصقل (أبو حمزة) هذه الشخصية المتكاملة بتربية جسده على شتى أنواع الرياضة البدنية ، فأجاد الكراتيه وفنونه ، كما مارس رياضة كمال الأجسام ، إضافة إلى رفع الأثقال .

كان هشام في كل ذلك مهتماً بتربية ذاتية وفق قاعدة " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف " .والتحق (بجماعة الإخوان المسلمين) ، في سن مبكرة حتى غدا نقيباً في صفوفها كل ذلك كان يهيىء (أبا حمزة) لقدره المرسوم .

فما إن انطلقت (الانتفاضة الفلسطينية) الماجدة حتى كان (أبو حمزة) أحد أبرز الرواد الأوائل لهذه الملحمة الفدائية الخالدة ، فخاض صنوف المواجهة والتحدي الأبرز بدءاً برشق الدوريات العسكرية بالحجارة مروراً بإقامة الحواجز والمتاريس إلى الكتابة على الجدران وإنتهاءً بامتشاق السلاح ، ليكون (أبو حمزة) في الخندق الأمامي للمواجهة ، ويمثل طليعة العمل العسكري في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ، ليعتقل في عام ألف وتسعمائة وتسع وثمانين حكم أثرها بالسجن عاماً ونصف ، كان (أبو حمزة) خلالها نموذجاً رائعاً للجندي الملتزم ، سمع وأطاع... تعلم وتدرب وغدا أستاذاً في الأمن واليقظة ، والتزم كتاب الله تبارك وتعالى يتعلم منه فنون الحياة وحقيقة المواجهة المقبلة .

وما أن انفلت القيد عن اليد الثائرة ، حتى انطلق (أبو حمزة) يرسم دربه الجديد بعناية فائقة .

إن كانوا قبضوا عليّ وأودعوني السجن هذه المرة ، فلن تتكرر مرة أخرى ، وما أن خرج من أسره حتى قبض على بندقيته وضغط بأصبعه على الزناد ، وأطلق رصاصة البدء إيذاناً بالسباق نحو الجنة . فمن يسبق (أبا حمزة) في الرعيل القسامي الأول فـي مدينة (خانيونس) .

وفي زمن الالتحاق المباشر (بكتائب القسام) كان (أبو حمزة) الشعلة التي لا تنطفىء والعطاء الذي لا يتوقف .

يرصد وينفذ ويرشد ويحرس ... يؤدي كافة مهام الخندق المتقدم في معاقل الفدائية والجهاد . وحتى يأذن الله بالخاتمة الخالدة (لأبي حمزة) سقط اللثام .

وها هو في موقعه ينتظر المساء لينطلق مع إخوانه نحو مركز الشرطة في خانيونس ، فهو الهدف المتفق عليه ... انطلق المجاهدون الأبرار نحو هدفهم بجرأة وخفة وحذر .. وتقدموا رويداً رويداً والقلوب تضرع إلى الله تبارك وتعالى بالتوفيق والسداد ، خاصة وأن السلاح الذي ملكه الرعيل القسامي الأول كان بسيطاً وشحيحاً .

وما إن أصبح الموقع على مرمى النيران حتى ضغطت الأصابع المجاهدة على الأزندة في دفعة واحدة ، أصابت الهدف بشكـل مباشر ، وتلتها رصاصات الرد على المجاهدين .. كانت الرصاصة التي سوف يستقلها (أبو حمزة) إلى الجنة ضمنها ، تسارعت الرصاصة بكل قوة لتؤدي دورها الذي طالما انتظـره (أبو حمزة) وتغنى به ، حتى استقرت رصاصة الدمدم في كبد (أبي حمزة) ، وتفجرت على الفور ومزقت أحشاء (هشام) وأحدثت نزيفاً داخلياً حاداً .

سارع المجاهدون إلى حمل رفيقهم على أكتافهم والإسراع به نحو (مستشفى ناصر) ، حيث أجريت (لأبي حمزة) عملية جراحية عاجلة سراً خوفاً من سلطة الاحتلال ، إلا أنها لم تسمح بوقف النزيف الدموي الحاد ... وصعدت الروح الشفافة المعطاءة إلى بارئها في لحظة قدسية طالما انتظرها (هشام) بفارغ الصبر ... كم ألح عليه إخوانه بالرحيل إلى (مصر) ، وكان يصر دوماً إنها الشهادة ... أراها قريبة وترونها بعيدة . إنها أرض الإسراء والمعراج ... أرض الرباط ... ما الذي سوف أفعله في الخارج ، وحينما مازحه إخوانه قائلين :

" ها قد أصبحت مطارداً يا أبا خمزة " .. قال لهم بكل عزم وتصميم " إنها الشهادة "

وها هي الشهادة تطرق بابك يا (هشام) وتودعك قائمة الخلود وترحل بك إلى عليين .. إلى الملأ الأعلى في رحلة ملائكية لا ينالها إلا أمثالك ممن صدقوا ما عاهدوا الله عليه .

نعم بقي (أبو حمزة) على العهد حتى النهاية وحتى النفس الأخير واللفظة النهائيـــة .

فلما أُدخل غرفة العمليات ... رفض تسليم سلاحه لأي إنسان حتى قدم أحد إخوانه المجاهدين سلمه السلاح وأودعه إياه أمانة كي يكمل به الطريق ، وحينما كان مبضع الطبيب يعمل في جسده كان لسانه الطاهر يلهج بذكر الله وقراءة القرآن ... حتى قال كلماته الأخيرة :

" لا إله إلا الله ... عليها نحيا ... وعليها نموت ... وفي سبيلها نقاتل ... وعليهما نلقى الله ".

ثم أسلم الروح إلى بارئها ... بعد أن أودع في كل بيت أمانة ... ولدى كل وليد عهداً ... أمانة أرض الإسراء .. والأقصى وعهد الجهاد والمقاومة حتى النهاية .

فتقدم إخوان هشام نحو جثمانه الطاهر وانسحبوا به بهدوء قبل أن تقدم قوات الاحتلال وحملوه إلى أحد البيوت حيث ألقى عليه أهله النظرة الأخيرة .

وهناك نظر إليه والداه فإذا هو يفتح عينيه لينظر إليهما النظرة الأخيرة ثم يغمضهما بعد أن ألقى عليهما نظرة الوداع ، وحينها أدخله المشيعين إلى مستقره ، فتح عينيه مرة أخرى ثم أغمضها بعد أن أودع أمانته لجميع المشاركين أن هذا هو الطريق وهذا هو الخيار . (هشام) وورى الثرى ... حزن الجميع لهذا الفراق السريع وكان العزاء الأكبر أنه رحيلٌ مشرف شامخ. كان الوالد مكدوداً متعباً حزيناً لهذا الرحيل ، فكم أحب هشام ولكنه حمد الله واسترجع وحزن لهذا الفراق جميع الذين ما فتئوا يذكرون (هشاماً) الذي كان طيفاً جميلاً يداعب قلوبهم في كل حين . كانوا يذكرون ذلك الشاب الفذ الذي افتتح لهم طريق الاستشهاد فتبعه سيل جارف من القساميين الأحرار .

كانوا يرددون دوماً أن (هشام) أدى دوره بكل السبل والوسائل حتى سطر أخيراً ملحمة الدم المهـراق... ونحن لازلنا نـؤدي دورنا بكلمات قد لا تتجاوز اللسان . وشتان بين من يتكلم ومن يجود بدمه .

وفي (حي الأمل) حيث منزل (أبي حمزة) كل من رزقه الله بمولود جديد أسماه (هشام) تيمناً بالصقر المقاتل الذي أقض المضاجع ورحل مبكراً . وفي سرادق العزاء الضخم الذي أقامه آل الشهيد توافدت الجموع لتؤدي التحية العسكرية للقائد المقدام.

بينما قوات الاحتلال تقتحم سرادق العزاء كل يوم تهدم وتخرب وتدمر لاشفاء غيظ قلوبهم إثر رصاصات هشام التي استقرت في صدورهم ، حتى انقضت أيام العزاء ، وأقيم حفل تأبين ضخم تكريماً للشهيد الغالي ، وقدمت فيه جند القسام تؤدي التحية العسكرية لأحد الجنود الأفذاذ الذين قدموا كل ما يملكون من أجل الله والوطن .

رحل (أبو حمزة) بعد أن أودع فــي كل بيت وردة مغروسة في وسط الدار لا ترويها المياه ، فقد سقاها (أبو حمزة) بدمه فما تذبل أبداً .

ينظر إليها الناس في كل حين يذكرون (هشاماً) الذي أودعهم ، هذه الأمانة فيقسمون جميعاً " لن نقيل ولن نستقيل " حتى تنبت الوردة في الأقصى ونغرس الأشتال في الرحاب الطاهرة ، وحينها ينتصر (أبو حمزة) ويفوز ركب الأحرار الذين تقدمهم (أبو حمزة) .

*********************************************************************************************************************

الشهيد

شادي مصلح محمد عيسى

أبو حمزة

شهيد عملية الطعن البطولية

ولما سقط الشهيد .. ودوّى في الوطن صوت البشير أن نبتاً جديداً قد انغرس على الحد الشمالي لقطاع غزة الموجوع .. تقاطر الجمع .. فإذا هو شادي يرقد كعادته في ثبات باسماً .. هادئاً .. سافراً .. وفي الليلة الظلماء .. قدموا إلى والديه وأهله أن هذا نبتكم الغالي قد ارتحل ليورق لكم في جنات الخلد.

أمسك شادي بقلمه كي يخط في لحظات الفراغ المحدودة بعض ملاحظات المراجعة على أوراق دراسته ، فقد التحق في (كلية الهندسة في الجامعة الإسلامية) ، وهذه الكلية كما يقول له الكثيرون تحتاج إلى دراسة مكثفة .

رغم ذلك فهو لا يكاد يجد الوقت الملائم لذلك ، يقضي جل يومه عاملاً في سبيل الله تبارك وتعالى ، متنقلاً بين الإشراف على أنشطة طلبة المرحلة الإعدادية في (مسجد الإيمان) القريب من مسكنه بمدينة غزة ، وكم كان يشعر بثقل الأمانة في هذا المجال .. إنها أمانة جيل كامل يجب أن ينشأ على منهج السماء حتى لا يكون قابلاً للاستخذاء أو الجفول ، ورغم ثقل هذه المهمة فقد كان يؤديها بكل تفانٍ وإيمان حتى غدا شادي مثالاً يحتذى وقدوة يسير على دربها الجيل الجديد .. إضافة إلى ذلك متابعة عمله في جهاز الإعلام التابع لحركة المقاومة الإسلامية " حماس " ، حيث كان يشرف على إصدار لوحات المسجد ، بشكل أسبوعي ، وكم كان هذا العمل ينال من شادي الجهد والوقت ولكنه في النهاية يغدو مسروراً فرحاً حين ينظر إلى لوحات تنطق أمام ناظري المصلين تدعوهم إلى منهج السماء وإلى ولوج درب الحق دون وجل أو تردد . وكذلك متابعة مهامه الجهادية المقدسة كعنصر رصد ومتابعة وخدمة لكتائب القسام وجندها الميامين . بقي شادي قابضاً على قلمه بكل قوة وهو يغيب في لحظات من المحاسبة الدقيقة لنفسه والمراجعة الكاملة ..

عادت به الذكريات إلى كل أحبابه وما أكثرهم، فقد كان شادي من أولئك الذين يعتمدون قاعدة، (تعرّف على من تلقاه من إخوانك ، فإن أساس دعوتنا الحب والتعارف).

حتى بلغت معارفه المئات فكان يهتم بإخوانه ومعرفتهم ولو لم يره سوى مرة واحدة ولا يقطع علاقته بأحد ولو فرقت بينهم المسافات يتخطاها بجسده ويرحل إلى أخيه واداً وزائراً.. وترحل معه قصائده الشعرية التي كان يكتبهتا لماماً .

ولكن رحيل (شادي) كان إلى أصحابه الذين مضوا وتركوه ، فقد كان من أوائل الذين ساهموا في العمل القسامي حين اختاره (بشير حماد) ليكون عيناً (لمجموعة الشهداء) ، وها هي الأيام تتعاقب ، فإخوانه ما بين شهيد ضمه الثرى وآوته رحمة الله تبارك وتعالى ، فتذكر أخويه (أيمن عطاالله ، وأشرف مهدي) ، وما بين مطارد يأوى إلى الكهوف ويعانق النجوم ، ويضم إلى سويداء قلبه معشوقته السمراء يذود بها عن حمى الوطن المنفي في سراب الوحدة ، المحاصر في خنادق التيه والأنانية ، وكم جال في خاطره (عماد عقل) صديقه الذي يتردد عليه بين الحين والآخر ، فلا زال يذكر (عماد) خدماته الأولى (لمجموعة الشهداء) ، والتي كان (أبو حسين) أحد أعضائها .

وما بين معتقل أسير تضمه الأسلاك الشائكة لتنال منه محاكم التفتيش التعسفية قرارات بالحكم المؤبد مرات ومرات ، وطاف بخياله (محمد أبو عطايا ومحمد أبو عايش) .

آه .. ما أشقاها تلك الحياة ، وما أشقها على الإخوان والأحباب !! إنها حقاً سجن المؤمن وجنة الكافر ..!!لماذا رحل كل هؤلاء الأبطال وبقيت ..؟! كلهم اصطفاهم الله تبارك وتعالى إلا أنا..!! كلهم رجال المرحلة إلا أنا..؟؟ بقيت لهذه الدنيا الملعونة .هكذا حاصرت شادي الأسئلة ولاحقته علامات الاستفهام . أيقف هكذا مكتوف الأيدي ولا يدرك ركب الراحلين إلى الأعالي.. نعم إنه يؤدي مهمة عظيمة وخالدة .. لكن الشهادة أكثر خلوداً .. إنها حلم حياته الذي يطمع في كل لحظة أن يحققه ..

وها هو الحلم العظيم يتأخر .. هل تراه يتلاشى وينتهي .. لا لن يدعه ينتهي أو يكون سراباً .. لابد من الرحيل الأعظم في قافلة الراحلين .. إنها ميتة واحدة فلتكن في سبيل الله .

شدد (شادي) لفظته الأخيرة واستقرت في جنبات روحه الفياضة كوامن الانطلاق الأسمى نحو العُلا .. وبات من يومه وهو يحمل قسمات الرحيل الأعظم في قافلة الراحلين .

استشهاده

وفي صبيحة السادس عشر من نوفمبر من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين ، وقبل أيام من ذكرى استشهاد (الشيخ عز الدين القسام) انطلق (شادي) إلى مسجده شد على أيدي إخوانه وكرر عليهم جميعاً .. سامحني ولا تنساني من دعائك .. ثم توجه إلى جامعته والتحق بقاعات الدراسة وكان يصافح جميع إخوانه ومدرسيه مخاطباً إياهم بكل الود والحب .. لا تنسوني من دعائكم وسامحوني .

وقبل ظهيرة هذا اليوم حتى تحرك (شادي) بعد أن ابتهل إلى الله تعالى بالدعاء .. وتوجه إليه بصلاة الحاجة راجياً التوفيق والسداد .

ثم انطلق نحو الحد الشمالي لقطاع غزة المحاصر وعلى (حاجز إيرز) الذي يمنع (شادي) الولوج إلى بلدته الأصلية (كوكبة) .. تقدم شادي نحو الحاجز .. لمح سريعاً ضابطاً اسرائيلياً.. كان هذا صيداً ثميناً لخنجر (شادي) المخبأ في ملابسه ... تقدم نحو الضابط .. استل خنجره. وأخذ يطعنه بكل قوة ، هوى الضابط إلى الأرض دون حراك ..

تقدم نحو سيارة يقودها مستوطن كسر زجاجها وتناول المستوطن بخنجره طعناً وضرباً .. جرى (شادي) خلف شاحنة (فولفو) ليتقدم من خلفه ثلاثة رجال شرطة ، وأطلقوا عليه النار بغزارة ، تقدم منهم (شادي) وهو مصاب يحاول طعنهم .. يبغي القضاء على أولئك الذين سمموا هواء الوطن وأقاموا في كل شبر فيه قبراً ، وخلفوا من ورائهم في كل بيت شهيداً أو طريداً أو معتقلاً .

يريد بخنجره أن يطوف على كل العنصريين مغتصبي الأرض ويقضي عليهم .. كم كان يحمل (شادي) الوطن بين جنباته وجوانحه .. كم اتسع فؤاده الصغير ليحمل كل الهموم والاوجاع .. هموم الوطن وأوجاع الأهل الذين رحل عنهم قرة عينهم تحت الثرى أو خلف القضبان أو قذفته أمواج البحر العاتية خلف الحدود الواهنة من عناء السفر ومشقة البعد .

وسقط الفارس باسماً لا يلوي على شىء ، فقد نال ما تمنى ... سقط الفارس الأصيل مقبلاً غير مدبر ... مواصلاً طريق الصعود القسامي ممهراً درب الوطن بالدم .. سقط الفارس على بوابة الوطن المزعومة يبغي فتحها كي يأوي الحالمين إلى أعشاشهم الصغيرة التي سكنتها الغربان .. سقط الفارس المقدام محققاً هدفه الأول والأسمى .. هدفه الذي دفعه لتنفيذ هذا العمل البطولي الفدائي من أجل إعلاء راية لا إله إلا الله ، والذود عن حياض الإسلام ورد المغتصبين عن حدود الوطن ، فقد كان يؤمن دوماً أن أقصر طريق إلى الجنة وإلى الوطن الموت ، فكان يردد دوماً :

من لم يمت بالسيف مات بغيره .... تعددت الأسباب والموت واحد

لم يكن (شادي) سوى نموذجاً فذاً من أولئك الذين عبقت ذكراهم صفحات التاريخ وأنارت أسماؤهم قسمات الطريق نحو القدس ، فقد عاش فتانا حياته لدينه ووطنه ... كان عيناً لمجموعة الشهداء حتى اعتقل بتاريخ 23/3/1992م قضى على إثرها ستة شهور على رمال النقب الثائر اللاهبة وخلف أسلاكه الشائكة .. وكان مثالاً للشاب المجاهد ، وقد كانت له مع رجل المخابرات في المعتقل قصص لا تنسى حيث مثل نموذجاً صلباً للفتى المتوكل على الله تبارك وتعالى . وما إن خرج من السجن حتى عاد لنشاطه الإسلامي المتنوع ، فقد كان لا يحب أن يكون من القاعدين.

وكانت سنوات حياته المحدودة زاخرة بالعطاء طافحة بالخير ، فمنذ اليوم الأول لميلاده في ديسمبر في العام الخامس والسبعين بعد التسعمائة والألف في مخيم البريج ثم انتقالهم للعيش في حي المجاهدين (بالشيخ رضوان) ، مع والديه المربيين الفاضلين ، إضافة إلى أخواته الثلاث بينما أخواه في (بريطانيا وألمانيا) للدراسة .. فكان (شادي) قرة عينهم ومعقد الخير في خبايا قلوبهم يرونه بأعينهم يكبر وتكبر معه أحلامهم خاصة وهو مميز بفنونه المنوعه ، فهو كاتب للشعر وقارىء مبدع له .. كما أنه مجيد للخط وفنونه ، ومتفوق في دراسته .

وكان أكثر ما يقرب الفتى الهادىء إلى والديه السمع والطاعة التامة دون تردد ، فكان بمثابة الابن البار الخدوم ، إضافة إلى ذلك حبه الكامل للعطاء دون انتظار الشكر من الناس ، فلا يتوانى عن تقديم أي خدمة لدينه وشعبه وأهله وجيرانه مهما كلفه ذلك من جهد ووقت .

كان لا يتحرك إلى السوق إلا حمّله الجيران الأمانات ما تثاقل أبداً بحمل الأمانة وأداء الخدمة . وكان هادئاً صامتاً ودوداً لم يعهده أحد افتعل مشكلة أو سوء تفاهم ، بل سادت جميع علاقاته المحبة والإخوة ، ولذلك تراه كثير الأصدقاء والمعارف ... طيب الخلق .. لا يجلب أي مشكلة.. يقدم العمل للإسلام وخدمة المسلمين أولاً ..

لقد كان بحق يسبق جيله قلباً وفكراً وجهداً .. وقد كان أكثر ما يميز (شادي) الانفتاح ، فتراه يجالس كل من يلقاه ويمارس دور الداعي الناصح الأمين حتى كان الجيران كالإخوة مع (شادي) حتى ولو اختلفوا في فكرهم معه .. لكن الدعوة فن وأخلاق ، وقد أكسبته هذه الطبيعة معرفة واسعة على طول قطاع غزة بمختلف الأعمار.

وقد حرص على التعرف على قيادات الحركة الإسلامية ورجالاتها حتى يتعرف عن قرب على الحركة ومواقفها وآراءها ، ولكنه علم الجميع الثبات على المبدأ .. والرحيل الحر الأبي الكريم. ولما سقط الشهيد .. ودوى في الوطن صوت البشير أن نبتاً جديداً قد انغرس على الحد الشمالي لقطاع غزة الموجوع .. تقاطر الجمع ... فإذا هو (شادي) يرقد في ثبات كعادته بساماً.. هادئاً .. سافراً .

وفي الليلة الظلماء قدموا إلى والديه وأهله أن هذا نبتكم الغالي قد ارتحل ليورق لكم في جنان الخلد .. في حراسة البنادق والإسنة المشرعة يوارى جثمان الشاب الوضاء الوجه الطيب الرائحة الثرى في لحظات عصيبة .. فما أشق الفراق خاصة فراق الرجال الأفذاذ كشادي .

وعلى باب بيت آل الشهيد نصب سرادق عظيم أمته جماهير عريضة من شتى أنحاء قطاع غزة تعلن انضواءها تحت قيادة (شادي عيسى) الفتى الذي لم يبلغ العشرين ربيعاً هاتفين جميعاً هتاف (شادي) :

" إنها ميتة واحدة فلتكن في سبيل الله "

************************************************************************************************************************

الشهيد

زكريا أحمد عبد المطلب الشوربجي

أبو يحيى

أسد المقاومة

" وهتف البشير أن الفارس قد ترجل والنجم العسكري الفذ قد سطر اسمه في الطليعة الاستشهاية بعد أن حفر اسمه في سراديب التحقيق كعلم تضحية ورمز فداء ، وها هو المنادي يهتف في صحراء الغربة أن الروح التواقة إلى لقاء الله تبارك وتعالى قد وجدت مستقرها بعد أن سطرت ملحمة التفاح البطولية ، وأن وجهه الوضاء قد أشرق في عتمة الليل ونشر عبق ريح الشهادة "

بدأ الليل يرخي سدوله ويقترب نظام منع التجول الليلي من الحلول .. أنفاس طاهرة مجاهدة تركت بصماتها في شتى ميادين الجهاد والمقاومة ، كانت تعيش لحظات تفكير عميق ورحيل بعيد عن واقع مليء بالتناقض والجبن والخور ..

كان هذا في اليوم العشرين من أبريل من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين ، قد أتم (أسد المقاومة والفدائية) أربعين يوماً يطارد أعداء الله تبارك وتعالى في شتى الميادين ، يخرج لهم كابوساً يوقظهم من أحلامهم المعسولة بالسيطرة على فلسطين وشعبها واستلابها لقمة سائغة .. لا لن يكون هذا طالما هناك عرق ينبض لأسد المقاومة وإخوانه المجاهدين .

كانت الأعين تترصد كثيراً هذا الأسد الهصور كي يرتاح يهود في أحلامهم حتى قدمت إلى الموقع الفدائي المتقدم الذي تحصن فيه (أبو يحيى) ما يقارب ألفي جندي إسرائيلي مدججين بأسلحتهم ، وحاصروا (حي التفاح) في مدينة غزة بأكمله حيث التجأ الفدائي الأشم .

تلفت (أبو يحيى) حوله وهو يرقب هذا الحصار ومئات الجنود يتقاطرون نحو خندقه ويخشون التقدم ، يرقب كل ذلك وهو يبتسم بسخرية فما يملك سوى مسدسه الشخصي فقط ، ولكنه يقرر المواجهة .

فيقفز من بيت إلى آخر حتى التقى في أحد البيوت بأربعة من مطاردي صقور فتح قرروا تسليم أنفسهم ، طلب منهم منحه السلاح الخاص بهم ، واحتضن الفارس ثلاث رشاشات كلاشنكوف ومسدسه وبدأت المعركة التي استمرت سبع عشرة ساعة كاملة أخرج (أبو يحيى) كل ما في جعبته من فنون العسكرية والمواجهة التي شربها منذ لحظات الإشراق الأولى لحياته الحافلة بالجهاد والفدائية والتضحية ، وخرج من هذه المعركة أكثر فوزاً من كل معاركه السابقة ، فقد نال فوزه الأخير وحقق أمنيته الغالية باستشهاده العزيز بعد أن نال من أعداء الله والوطن والشعب .

فقد سقط صريعاً رجل المخابرات الإسرائيلية المدعو (أبو عدنان) إضافة إلى ثلاثة ضباط آخرين كما اعترف بذلك ضابط عسكري زار (حي التفاح) بعد المعركة ، والتقى مختار المنطقة الذي شكا له بشاعة القصف الإسرائيلي ، فقال : " أن حي التفاح بكامله لا يعوض خسارتنا بفقدان (أبي عدنان) وثلاثة ضباط آخرين" .

إن ما حدث في (معركة التفاح) أشبه بالأسطورة التي يصعب تصورها ، فالطائرات تقذف حمم صواريخها نحو البيوت التي يتنقل بينها (أبو يحيى) برشاشه الهدّار ومسدسه يخوض هذه المعركة ، ويدافع دفاعاً مستميتاً ، فيجرح منهم ويقتل ، تلك كرامة عظيمة ينالها (أبو يحيى) ، فيما بيوت حي التفاح بقيت شاهدة على بشاعة احتلال القرن العشرين حيث هدّمت ما يقرب من عشرين منزلاً قصفاً بالصواريخ ، وقد أصاب أحدها الجسد الطاهر ليشطره في لحظة أسطورية خالدة ، لم يكن لينالها إلا أولئك الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه .

فقد كان أبو يحيى دوماً في استباق نحو لحظة الخلود ، يجهز أهله لهذا الرحيل الكريم، فطالما ردد على مسمع زوجه "إذا تنامى إليك نبأ استشهادي استعيني بالله" ، مردداً قوله الله تعالى : " أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ..." .

ودائماً يردد لإخوانه : " اسألوا الله تبارك وتعالى أن تروني شهيداً لحيتي مخضبة بالدماء " .

وكم حث إخوانه ومعارفه على الدعاء له أن ينال الشهادة .

فها هي الشهادة تزحف نحوك وتتلقاها بكل الفخر والإعتزاز ، وها هي لحيتك الطاهرة مخضبة بالدماء شاهداً حياً على فدائية (أسد المقاومة) ، ومعلماً بارزاً على أن موازين القوى لا تحكمها معادلات مادية وحسب ، وإنما أساس ذلك إرادة حرة في القتال ، واخلاص نقي لله تبارك وتعالى في المواجهة والتحدي ، فلم يكن استشهاد (أبو يحيى) خبراً عادياً ، فهو رجل المرحلة الذي لا يشق له غبار ، قد كان بحق أسطورة فن العطاء ، لقد اشترى الآخرة وسعى لها سعيها وهو محسن ، لذلك ما هادن أو جبن أو تراجع .

يوم أطل على الدنيا في الثامن والعشرين من أبريل من العام ألف وتسعمائة وستين ميلادية في حي الشجاعية في مدينة غزة ، كانت اطلالة شموخ وعز واباء ، من تلك اللحظة ، لم يكن ليعرف السكون والقعود إلى قلب (أبي يحيى) سبيلاً ، كان كتلة من النشاط والحيوية والعطاء ، أحب الخلوة رغم طفولته ، فالتجأ إلى الأحراش ناظراً متأملاً في آلاء الله ونعمه ، ارتاح كثيراً للخضرة والأشجار عدا عن ولعه بالورود خاصة الزنبق .

كم مرة منعه (الحاج أحمد) من هذه الخلوة وأنبه على ذلك ، ولكن في كل مرة كان (أبو يحيى) يعاود ، كان يغذي روحه ويقذف فيها حلاوة لا يتذوقها في دنياهم ، وقد اكتسب (أبو يحيى) في طفولته تلك الجرأة والقوة والشجاعة والبأس .

وربما كانت هذه الشخصية بتلك الخصائص هي السبب المباشر في توقف دراسة (أبي يحيى) حتى نهاية المرحلة الإبتدائية ، ولكن ذلك لم يكن عائقاً في أن يتتلمذ (أبو يحيى) في مدرسة الحياة المتنوعة الدروب ، فشق طريقه نحو المهن المختلفة وبرع في التجارة وفنونها .

وفي سجن الاحتلال خلال محكوميته البالغة سبع سنوات أكمل تعليمه فأتقن فنون الكتابة والقراءة والإعداد والإلقاء .

هذه الشخصية المقدامة دفعته دوماً إلى المبادرة واتخاذ القرار وفق الحدث ، فنشأت في ثنايا هذه الشخصية قائد متميز قادر على المواجهة والتحرك بشكل ميداني فذ .

كان (أبو يحيى) طوال حياته عاشقاً للبندقية متمترساً خلف رصاصات الجهاد والاستشهاد ، كان يبحث ليله ونهاره عن الثورة والثوار كي يلتحق بركبهم .

ولمّا كان (أبو يحيى) صاحب عقيدة إسلامية ، وفكر خالص فقد التحق بصفوف المجاهدين في (حركة الجهاد الإسلامي) ، وكان يرى أن الجهاد فرض عين وحيثما سنحت الفرصة ، للعمل العسكري ، فلن يتردد في اقتناصها. وإثر انتمائه للخلايا العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي ، فقد اعتقل ليقضي محكومية بلغت سبع سنوات، وكان ذلك قبيل الإنتفاضة الفلسطينية الماجدة ، وكانت خلالها قد تشكلت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وأودع أبناؤها في السجون ، وفي داخل غرف سرايا غزة المركزي التحق بصفوف حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والتحق بصفوف (جماعة الإخوان المسلمين) .

كان (أبو يحيى) يرنو في كل ذلك إلى توحيد الجهود وبناء متكامل متين على أساس من العقيدة الإسلامية الصافية ، ولم يكن يرى في كل ذلك أي اختلاف بين وجهات نظر العمل الإسلامي ، ولكن همه الأول الجهاد وإشراع البندقية في وجه الغطرسة الإسرائيلية التي حجبت عنه وطن الآباء والأجداد . فكم حاول الرحيل إلى (زرنوقا) قريته الأصلية التابعة لقضاء الرملة ، رحل إليها زائراً كي يقف على أبوابها وتلالها وهضابها ومروجها .

وكم رحل من خلف القضبان ببصره النافذ نحو القدس (مدينة السلام) ودرة الوطن المسلوب ، ترى هل أرحل يوماً إلى رحابها الطاهرة كما عيوننا ترحل كل يوم ، ترى هل يضمني حضنها الدافىء .. آه كم أعشق الرحيل إلى (الأقصى) ، كم أعشق أن يضم (الأقصى) رفاتي الأخير ، وأن يخضب دمي ساحته الطيبة المباركة . كانت الليالي تذوب والأيام تنصهر لتغيب أيام المحنة في الذاكرة ويبقى غرس الإيمان والجهاد ينمو ويشتد ويقوى على الاقتلاع .

وفي غمرة فرحة (آل الشوربجي) بالإفراج عن (أبي يحيى) ، بادر المجاهد العملاق إلى البحث الجاد عن (كتائب الشهيد عز الدين القسام) الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس). وفي الوقت ذاته كانت القيادة العسكرية للكتائب قد تحركت بخطوات جادة للاستفادة من الخبرات العسكرية للمجاهد المقدام الذي لا يُشق له غبار .

فقد كان (أبو يحيى) حقاً يملك كل مقومات الرجل العسكري ، فاحتل فوراً موقعه المتقدم في خندق المواجهة الأمامي ، فغدا من لحظته الأولى (رقيباً) في (كتائب الشهيد عز الدين القسام) .

لم يكن (أبو يحيى) يرى ذلك إلا مرحلة لابد منها من أجل مواجهة قوى الظلم والظلام التي تحكم حصارها لخنق صوت الإسلام المتنامي ، وكانت عقيدة قد رسخت في كل قطرة دم أن الجهاد تكليف رباني ، وأن النكوص عنه تراجع وجبن وخور وتخلي عن ركن من أركان الإسلام تماماً كالتخلي عن الصلاة ، هذا عدا عن التكليف الذاتي ، فالجهاد في سبيل الله سبيل لرفع الراية واحقاق الحق ، وازهاق الباطل .

لم يكن (أبو يحيى) يرى أن هذا تكليف فردي ، بل هو تكليف جماعي ، ولابد من الاستعداد لخوض المرحلة الحرجة بمزيد من الصلابة والبأس والجهاد .

فتراه يخرج بعد صلاة الفجر التي ما انقطع عنها ينطلق من المسجد مع الشباب المسلم عدواً على الأقدام حتى يصل مقبرة الشهداء على الخط الشرقي (حيث وورى جثمانه الطاهر هناك) .

فكان في ذلك يحقق العديد من الأهداف ، بناء الجسد المسلم المتين ، وزيارة المقابر التي تذكر بالآخرة والموت ، ورصداً للأهداف العسكرية المتحركة والثابتة والتي غدت عرضة لرصاصات القسام في كثير من الأحيان .

لم يكن المستعد للرحيل دوماً لينقطع عن الغذاء الروحي ، فقد كان في شوق دائم إلى لقاء الله تبارك وتعالى ، فزيارة المقابر وتلقين الموتى ومتابعة الجنائز وزيارة المرضى ديدن (أبي يحيى) حتى غزا القلوب واستقر طيفه في أذهان الناس ، الذين عرفوا ذلك العملاق الأشم والبسمة الرائعة تقابلك في شتى الدروب ترسم لك طريق الأمل وتمهد خطى العودة من خلال الأخوة والتعاضد والتكاتف .

واستكمالاً لنصف دينه لجأ (أبو يحيى) إلى الزواج ، وقد رزقه الله تبارك وتعالى في آخر أيام حياته بقرة عينه (يحيى) من هذا الزواج المبارك .

واستناداً إلى منهج الإسلام في كسب الرزق عمل فوراً على تحقيق موارد مالية لأهله ، فعمل بالتجارة وعمل سائقاً . واستغل كل لحظة في حياته في العمل لدين الله تبارك وتعالى ، فسهر الليالي حارساً لإخوانه المجاهدين موجهاً لهم مخططاً ومنفذاً لعمليات العز والفداء ، وكان يردد في آذان إخوانه " أن قوة الله هي التي تحركنا ، نحن كتائب الرحمن نصنع العجائب بإمكانات متواضعة بقوة رب الإرادة ولا نعتمد على قوتنا إطلاقاً " .

وكانت مرحلة عمله العسكري الأخير يقضيها متنقلاً في مدينة غزة بين المجاهدين الذين أحبوه واختارته عقولهم وقلوبهم قائداً فذاً مميزاً .فخطط ونفذ عدة أعمال في الشجاعية وناحل عوز وغوش قطيف وجباليا والشاطىء والشيخ عجلين . ولم يكن (أبو يحيى) يرى في نفسه أكثر من جندي مقاتل يأبى قيود النياشين مقتدياً بالرسول الأعظم القائد الذي تقدم جنوده دوماً .

فكان (أبو يحيى) قائداً مبادراً ، فكان أول من بادر إلى اطلاق النار على الدوريات الراجلة ، وساهم في نصب الكمائن للدوريات المحمولة . كم ساهم في التخطيط لعملية غوش قطيف وكذلك خطة قتل المستوطنين في ناحل عوز والمساهمة في عملية معسكر جباليا .

هذا عدا عن المساهمة الأمنية الفعّالة من خلال الكشف عن خلايا العملاء والتحقيق معهم وتنفيذ حكم الله فيهم ، وإزالة اللثام عن الوحدات الخاصة الإسرائيلية التي مارست أبشع أعمال العنف ضد شعبنا ومجاهديه . كل ذلك من خلال عمله الدائب كضابط للوحدة الخاصة التابعة (لكتائب الشهيد عز الدين القسام) .

ولما هتف البشير أن الفارس قد ترجل والنجم العسكري الفذ قد سطر اسمه في الطليعة الاستشهادية بعد أن حفر اسمه في سراديب التحقيق ، وفي السجون الإسرائيلية كعلم تضحية ورمز فداء . ها هو المنادي يهتف في صحراء الغربة أن الروح التواقة إلى لقاء الله تبارك وتعالى قد وجدت مستقرها بعد أن سطرت (ملحمة حي التفاح) البطولية التي لا يزال صداها يتردد في أذهان كل من عايش تلك المرحلة .

ولما تنامي إلى مسامع زوجه صدى صوت البشير أن (أبا يحيى) تلقته الحور العين ، وزفته الملائكة قابلت ذلك بالحزن والألم لفراق رفيق الحياة ، وقد امتزج هذا الحزن بفخر شديد واعتزاز عارم ، فها هو الرجل الذي عرفته نموذجاً رائعاً للرجال الأفذاذ ، كم تميز بالشجاعة والإقدام والقوة والسخاء والكرم والأخلاق الفاضلة ، تذكر فيه النموذج الحي لرجل الحق ، كم كان شديداً في الحق غيوراً على الإسلام ، محباً للجهاد والمجاهدين والشهداء .

ها هو يرحل عن الدنيا ، كما أراد ، تخضبت لحيته بالدماء ويشطر جسده الطاهر في سبيل الله، فما زادت زوجه عن قولها " الحمد لله الذي شرفني باستشهاده " ، أما إخوة الشهيد وأخواته فتم استقبال صوت البشير بالتهليل والتكبير والأغاريد ، فرغم رحيل (أبي يحيى) المحزن لكن هذا ما أراد أن يسقط شهيداً في سبيل الله ليروي ثرى الوطن المتعطش للدماء الطاهرة الزكية كي تضيء العتمة التي طال أمدها .

ويوم أن تردد صدى البشير في أقبية سجن غزة المركزي ، وغرف التحقيق حتى أجهش رفقاء القيد بالبكاء ، فقد عرفوا فيه حسن الخلق والشجاعة والشهامة ، وبفقدانه فقدوا أخاً مجاهداً عزيزاً ، وردد بعض إخوانه : " اليوم سجنا حقاً " .ووقف جيران المجاهد العملاق غير مصدقين غياب النجم الذي أرشدهم طريق الهداية ، وقفوا جميعاً باكين هذا الرجل النموذج .

لقد كان (أبو يحيى) حقاً رجلاً أحبه كل الأحرار الشرفاء ، وهابه كل المنحرفين الساقطين . وأقيم أثر توارد النبأ سرادق عظيم للعزاء أمته الآلآف من جماهير قطاع غزة في وداع أخير لأسد المقاومة.

وفي ليلة معتمة وحسب أوامر القائد العسكري توجه آل الشهيد فقط نحو مقر القيادة العسكرية كي ينطلقوا من هناك لنقل جثمان ولدهم ومواراته الثرى في لحظات الوداع الأخير . في تلك اللحظات بكى كل شيء ، الحجر والشجر والدواب ، وأضاء وهج وجهه الوضّاء عتمة الليل البهيم وانتشر في أنحاء المعمورة ريح عطرة للدم الزكي المهراق تنسم عبيرها كل الأشياء وتساءل الجمع ما سر هذه الليلة الوضاءة العطرة ، ما علموا أن نجماً صعد وأن فارساً ترجل وأن طريقاً جديداً شق للمقاومة ، افتتحه أسد المقاومة .

وفي المقبرة الشرقية ، رقد الجسد الذي طالما دوخ الاحتلال بمعادلات الصمود والتحدي رغم ضعف الإمكانات وقلة الحيلة . رقد الجسد المسجى رقدته الأخيرة ، وأغمض عينيه في استراحة أبدية إلى جوار ذي الجلال والإكرام بإذن الله .

وفي ختام أيام العزاء أقيم احتفال تأبين ضخم للشهيد المقدام عُزفت فيه ألحان الجهاد والفداء والمقاومة ، وهتفت الحناجر وداعاً للشهيد البطل .

وعلى صدى تلك الأنغام أفاق (زكريا) من رقدته في سريره وتسامى وشمخ وغطى ما بين السماء والأرض وعلا فوق الجراح وأقسم يمين البيعة حتى تحرير الأقصى وفلسطين . وما زالت يد أم يحيى تهدهد ولدها كي يمضي وفاءً لهذا القسم الأبدي .

رحم الله أسد المقاومة ورمز الفداء

وألف تحية إلى روحه المحلقة في سماء الأقصى الحزين

أعلى الصفحة ****************************************************************************************************************

الشهيد

حسن محمد حمودة

أبو أحمد

أسد النقــب

" قذيفة صاروخية استقلها أسد النقب وهوى على الأرض يقبلها فـي وداع أخير ... ينطلق إلى السماء ليبني سلماً للمجد وطريقاً للخلود ودرباً للجهاد ...

الجسد المتعب من وعثاء السفر ولياليه الحالكة يستريح بقذيفـة تشطره ، ويحترق الجسد في ذات الله كي يغسل كل أدران الحيـاة النكدة ، ويلقى الله ناصعاً أبيض ، يصطف مع الخالدين يدخلـون جنة ربهم بسلام بإذن الله "

الشمس الحارقة تدك أرض النقب الثائر وتلفح بحرارتها وجوه الشبان الفلسطينيين الذين أبوا إلا التحدي وداسوا بكل قوة على مفردات التوازن الاستراتيجي والخضوع المبرر ... الأسلاك الشائكة تلف المكان ، وتحاصر كل شيء حتى الهواء .. وها هي أبراج الحراسة العالية ترقب كل متحرك ... ورغم ذلك كان (حسن حمودة) الشاب الذي زج به ضمن العشرات في حملة اعتقالات طالت جموع العاملين في مقاومة الاحتلال ضمن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في العام ألف وتسعمائة وتسع وثمانين ، يبحث عن ثغرة نحو الوطن المسجى بالغربة ، المحاصر كما معتقل كتسيعوت في النقب بالأسلاك الشائكة ، لكن الحنين كان كبيراً والشوق أكيداً لمواصلة درب الجهاد في سبيل الله ، وها هي أفكار جديدة تتراود في ذهن (أبي أحمد) يمكن أن تطبق ضمن فعاليات الانتفاضة المباركة ..

لم يكن (حسن) من أولئك الذين يخضعون للواقع وأحداثـه .. بل دوماً تراه يسعى إلى صناعة الحياة وبناء المجد بيديه ..

همس لزميله المجاور .. هل تفكر في قضاء محكوميتك ؟!! ، نظر إليه بدهشة ، وهل لديك حل آخر ؟! أجاب حسن نعم .. الهرب !! استغرب رفيق المحنة .. ولماذا ؟! أحكامنا بسيطة ، فحكمك ثلاث سنوات ، هل تريد أن تلحق بك قضية جديدة ..؟

لم يكن (أبو أحمد) يقتنع بما يعتقد أنه خضوع للاحتلال ، فبقي يبحث عن ثغرة في جدار النقب المخيف .. والأهم من ذلك أين يلتجأ في هذه الصحراء المترامية الأطراف إذا قدر له الخروج من أسوار هذا القيد اللعين .

وبقي صديق حسن يقنعه ألا يفكر بهذا الطريق الخطر ، ويقضي محكوميته في السجن حتى يعود لأبنائه الأربعة الذين ينتظرون عودته على أحر من الجمر، كي يكمل بهم مسيرة الحياة يعلمهم ويربيهم على العلم والجهاد .. لم يكن يخطر ببال (حسن) هذا التفكير بشكل أساسي ، كان يتجه بكليته إلى شيء آخر مختلف كلياً .. فقد كان (حسن) نجماً في هذه الصحراء القاحلة، وجده إخوانه حيث أرادوا كريماً .. خدوماً .. معطاءً .

تراه يغدو مساهماً في إعداد الطعام وتقديمه إلى إخوانه أول من يقدم الطعام وآخر من يتناوله... يشرف على نظافة الموقع الذي يؤوي المئات من المجاهدين ، يوفر بذلك الجو الصحي الطيب ، ثم تراه يعد المكان المناسب لإلقاء المحاضرات الثقافية والشرعية كي يتزود المجاهدون من علوم الدين ما يساعدهم على مواصلة درب المقاومة والجهاد .

وليلاً تراه حارساً أمنياً أميناً ، وكانت تلك الأيام المرحلة الأولى في مواجهة أمنية ضروس بين المجاهدين وجهاز المخابرات الإسرائيلي (الشاباك) ، حيث يحاول أذنابه اختراق صفوف المجاهدين ، وكان على (حسن) أحد أبرز أعضاء الجهاز الأمني لحركة المقاومة الإسلامية ، أن يواجه خطط الشاباك الإسرائيلي وكان (حسن) لها ، يستيقظ طوال الليل أحياناً يحفظ الأمن برصد الحركات المشبوهة والتي تكشف عن أذناب الاحتلال الذين زرعهم الاحتلال في صفوف المجاهدين لنقل أخبارهم .

ولم يكن ذلك كافياً ، فبعد أن تم ضبط أكثر من حالة ، تحرك حسن بطريقة جادة جداً وبدأ بإجراء تحقيقات مكثفة كشفت خبايا معلومات خطيرة حول الدور الخطير الذي تؤديه الأذنـاب في خدمة الأسياد ..

لم يكن قد صدر قرار بتصفية أيٍ من أولئك الذين تم ضبطهم ، انهمك (حسن) بهذه المهمة العسيرة ولم يعد يفكر في الخروج ، فهو يود ذلك كي يجاهد ، وها هو يؤدي دوراً جهادياً عظيماً ، وكم كان يود أن يكمل هذا الدور .. ولكن ذلك لم يكن متوفراً . هذا الجهد الخارق .. في مواجهة مخطط كامل من دولة أعدت الكثير من جهدها ومالها للجانب الأمني .

حتى غدا حسن معروفاً على نطاق واسع بأنه (أسد النقب) حيث ساهم بشكل كبير في المواجهة الأولى والمباشرة في المجال الأمني ، ورغم ذلك لم يترك أبو أحمد الفرصة الذهبية في خلوته التي أرادها الله له في السجن ، فكان دائم الاتصال بالله تبارك وتعالى تجده يقف الساعات الطويلة مبتهلاً بين يدي الله تبارك وتعالى داعياً أن يحفظ عليه دينه ويكتب له الأجر الجزيل وأن يكون نعم الخليفة في الولد والأهل والمال ..

ولم يكن ينقطع عن كتاب الله تبارك وتعالى يقتنص الوقت كي يلجأ إلى آيات كريمات يتزود بها لمواجهة تبعات الطريق والتضحيات الغالية اللازمة للسالكين درب التحدي .

كانت الأيام تمضي سريعاً وأسد النقب يؤدي دوره على أكمل وجه ، فكان حقاً نجم النقب الحمساوي ، في كل مكان تجده .. أحبه جميع إخوانه لما يملك من قدرة عالية على مساعدة إخوانه ، ولما يملك من قلب كبير وسعهم جميعاً ... لا تجده قد حمل على إخوانه موقفاً أو قاطع أحدهم .. سامح الجميع دون استثناء فكان هذا القلب لا تجد فيه مكاناً للأحقاد والضغائن ، لقد امتلأ بحب الله وحب الجهاد في سبيله ..

وها هي أيام الحرية تقترب رويداً وبدأ خاطر (أبو أحمد) يرحل إلى هناك .. إلى (جباليا البلد) حيث يقطن أهله ينتظرونه بفارغ الصبر ، خاصة وأنه قضى الأعوام جميعاً دون زيارة واحدة من أهله ، وكم رحل خاطره هذه الأيام إلى حيث أبنائه كيف أحوالهم ..؟ وما هي أخبار أحمد..؟ ، بالتأكيد قد كبر ، وشب عن الطوق ، ورحل بخياله إلى والده الحاج الذي طالما كان الناصح الأمين لولده الحبيب (حسن) ، كم نصحه أن يكمل تحصيله العلمي بعد أن حصل على شهادة الإعدادية ، وقرر أن يتعلم مهنة (الطوبار) ، ولكن (حسن) كان يرى في قدراته المهنية أكثر بروزاً ، خاصة وأن ظروف أهله الاقتصادية لم تكن تحتمل المزيد من الانفاق .. رغم استعداد والده الكامل ، ورغم ذلك فقد أتـقـن مهنته الجديدة ، وغدا رجلاً مشهوراً بأمانته ومهارته ، فقصده الكثيرون كي يبني لهم بيوتهم .

هاتف (حسن) نفسه ها هو عمري قد تجاوز الثلاثين عاماً وبدأت في عقد جديد ، فها هو العام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين يطل على الدنيا ، وكان أن أطل حسن على الدنيا في العام ألف وتسعمائة وواحد وستين ... وها هي بشائر الحرية تدنو رويداً رويداً .

ويذكر حسن كم نصحه والده أن يهدأ وهو يواجه قوات الاحتلال بكل عنف وقوة ، والوالد يحدث ولده إنك لم تعد صغيراً ، ها هم أبناؤك يغدون في الطرقات ، ولكن روح الجهاد تملأ على أبو أحمد حياته ولا يوقفها إلا الالتصاق بالأرض ، وهو يردد على والده " قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم أو إخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها أو مساكن ترضوها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ، فتربّصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقيـن " .

يروي له والده أنه كان يتوقع له هذا الاندفاع ، فقد كان في طفولته شجاعاً غيوراً على دينه وعرضه ، ويحدثه والده أنه كان يسأل دوماً عن الجيش الإسرائيلي وقواته حين يمرون بهم في مركز جيش جباليا ، يسأل من هؤلاء ..؟ ولماذا يعاملون الشباب هكذا..؟ ، يوقفونهم على الجدران ويرفعون أيديهم ويضربونهم ، ويخبره والده أن هؤلاء هم قوات الاحتلال التي داهمت أرضنا في جباليا ، وقامت بترحيلنا أهلنا من مدن فلسطين ، وها هم يسكنون في مخيم جباليا المجاور لنا . ولازالت قواتهم تلاحق أبناء شعبنا في هذه البيوت القرميدية تنكل بهم كما ترى ، نشأ أبو أحمد على هذا الشعور بالظلم والغبن وضرورة مواجهة المعاناة اليومية بخلق معاناة لمن خلقوا هذا الظلم ...

ومنذ اليوم الأول الذي ملك فيه (أسد النقب) حريته ، انطلق نحو مزيد من الشموخ ليؤدي دوره الجهادي الطليعي .. حيث التحق فوراً بصفوف مجموعات (الصاعقة الإسلامية) التي تم تشكيلها حديثاً من أجل مواجهة أفضل لعملاء الاحتلال ...

ورويداً رويداً تحولت هذه المجموعات إلى الجهاز العسكري (كتائب القسام) ، وضع (أبو أحمد) خلالها نصب عينيه أن يطهر الأرض من أدران العملاء ، فانطلق مستمداً في دوره الذي انطلق به على أرض النقب الثائر ، واستمر في التحقيق مع العملاء ، ولكن هذا الدور تصاعد الآن لينفذ (أبو أحمد) مجموعة من الاعدامات بحق أولئك الذين ثبت بحقهم ارتكاب أعمال خطيرة بحق الشعب الفلسطيني . بالإضافة إلى رصد تحركات قوات الاحتلال من أجل تنفيذ العمليات العسكرية القسامية ، والدور المتميز في جلب السلاح وتخزينه ، وفي (ديسمبر) من العام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين ورجال القسام يستعدون لخوض ملحمة " حرب الأيام السبعة " حيث يشحذون طاقتهم في ذكرى الانطلاقة الماجدة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) .

وبدات حياة المطاردة

في ذلك الوقت حضرت قوات الاحتلال إلى منزل (أسد النقب) ، والتي لم تجد حسن في بيته ، فتركت له ورقة تطلب منه الحضور في اليوم الثاني ، ولما كان يعلم (أبو أحمد) الخطورة الكامنة في هذا اللقاء ، انطلق إلى حيث الطريق التي اختارها خاصة وهو يدرك أن قوات الاحتلال قد اعتقلت إخوانه (محمد أبو عطايا ، وبسيم الكرد ، وخالد المغير) ، فكان الخيار (لأسد النقب) الالتحاق بركب المجاهدين المطاردين لقوات الاحتلال ، وغدا يخوض حرباً مباشرة واضحة صريحة ..

وكان أخطر ما فـي هذه المواجهة التحــدي العلني للعملاء .. في كافة مناطق القطاع ، التحدي القسامي في تلك الأثناء يبلغ الذروة ، وقوات الاحتلال تصاعد حملة الرد باعتقالات وأبعاد جماعي ، وقصف بيوت وقتل المجاهدين ، و(النقيب حسن) مع إخوانه يصعدون هجماتهم في هذا الجو المشحون يبحثون عن ثغرة في جدار الاحتياطات الأمنية المكثفة .

ورغم ذلك لم يكن (أبو أحمد) ليترك المهمة النبيلة ، فلم يخضع للحصار المفروض في كل مكان ، فانطلق يحمل سلاحه يبحث عن صيد يشفي الله به غيظ المؤمنين الذين مسهم القرح ، فيصيب حسن وإخوانه من جنود الاحتلال مقتلاً في كل موقع يواجهونهم فيه .. ولكن الخناق يضيق حول المجاهدين ، وحسن يلقي والده الذي يردد عليه بإلحاح يا بني ابحث عن طريق للخروج أو قم بتسليم نفسك إذا كان حكمك قصيراً ، ويردد (أبو أحمد) بثقة يا أبي لا أريد إلا شيئاً واحداً الشهادة يا أبي ، إني أسير في طريق الله عز وجل ، وإن الله على نصرنا لقدير ، فلا تحزن ولكن الإلحاح لم يتوقف ، وقيادة (كتائب القسام) ترى الضيق والضنك يسيطر على حركة المطاردين فقررت أن تخرج دفعة إلى الأراضي المصرية .

يتجمع عدد من المجاهدين يقودهم الشيخ/ حسين أبو اللبن في مدينة غزة من أجل الانطلاق نحو البوابة الجنوبية ، الحشد القسامي يسيطر عليه وجوم ، والدموع متحجرة في المآقي ، صمت القبور يغطي على اللقاء السابق للرحلة التي كرهها الجميع ، وكان أسد النقب .. جزار العملاء الذي ما عرف قلبه الرحمة على أولئك الذين باعوا الدين والوطن، ها هو يقف منفطر القلب ، الدمع لا يطاوعه على الخروج ، إن نزعه من هذه الأرض نزعٌ للروح من الجسد ، كيف يحيا خارج هذه الحدود ، إنها مغامرة خطيرة ..

يجب أن ينطلق ليودع أهله يتركهم في رعاية المولى عز وجل أبناؤه ينظرون إليه ، لا يدركون سر الدموع التي تنحدر على وجنتيه بغزارة ، يقبلهم جميعاً بحرارة المودع ، وينظر إليهم بشفقة على أطفال عاشوا أيتاماً بوجوده لأنه غادرهم إلى الجهاد في سبيل الله ، وقضى معظم وقته في المعتقل ، ثم مطارداً ، وها هو يتجه إلى المنفى ولا يدرك ما هو المصير الذي ينتظره وإخوانه ، ها هو يرحل وولده السادس جنيناً ، ينتظر دوره في القدوم للحياة دون أن يرى أباه ولو لمرة واحــدة.

يرحل (أبو أحمد) وقلبه يتمزق حزناً وكمداً، أيغادر الأهل والولد والأرض دفعة واحدة..!! أيترك أرض الجهاد والمقاومة؟ وماذا سيبقى لنا إن نزعنا البندقية من أيدينا ..؟ ورغم ذلك يرحل مع جموع الراحلين حلاً لمشكلة العمل القسامي بأسره ، يرحل وذاته تذوب بكل ذرة تراب من أرض فلسطين الطهور ، وفي رفح الباسلة قلعة الجنوب يقبع (النقيب حسن) وإخوانه من أجل إعداد الترتيبات الأخيرة للهجرة ، فجر الثامن من مايو من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين 08/05/1993 يبزغ والخطوات تتقدم رويداً رويداً باتجاه النفق المعد للخروج ، أقدام (حسين وبسام وحسن أبو اللبن وأنور أبو اللبن وخالد وعماد) تتقدم تستكشف الموقع ، وما في أيديهم شيئاً يدافعون به عن أنفسهم ، فقد تركوا سلاحهم كي يستعين به إخوانهم المجاهدون في أرض الرباط ، وما تسلحوا إلا بالإيمان والتوكل على الله وبعض الأسلحة البيضاء الخفيفة . ولكن القصف الإسرائيلي يفاجئ الرهط الطاهر .. الصواريخ تنطلق بحقد نحو الأجساد الطاهرة تمزقها .. تشطرها .. تغرسها في الأرض الحرام ... والرصاص يتهاوى من كل مكان ... قذيفة صاروخية استقلها أسد النقب وهوى على الأرض يقبلها في وداع أخير ... وينطلق إلى السماء يبني سلماً للمجد وطريقاً للخلود ودرباً للجهاد ، الجسد المتعب من وعثاء السفر، ولياليه الحالكة يستريح بقذيفة تشطره ويحترق الجسد في ذات الله كي يغسل كل أدران الحياة النكدة... ويلقى الله ناصعاً أبيض يصطف مع الخالدين يدخلون جنة ربهم بسلام بإذن الله يشيرون إلى أهلهم وأحبابهم يشفعون فيهم ، بعد أن ارتوت الأرض ، وسكنت باحتضانها هذه الأجساد الطاهرة وغسلت الدماء ما علق بالأرض من أوساخ قوم أصروا الخيانة ، وامتلأ وجه هذه الأرض بحلة قشيبة من الحناء المزكى بالأرواح الطيبة التي أبت النكوص ، وكانت التضحية علمها الأوحد والإيمان شعارها الأنقى ..

وها هي السماء تأبى إلا المشاركة في رحيل ثلة الفرسان المهاجرين ، تحتشد الغيوم وتتقاطر المياه تذرف دموعها .. تغسل الأرض وتحط الخطايا عن القلوب التي أوجعها الحرمان وغلفها الانتظار وأعياها تفرق الإخوان حتى غدا مصيرها في مهب الرياح لولا التفاف هذه الثلة الطاهرة من رجال القرآن وامتشاقهم السلاح في زمن الغربة الآسن أصبحت قضية الشعب الفلسطيني ضحية أكيدة لبرامج المؤامرة المتواترة من قوى لا تغفل عن استلاب الأرض ، وحصار الإنسان وتجريده من ولائه وانتزاعه من ذاته رهينة لأهوائه وشهواته ...

استقل (أسد النقب) القذيفة الصاروخية ورحل هناك إلى حيث مقبرة الشهداء ، حيث نام نومته الأخيرة إلى جوار ثلة الأطهار المجاهدين من رجال المقاومة الأفذاذ .. وقبل أن تحتضن الأرض حبيبها ألقى الجمع نظرة على الجسد المسجى بنور اليقين على الله بالشهادة ، لم يتبين الكثيرون معالم الوجه النضر بعد أن ضاع شكله بالقصف الصاروخي كما ضاع وجه فلسطين الأخضر وتغير شكل خارطتها بعد أن كثرت في وجهها التعاريج والأخاديد .

احتضنت الأرض من أحبته فضمته إلى صدرها المشتاق وأحبها فرواها بدمه الذي ينبت صخرها الجامد وسقاها بحبات العرق من جبينه الوضاء ، وترك في كل موقع علامة للإيمان والتحدي الساطع .. في النقب الثائر غرس أشتال الصبر ، وعلى أرض جباليا أنبت زرع التحدي والتطهير ، وعلى البوابة الجنوبية غرس أشتال الشهادة والخلود.. ووالده ينادي يا (أبا أحمد) لقد ولدت حراً وعشت حراً ومت حراً يا ولدي ... اللهم اجمعني به في مستقر رحمتك...

أما زوجه الصابرة فقد تلقنت دروس التحدي من (أسد النقب) فقالت (ليعلم الصهاينة أن حسن لن يموت وسأضع قريباً ما في بطني وسيكون عليهم خمسين ألف حسن ).

وفعلاً بعد أشهر بسيطة زار الدنيا الابن السادس (لحسن) وكان (حسن القسام) الوليد وريثاً شرعياً (لحسن الشهيد) ...أما إخوان (أسد النقب) الذين عايشوه المحن فما فتئوا يرددون عبارات الثناء على العلم الشامخ الذي ما عهدوه متراجعاً أو جباناً أو بخيلاً على دينه وحركته ، فألقوا إليه تحية الوداع وهم يذكرون أسد النقب وجزار العملاء ....

وداعاً يا ابن الوطن وابن القسام

واستكمالاً للتحية تحتشد الجموع في حفل التأبين لتلقي تحية الرجال للشهداء الأحياء الذين ما هانوا أو خانوا بل سطروا أسطورة التحدي والجهاد استمراراً لمنهج شيخهم عز الدين القسام ..

هكذا ألقى (أسد النقب) كل ما في جعبته وقام في هدوء بعد أن أودع أمانة الدم في الدم وأبر بقسم البيعة ويمين العهد فكان رمز الوفاء ونموذج العطاء ...

******************************************************************************************************************

الشهيد القسامي

عماد منسي محمد نصار

أبو معاذ

صخرة فلسطين

" عشرات الرصاصات تقتحم الأجسام الطاهرة " تستقر إحداها في قلب ( أبو معاذ) كي تودعه أمانة في الأرض التي أبى هجرها ... يرحل (أبو معاذ) ليبني مجد الخالدين .. يمتطي صهوة الرصاص .. يهزأ بالجلاد .. يتقدم الموكب نحو الجنة.. يرحل وما ترك موقع قدم في غزة وحي الزيتون ومواقع الأسر إلا وفيه علامة تذكرك (بأبي معاذ) ... تلك الصخرة الصلبة التي تحطمت عليها سياط الجلاد فغدت أشد بأساً وأكثر منعة .. وها هو يلثم الأرض بجبينه الوضاء ... يزمجر كالأسد الهصور .. يتمنطق بخياره الأوحد .. فيما الناس على زخارف الدنيا يتكالبون "

امتلأت السماء بالغيوم واكفهر الجو في صباح اليوم الثامن من مايو من العام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين . في هذا اليوم وغزة تمد يدها لفصل الصيف ، حيث يرحل الجميع نحو الساحل .. ولكن ما بال السماء اليوم تبكي بغزارة وتسقي الأرض المشتاقة للمطر .. تساءل الجميع ماذا يحدث في هذا اليوم ..؟!

لم يكن يعلم أهل الأرض أن ملائكة السماء قد ضجت وأن الله في عليائه أذن للكون أن يعبر عن حزنه على رحيل كوكبة طاهرة من شهداء الأرض المقدسة ، وكان (أبو معاذ) الرجل الذي استعصى على الاقتلاع ضمن هذه الثلة الطاهرة التي شرفت بها فلسطين الشهادة .

كان أهل قلعة الجنوب (رفح) كغيرهم من أهل القطاع ، يستيقظون من نومهم قبل أن تستيقظ الطيور كي يرحلوا إلى بوابة قطاع غزة (السجن الكبير) الذي تغلقه قوات الاحتلال يومياً ، من أجل قوت عيالهم يتهافتون في انتظار يوم الخلاص من هذه المهانة اليومية المؤلمة .. وفي ذات الوقف كانت الثلة الطاهرة من رجال القسام (عماد وحسين وأنور وحسن وبسام وخالد) ،

يرحلون نحو الحد الجنوبي المغلق بأرتال من أسلاك شائكة وخطوط كهربائية وألغام أرضية تفصل بين فلسطين القداسة ومصر الكنانة .. في هجرة جديدة أملاها الواقع المعقد والظروف الأمنية غير المواتية لهذا العدد من المطاردين .

ولم ينفك (عماد) عن البكاء المر ، وهو يترك الأرض الحنون .. يترك الرباط والجهاد .. والجميع يهدئ من روع (صخرة فلسطين) الصلبة الذي ضرب أروع الأمثلة في الصبر والجلد عنواناً دائماً للصمود والتصدي (أبو معاذ) ، فمنذ أن تولى مسئولية (جهاز الأحداث) التابع لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في حي الزيتون بمدينة غزة ، إضافة إلى مشاركته في مواجهة الاحتلال عبر أفكاره الرائعة في نصب الكمائن ، كان يحفر الخنادق الرملية للسيارات العسكرية أسفرت في معظمها عن الكثير من الإصابات...

ولمّا اعتقل بتهمة مسئوليته عن جهاز الأحداث في ضربة مايو 1989م ، لينتقل بين أقبية التحقيق وسراديب الاعتقال يقضي عامين بالتمام والكمال ، يدرك الجميع أن (عماد) يستحق أن يكون عنواناً للصبر والجلد ، فكانوا يسمونه (أبو صخر) ، وعلى أرض النقب الثائر باشر (أبو معاذ) نشاطه .. لم يكسر من عزيمته السجن ولا نازية السجان ، حيث تولي العمل الأمني في فترة اعتقاله ، فقام بإعداد التقارير وتنفيذ برامج الرصد والتحقيق مع عملاء الاحتلال .

ولم يخرج (أبو معاذ) من السجن في العام 1990 كي يبيت في منزله ، أو يأوي إلى أهله، فما زاده السجن إلاّ صبراً وجلداً وعزيمة على مواصلة الطريق المقدس نحو المجد.. فواصل عطاءه الجهادي المتميز ليتم اعتقاله إدارياً ثلاث مرات إضافية ، رسخ خلالها (أبو معاذ) نموذجه الرائع في الصبر والعطاء اللامحدود .

لم يكن الاعتقال النموذج الأوحد الذي كشف عن هذه الشخصية الفذة فقد كان أبو معاذ درة حي الزيتون في مواجهة الاحتلال .. هذا الحي الذي نقش ببطولاته أروع ملامح العزة والكرامة .. وهو الحي الذي كان مهداً للرصاصة الإسلامية ومأوى طلاب الشهادة العظام الذين سطروا بدمائهم على أرضه أروع ملاحم البطولة أمثال (ياسر النمروطي وعماد عقل).

وفي (مسجد الشافعي) كان (أبو معاذ) علماً بارزاً ساهم في نشأة جيل إسلامي متميز ينادي بالإسلام ضرورة حتمية للمجتمع .. يشارك في الدروس والمواعظ ويوجه جهده نحو التربية الفردية .. كما حرص على أن يكون مع إخوانه مسلماً متكاملاً تحت شعار " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف .. " .فكان أن ساهم في تشكيل فرق رياضية للمسجد في شتى ألعاب القوى " كمال الأجسام ، الننشاكو ، الكراتيه ، والجمباز " ، برز (عماد) قائداً لفريق الجمباز ، وفاز من خلال هذه اللعبة ببطولات وسباقات ، تراه يقفز من وسط النيران ، يصعد في الهواء، يؤدي التشكيلات بمهارة وإتقان .

التحق (عماد) بركب (جماعة الإخوان المسلمين) في العام 1985 ، ليواصل عطاءه الإسلامي الصافي من خلال عمل منظم يشعر معه بالارتباط وتحقيق الأهداف ، فكان (أبو معاذ) كعادته في الطليعة يساهم في تربية النشىء وفق روح الإسلام الصافية وليبني الأجسام كي تقوى على مواجهة الشدائد ، كما ساهم في بناء بيوت الله كي تحتضن أبناء فلسطين ، تزرعهم أشتالاً كي تقوي الغراس ليوم التحرير المأمول .

كان يشعر (أبو صخر) بعظيم الانتماء لدين الإسلام ، ومنهج السماء ، ولذلك يعشق (مسجد الإمام الشافعي) .. في حي الزيتون .. الذي درجت خطواته الأولى فيه ، وهناك نشأ (عماد) صخرةً صلبة ، كم كان يعشق (حي الزيتون) حيث أطل على الدنيا في الرابع عشر من يونيو من العام ألف وتسعمائة وستة وستين ، رغم حنينه الكبير أن يلتحف أرض (بيت دراس)* موطن الآباء والأجداد .

كان يتذكر (بيت دراس) كلما زار مراكز التموين التابعة لوكالة الغوث .. وكلما أمطرت السماء على البيت القرميدي ، فعزف صوت المطر لحناً ، أيقظ القلوب والهمم كي ترتقي نحو دروب المستحيل .. وكلما اتجه إلى مدرسته الابتدائية وشاهد الواقع البائس ثم ينهي دراسته الإعدادية والثانوية ويلتحق للدراسة في الجامعة الإسلامية بغزة ، إلا أنه قرر أن ينال (الشهادة العليا) .

وما كان (لصخرة فلسطين) التي تتحطم على سرها الدفين أمواج المحنة العاتية ، وتبقى هذه الصخرة شامخة أبية تنبت للعالم الحائر شجرة الحرية ، أن يعيش بعيداً عن الجهاد ، فالتحق (أبو صخر) في العام 1992م بعد خروجه الأخير من المعتقل (بكتائب الشهيد عز الدين القسام) كي يحقق حلم فؤاده في الشهادة .

وكان يتبع مباشرة في عمله الشهيد القائد (عماد عقل) (أسطورة الجهاد والمقاومة) ، ونفذ خلال تلك الفترة مجموعة من المهام الحساسة حيث رصد مواقع تحرك الجيش الإسرائيلي من أجل تنفيذ العمليات الجهادية ، حيث شارك في الرصد لعمليات الشجاعية والتي أسفرت عن مقتل ثلاثة جنود في ديسمبر 1992م .. وعمل كراصد في مدخل جباليا ، حيث نفذت عملية ليلة القدر في رمضان 1993م ، والتي أسفرت عن مقتل جندي ، وإصابة العديد .

لم تتوقف خطوات(عماد) الجهادية عند هذه المرحلة ، فأسس قواعد العمل العسكري في منطقة الزيتون التي غدت الحضن الدافئ للمجاهدين القساميين بفضل ما يوفره (أبو صخر) من دعم مادي ومعنوي لجموع الراحلين نحو المجد والخلود .

ولتوفير هذا الجو الآمن قام (أبو صخر) بملاحقة العملاء والساقطين خشية انكشاف أمر المجاهدين ، فشارك مع الشهيد (ياسر النمروطي) في تنفيذ عمليات التطهير .

ولمّا استشهد (ياسر النمروطي) .. أسس (عماد) مجموعته القسامية الإعدامية ، وأطلق عليها اسم (مجموعة الشهيد ياسر النمروطي) .

كم كان (عماد) يحب (أبا معاذ) ياسر .. يرى فيه القائد والقدوة والنموذج الأروع لرجل تضحية وفداء .. لم يكن عماد قد تعرف على (أبي معاذ) الآن ، فقد عايشه أياماً وليالي طويلة في باستيلات العدو الصهيوني .. حيث شكلا معاً ثنائياً رائعاً للتفاني المخلص .. يجلسان معاً يحفظان كتاب الله .. يتسامران .. يلعبان الرياضة القوية معاً .. ولمّا طورد (أبو معاذ) لم يجد أدفأ حضناً من شقيق روحه (أبي صخر) ، فالتجأ هناك ، حيث وجد ما تقر به عينه من تضحية وعطاء وبذل وراحة ، حتى قرر (أبو معاذ) الرحيل .. كان أن صعدت روح (أبي معاذ) في حي الزيتون حيث سكن الجسد العملاق وتألق نجم جديد في سماء فلسطين .. سماء الزيتون . وهنا قرر (عماد) أن يواصل ذات الدرب الممهورة بالدم المسيجة بالأشواك ، فاختار أن يكون اسمه (أبا معاذ) كي يكون خير خلف لخير سلف - وهذا ما كان - .

كان (عماد) يشق طريقه وسط الصخر دون ضجيج أو فوضى أو حرص على الظهور ، وفي أثناء هذا العطاء والتفاني ألح عليه أهله أن يتزوج .. لم يكن هذا خياره ، فرفض بشدة . حتى شعر أهله أنه يخفي سراً ، فقرر الموافقة وتزوج من ابنة عمه .

تزوج وهو يدرك أن لا شيء يمنعه من تحقيق حلمه الغالي بالاستشهاد خاصة بعد رحيل أخيه القسامي القائد (ياسر النمروطي) . استمر (أبو معاذ) في حملته التطهيرية ضد العملاء والساقطين في (حي الزيتون) ثأراً لدماء الشهيد (ياسر النمروطي) حتى تقدمت قوات الاحتلال نحو بيت والده (المنسي نصار) تحاصره وتداهمه .. تحطم أثاثه ، لم يكن هذا مشهداً غريباً على هذا البيت المجاهد الذي يتوزع أبناؤه بين السجن والنفي والمطاردة والاستشهاد ..

(أشرف) يقبع على الحد الشمالي للوطن المسلوب مع إخوانه المبعدين في مرج الزهور ، و(نبيل) يعيش متنقلاً بين سجون الاحتلال يقضي محكوميته البالغة عشر سنوات بتهمة الانتماء إلى الجهاز العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وتنفيذ فعاليات المواجهة والتحدي .. ولكن اليوم كانت المداهمة الأعنف حيث قلب جنود الاحتلال المنزل رأساً على عقب بحثوا في كل زاوية عن الشبح الذي طاردهم وأحال حي الزيتون إلى بعبع لعملائهم ومصيدة لجنودهم وكمائن تنحدر فيها دورياتهم يمطرهم فيها (أبو صخر) أصناف العذاب ولكن أين هو الآن .. ألم يعلموا أنه قرر الرحيل قبل الرحيل ..

ولم تتوقف إجراءاتهم عند هذا الحد ، بل قامت سلطات الاحتلال بطرد (والد عماد) من وظيفته الحكومية .

كان كل ذلك يفرض على (أبي معاذ) المزيد من التحدي ، فامتشق (أبو معاذ) سلاحه الهدّار وغدا في مرحلة جديدة تحتاج إلى كل ألوان العطاء والتحدي والمقاومة والأمن .. و(صخرة فلسطين) لها ، وبدأت المعركة مبكراً بين (أبي صخر) وقوات الاحتلال التي ما تركت حيلة ولا طريقة إلاّ اعتمدتها من أجل القبض عليه أوالتخلص منه .. حيث داهموا منزله ليلاً ونهاراً ، بالزي العسكري الرسمي ومتنكرين بأزياء متعددة حضروا يوماً لإلقاء القبض عليه وجنود القوات الخاصة يتنكرون بزي نساء ولكن رعاية الله لعبده كانت لهم بالمرصاد فما أفلحت كل محاولاتهم اليائسة ، وكان (أبو معاذ) يلاحقهم ويحاصرهم عبر عمله الجهادي القسامي الموجه نحو عملاء الاحتلال وقواته المتحركة والذين دفعوا ثمناً باهظاً حين التحق (صخرة فلسطين) بثلة المطاردين القساميين. كان الضغط يشتد على البطل القسامي المجاهد وإخوانه حتى يصدر الأمر من الجهاز العسكري بمغادرة قطاع غزة ، وتكون الرحلة نحو الجنوب ... ارتحل (أبو معاذ) رغماً عنه ولم يكن شيئاً أشد عليه من خروجه من (حي الزيتون) .

إنه يتمنى الشهادة على هذه الأرض ، فلماذا الخروج .. كان يدرك كم هي تكاليف الخروج بعيداً عن الحضن الدافئ .. ولكن قدر الله أكبر ورحمته أوسع ، ها هو يغادر مع إخوانه وقلوبهم تنشطر .. تنشد نحو الأرض الذابلة المشتاقة .. ها هو الموكب النوراني يتقدم .. يتقدم.. نحو الخيار الأوحد لأولئك الأطهار ، وما أراد الله لهم عدا هذا .. فقد أطلع على سويداء القلوب وما تحوى من حب وكرامة الله تبارك وتعالى ..

فكانت الكرامة تسبقهم وحين تقدم الموكب نحو الحدود لاختراقها عبر نفق يربط فلسطين ومصر، ينطلق القصف الصاروخي والرصاص من كل مكان يغطي الأرض الصحراوية كي ينبت فيها الصبّار ويخط هناك طريق الملحمة الواجبة ... وما تحتاج سوى الصبار .. كانت عشرات القذائف والرصاصات تقتحم الأجساد الطاهرة .. تستقر إحداها في قلب (أبو معاذ) كي تودعه أمانة في هذه الأرض التي أبى هجرتها ، وكان المهاجر يردد " والله يا غزة إنك أحب بلاد الله إلى قلبي ولولا أنهم أخرجوني منك ما خرجت أبداً ".

وها هي (غزة) تأبى لهذا الوفاء أن يغادرها .. تأبى إلا أن تحتضن هذا القلب المتيم فداءً وتضحية وإباء .. يرحل أبو معاذ يبني مجد الخالدين .. يمتطي صهوة الرصاص .. ويهزأ بالجلاد ... ويرحل متقدماً الموكب نحو الجنة ... يرحل بعد أن سطر ملحمة المقاومة والجهاد في كافة الميادين .. رحل وما ترك موقع قدم في حي الزيتون وغزة ، وفي مواقع الأسر إلا وبه علامة تذكرك (بأبي معاذ) .. الصخرة الصلبة التي تحطمت عليها سياط الجلاد ... فغدت اشد بأساً وأكثر منعة ، وها هو اليوم يلثم الأرض بجبينه الوضاء .. يزمجر كالأسد الهصور.. يتمنطق بخياره الأوحد .. فيما الناس يتكالبون على زخارف الدنيا ... يرحل (أبو معاذ) ليسكن عليين حيث ينتظره (الشهداء) يتلقفونه بكل الحب .. يربتون على كتفه .. كما عهدناك يا (أبا صخر) .. وفياً مخلصاً مسرعاً .

يرحل الخبر سريعاً إلى غزة يتلقاه آل الشهيد المظفر بكل الفخر والاعتزاز .. فقد غدا الصبر جزءاً من مسيرة هذه العائلة .. ها هي تتلقى خبر استشهاد أحد أبنائها ومازال ثلاثة من أبناء (المنسي) يتوزعون بين المنفى والسجن . يأتي نبأ الاستشهاد وزوج (أبو معاذ) تحمل في أحشائها (معاذاً) والذي أسموه (معاذاً) كما أوصى تكريماً لأخيه الشهيد (ياسر النمروطي) .

وفي قلب (حي الزيتون) ينصب سرادق عظيم يستقبل المهنئين بعرس الشهادة العظيم يلقون التحية (لأبي معاذ) الذي أبى إلا أن يكون عظيماً خالداً ، كما كانوا دوماً يلقون التحية على المجاهد الفذ الذي غادر الدنيا وارتحل سريعاً نحو الخلود الذي بحث عنه وترك لهم الوصية ، مصحفاً ورشاشاً وراية .. أبى الشهيد إلا أن تظل خفاقة عالية ..

وفي اليوم الثالث لعرس الشهادة أقامت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) حفل تأبين لم تشهد له مدينة غزة مثيلاً من قبل ، وتوافدت إليه الآلاف من كل مكان .. تودع الشهيد.. تحمل الوصية .. تحفظ الراية من السقوط .. رحل الأبي على التراجع والاقتلاع من ساحة الجهاد والمقاومة ... رحل عنوان الصبر والجلد وترك وصيته الخالدة ..

" إني راحل إلى ربي فأدركون "

أعلى الصفحة ****************************************************************************************************************

الشيخ المجاهد الشهيد

حسين أحمد محمود أبو اللبن

أبو أحمد

" طاف (الشيخ حسين) البلاد كلها ، أمّ الناس في بيوت الله .. وعظهم .. أرشدهم .. قادهم في مسيرات الشوارع .. خاض معترك الحياة الاعتقالية شامخاً أبياً .. لم يجد حلاوة المراغمة ومتعة الصراع كما هي الآن وهو يحتضن رشاشه الهدّار ... ويمضي بكل كبرياء التحدي ... واعتزاز المجاهد الصلب .. المتمترس خلف جدران إيمان خالص لله تبارك وتعالى ... وعزم أثبت من الجبال الراسيات "

إذا ألمت بك الأيام الخوالي وترددت على أكثر من مسجد في مدينة غزة ، كان لابد أن يطالعك هذا الوجه الوضاء الذي ينضح بالنور واللحية الشقراء التي لا تغطي معظم ذقنه ولكنه يصر رغم ذلك على بقائها إقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، رغم أنه دفع ثمناً غالياً حين أخرجه والده من البيت طالباً منه حلق لحيته ، ومكث خارج المنزل وبقي مصراً على اقتدائه بسنة النبي صلى الله عليه وسلم .. تراه بعد الصلاة يقف واعظاً في الناس ، يتحدث عن الإسلام وتاريخه الناصع وشرعه العادل ومستقبله الأكيد بحكم البشرية بعد سنوات الظلم ، يحمل البشارة دوماً للمستضعفين في الأرض بالتمكين والاستخلاف ، كم كان سعيداً وهو يؤدي هذه الرسالة الخالدة امتداداً لعهد النبوة ، فهو واعظٌ ومرشدٌ على هذا الدرب الذي سلكه جل الأخيار من الدعاة والعلماء .. وكم كانت مواعظ (الشيخ المجاهد) تسكن في قلوب المستمعين بشغف إلى أسلوبه الجذاب ودروسه الموثقة التي يعتمد فيها على تحصيله العلمي الوافر من دراسته الشرعية في (كلية الشريعة) بالجامعة الإسلامية بغزة ، ومن هناك انطلق .. ليؤدي رسالته الطاهرة ويكون إماماً للناس وواعظاً ، ويبقى الشيخ المجاهد قبلة لكل الظامئين لسيادة منهج السماء .

وإذا صادفتك الأيام وزرت (الجامعة الإسلامية) أثناء دراسة (الشيخ المجاهد) فيها ، وكان هناك عرضٌ لألعاب القوى في الجمباز والكاراتيه والننشاكو . سيطالعك ذات الوجه الوضاء وهو يؤدي مهارات استعراضية عالية المستوى ، وتبحث عن أداة ربط بين هذه الشخصية وتلك فينبؤك العلم والبيان أن هذه شخصية الفارس المتكامل ... راهب الليل وفارس النهار .. تلك شخصية من عهد الصحابة والتابعين .. لا من القرن العشرين .

وإذا حالفك الحظ وشاهدت عرساً إسلامياً في إحدى شوارع قطاع غزة ، وشاهدت ذات الوجه الوضاء وهو يؤدي دوراً مسرحياً .. يعجبك أداؤه ويستحثك دوره التمثيلي للتقدم والالتحاق بحظيرة الإسلام الواسعة المترامية ... وتميل بوجهك إلى من يقف جوارك تبدي إعجابك بالمسرحية وقصتها ... يجيبك على الفور .. نعم فهي بقلم (الشيخ المجاهد) ...

وفي الأيام الأولى لانطلاق الانتفاضة وأنت تسير بسيارتك يعترضك حاجز يعده مجموعة من الشبان قائدهم ذات الوجه الوضاء .. وفجأة ينطلقون في مسيرة يحملون على الأعناق صاحب اللحية الشقراء والوجه الوضاء يظل يهتف والجميع يردد .

ينطلق (الشيخ المجاهد) إلى أصحاب المحلات يأمرهم الاستجابة للإضراب ، وماذا في يده.. إنها قنبلة .. تقترب قليلاً .. إنها قنبلة غير حقيقية مصنوعة من الطين بشكل دقيق متين .. صنعها الشيخ المجاهد بيديه ويستخدمها الآن في تأجيج نار الانتفاضة .. تبتسم بصمت وتهم بالمغادرة ولكن حب الاستطلاع يمنعك ، تميل إلى أحد المشاركين في المسيرة .. من هذا الشيخ ..؟؟

ينظر إليك بما يشبه الاستغراب .. ألا تعرفه ..؟! إنه الشيخ (حسين أبو اللبن) ... تومئ برأسك وأنت لا تعرف من هو المقصود ... ولكن مساجد غزة وشوارعها وكافة الشباب المسلم هناك يستطيعون سرد تاريخ الرجل فهو أشهر من أن يُعرف .

في جباليا الثورة كان ميلاد الشيخ المجاهد (حسين) ، في الثامن من فبراير من العام ألف وتسعمائة وواحد وستين ، أطل الوليد الجديد على الدنيا بوجه ينضح بالنور ويشرق بالأمل لوالده (الحاج أحمد) الذي كان مع جموع الفلسطينيين الراحلين نحو الجنوب مغادراً قرية (سمسم) الفلسطينية بعد أن داهمتها الغربان ، وأوجدت مكانها الاستيطان ، وفي خيام اللاجئين في (مخيم جباليا) لم يكن هناك متسع ، تكومت اللحوم البشرية وهي في حالة انتظار للعودة السريعة ، وطالت الأيام وتبدلت الأجيال ، وقرر (الحاج أحمد) الرحيل إلى مدينة غزة ويستقر به المقام في حي التفاح ، وهناك كانت البدايات الأولى (للشيخ المجاهد) حيث درجت قدماه على بيوت الله تبارك وتعالى واستقر به المقام في مسجد السيد هاشم (سُمّي المسجد بهذا الاسم تيامناً بجد الرسول صلى الله عليه وسلم .

وفي بيت الله تبارك وتعالى رضع الفتى الوسيم الوضاء ، حليب الإسلام نقياً صافياً ، ويشعر في قرارته بحلاوة الإيمان حين يرى بنور قلبه الله ورسوله أحب إليه من كل ما على الأرض، ويكره الكفر وأهله ويكره النار ..

لم يتعلم (حسين) في بيت الله الإسلام وحسب ، بل تعلم فنون القتال وأبدع في الكراتيه حتى حصل على الحزام الأسود ... وأتقن الجلوس ساعات طويلة خلف مكتبه يطالع الكتب الإسلامية والثقافات حتى غدا ملماً بالكثير من العلوم والمعارف ... وصقل كل ذلك يوم توجه للدراسة في الجامعة الإسلامية والتحق (بكلية الشريعة) بها ، حيث يرى (حسين) شخصيته ، وشعر في رحاب تلك الجامعة بالانتماء .

وكان حسين أحد أبناء (الكتلة الإسلامية) البارزين ..وجندي في (جماعة الإخوان المسلمين) وتدرج في سلمها الإداري حتى غدا رقيباً .

ما انشغل (حسين) عن العمل لدنياه ، ورغم انشغاله في الدراسة فقد أتقن مهن أعمال البناء وأجاد (القصارة) وكان كثيراً ما يقوم بالعمل في هذه المهنة الشاقة من أجل المساهمة في توفير لقمة العيش الكريمة لأهله وإخوانه ...

كان (الشيخ المجاهد) في كل ذلك رءوفاً بإخوانه رحيماً بهم ، عاش لأجلهم في المسجد والمنزل حتى أحبوه حباً جما ... وكان دوماً يؤثر الجماعة على عمله الخاص ، فكم أجّل من أعماله وربما تركها من أجل عمل الجماعة ومستقبل الإسلام . ويبقى الشهيد ملتصقاً ببيوت الله تبارك وتعالى ولمّا تخرّج من كلية الشريعة واصل عطاءه لدين الله حيث عمل خطيباً في مساجد مدينة غزة من خلال دائرة الأوقاف وأتم نصف دينه الآخر بالزواج .

وقبيل الانتفاضة شرعت قوات الاحتلال بإهانة الشبان في شوارع غزة بأمرهم بالرقص أو سب الذات الإلهية أو الحديث معهم بألفاظ لا أخلاقية وحدث ذلك مع (الشيخ حسين) الذي لم يتوان في الدفاع عن نفسه ، فقامت قوات الاحتلال بالاعتداء عليه وضربه وإصابته بجراح ، لكن ذلك كان أهون عليه من إهانته على يد حفنة لا يقر لهم بالوجود على هذه الأرض الطاهرة .

كانت روح الجهاد والبذل تملأ على الشيخ حياته وكيانه ويرى في امتشاق السلاح أمراً لابد منه، وأن أي تهاون أو تخاذل عن هذه الطريق جريمة لا تغتفر ..

هذه الحماسة الملتهبة كانت تدفع الشيخ أحياناً إلى الحديث عن تسويف الإخوان المسلمين امتشاق السلاح .. فكان يرى تسويفهم وكانوا يرون استعجاله .. حتى كانت الانتفاضة المباركة، ومنذ اللحظة الأولى كان الشيخ حسين التواق في مقدمة الصفوف ، وفي التاسع من ديسمبر من العام ألف وتسعمائة وسبع وثمانين وبعد يوم واحد فقط على انطلاق الانتفاضة كان (الشيخ حسين) في مقدمة الصفوف التي تواجه قوات الاحتلال في منطقة مستشفى الشفاء ، وفي هذا اليوم كان أول من ألقى الزجاجات الحارقة (مولوتوف) حيث أعدها وأطلقها نحو قوات الاحتلال ، وقد تم اعتقاله على إثر ذلك مباشرة بتهم إلقاء زجاجات حارقة قضى ما يقرب العام كان أول من افتتح الاعتقال ، وأول من حكم عليه بتهمة إلقاء زجاجات حارقة وأول من افتتحت قوات الاحتلال به وبإخوانه سجن النقب الصحراوي .

وما كاد يخرج من المعتقل حتى أعيد اعتقاله وقضى حكماً جديداً لمدة عامين بتهمة المسئولية عن حركة حماس في منطقتي التفاح والدرج .

كان (الشيخ المجاهد) في حياة الاعتقال علماً لا يشق له غبار يؤدي دوره الثقافي والإرشادي بكل عزم وأمانة وإخلاص يعقد الجلسات ويوجه شبان الانتفاضة نحو مزيد من الجهاد والتضحية يخلق الحافز والتحريض وهو يروي لهم قصص الخالدين من الصحابة والتابعين الذين ضربوا أروع الأمثلة في التضحية وكان يؤمن دوماً أن حالة التصاعد الإسلامية ليست محض صدفة ، وإنما تقف خلفه عقول تفكر وأيادٍ تنفذ ، ولذلك كان يوصي إخوانه دائماً إذا انطلقت إلى الجهاد لا تستشر في ذلك أحداً ، بل تحرك دوماً نحو المقدمة فهذا أمر الله ولا يوقفه أمر بشر .. لذلك لمّا تحرك لإلقاء العبوات والزجاجات الحارقة كان تحركه ذاتياً .

هذا الولاء الصافي والحماس المتدفق والحب الخالص لله تبارك وتعالى محاور تشكيل شخصية (الشيخ حسين) الذي ما كاد يخرج للمرة الثانية من الاعتقال حتى التحق بالعمل في الجهاز العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وأضفى على شخصيته المزيد من السرية ، حيث غدا يتردد على (مسجد الصحابة) في مدينة غزة ، ويخرج مع (جماعة التبليغ والدعوة) .. يطوف المدن وبيوت الله تبارك وتعالى مبلغاً هذه الرسالة الخالدة بشتى الطرق .. وأثناء ذلك وإثر حملة اعتقالات في صفوف حركة المقاومة الإسلامية (حماس) اعترف أحد المجاهدين بدور (الشيخ حسين) الذي بدا معتزلاً للحياة ، ودوره في (كتائب الشهيد عز الدين القسام) ، وانتقل (الشيخ حسين) بذلك إلى حياة المطاردة ، فخرج ولم يعد إلى منزله ، رغم أنه كان طوال الفترة الماضية محتاطاً لا يبيت ليلاً في منزله ، بل كان يتجه إلى المنزل نهاراً فقط .

ومنذ اليوم الأول لإعلان المطاردة انطلق (الشيخ المجاهد) الذي يرى في الشيخ عز الدين القسام قدوة خالصة له .. انطلق من أجل المزيد من الجهاد ، ورغم أن الواقع الأمني كان معقداً بشكل أكبر بكثير من السابق ، حيث طورد (الشيخ المجاهد) في أواخر شهر رمضان المبارك من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين .

فقد ازدادت أيام منع التجول وإغلاق المناطق ومداهمة البيوت وملاحقة المجاهدين ، خاصة في ظل تصاعد العمل العسكري ، ووجود المبعدين في مرج الزهور .

وقد مثل (الشيخ حسين) في حينه الأب الحاني على جموع المطاردين من (كتائب القسام) ، يشفق عليهم ويفتح معهم جسور الثقة والتعاون ، فكان يُنظر إليه على مستوى واسع كأمير رغم أنه لم يكن أميراً رسمياً لمجموعة المجاهدين ، ولم يخرج (الشيخ المجاهد) من مدينة غزة ، فكان جل عمله فيها حيث كان مسئولاً إدارياً للمجموعات العسكرية في منطقة غزة ، فقام بإجراء تحقيقات واسعة مع عدد من العملاء وتنفيذ حكم الإعدام إذا اقتضى الأمر ، كما ساهم (الشيخ المجاهد) بالتنفيذ العملي لمجموعة عمليات أربكت قوات الاحتلال ، فقد هاجم (الشيخ حسين) ومجموعته دورية عسكرية في شارع الوحدة بمدينة غزة ، كما هاجم دورية عسكرية بالقرب من مدرسة يافا بمدينة غزة ، وقد اعترف راديو إسرائيل بهذه العمليات لكنه لم يوضح خسائره فيها .

لم يكن (الشيخ المجاهد) لينقطع أثناء مرحلة المطاردة عن أهله وإخوانه ، فكان دائم الاتصال بهم يوصيهم بتقوى الله عز وجل وسلوك درب الحق والجهاد وينادي فيهم أن الصبر والثبات عنوان مرحلة المطاردة والجهاد ، يرسل لأمه دوماً " لا تقلقي .. إما نصر أو شهادة .. لا تحزني فإني مع الله تبارك وتعالى " .

يوصي والده دوماً : " لا تفكر كثيراً بي ، بل ادعو الله لي أن أموت شهيداً "، يرسل رسائله لإخوانه أبناء دعوة الإسلام : " لا تغرنكم الدنيا وعليكم النظر إلى الآخرة " .

الشيخ المجاهد في رحلة مستمرة إلى الله تبارك وتعالى ، يرى أن الرحلة ممهرة بالدم ، ممزوجة بالحنظل ، وعلى سالكها اجتراع الصبر ، فأعد العدة وأخذ الأهبة ورحل إلى الله غير عابئ بالدنيا وزخرفها ، فقد طلقها ثلاثاً لا رجعة فيها .

فكان يقبل على الآخرة بلا حدود ، فقد أحسن النية وأعد الزاد وخفف الحمل ، فتراه يقنت في صلاة الفجر يومياً يردد : " اللهم أحيني سعيداً وأمتني شهيداً " ، فقد أقسم (الشيخ حسين) على الله أن يلقاه شهيداً ... صدق الله فصدقه الله .

ويوم أن تزين الناس للدنيا وتزينت لهم .. كان الشيخ المجاهد يتزين للحور العين ، يقبل على الموت بلا وجل .. يحتضن رشاشه الكلاشنكوف بكل قوة وعزم ، يرى فيه ذاته ، ويصنع منه مجده .. ويجعله مركبته إلى الدار الآخرة .

طاف (الشيخ حسين) البلاد كلها ، أم الناس في بيوت الله .. وعظهم .. أرشدهم .. قادهم في مسيرات الشوارع .. خاض معترك الحياة الاعتقالية شامخاً أبياً .. لم يجد حلاوة المراغمة ومتعة الصراع كما يراها الآن وهو يحتضن رشاشه الهدّار ... ويمضي بكل كبرياء التحدي... واعتزاز المجاهد الصلب .. المتمترس خلف جدران إيمان خالص لله تبارك وتعالى ... وعزم أثبت من الجبال الراسيات ، كان (الشيخ المجاهد) يقسم كل يوم على الله أن يري في اليهود يوماً ، وأن تروي دماؤه الأرض الظمأى لدم حر طهور....

وفي كل يوم ترسل له قيادة العمل العسكري أن عدد المطاردين في تزايد وأن الملاجئ ضاقت بأهلها ، وأن السلاح لا يكفي وعلى مجموعة (الشيخ حسين) أن تتنازل عن بقائها في الأرض المقدسة وتهاجر على أمل العودة القريبة ... ويرد عليهم بكل العزم والإباء .. من كان يرغب الهجرة فليهاجر ، أما أنا فسأموت هنا ... وأدفن هنا .... تأتيه الرسائل .. أن هذا أمراً له مبرراته القوية ، لا يستجيب (الشيخ المجاهد) .. ويرد : ما على هذا بايعت ولا على ذلك تمت المطاردة ، إن لي خياراً واحداً ألا وهو الشهادة ، ولن أقبل غيرها .

ولمّا جد الأمر بكى حسين كما لم يبكِ من قبل .... بكى حتى اخضلت لحيته وسقى الأرض من هذه الدموع .. حسين لا يبكِ جبناً أو خوفاً وخوراً .. بل يبكي حباً وفداءً وتضحية.. يبكي عزة وكبرياء وشموخاً ... ويردد .. أأترك الأرض ..؟! أأترك فلسطين ..؟! يخبر إخوانه بالأمر الذين قض مضاجعهم هذا النبأ ... بخبرهم بالصعوبات وعدم توافر السلاح والمال.. يرددون بصوت واحد سوف نحفر الصخر، وننبت زرعنا القسامي مهما كلف ذلك من ثمن .

وفي النهاية .. كانت الرحلة .. رحلة الهجرة عبر الحد الجنوبي للوطن المحاصر بين غربة الأبناء ، والأسلاك الشائكة والدوريات التي تجوب المنطقة .

انتقل المجاهدون (حسين أبو اللبن ، أنور أبو اللبن ، حسن حمودة ، بسام الكرد ، عماد نصار، خالد العالم) إلى رفح ، واستمر الموكب في التقدم وأميرهم (الشيخ المجاهد) الذي كان يبكي دوماً على هذا الفراق .. كان الله تبارك وتعالى في عليائه يصنع لهم القدر ، قدر الكرامة والعز ... عرف ما في صدورهم من إيمان وإخلاص ، فرزقهم الشهادة ، وهناك على الحدود المصرية اصطادهم كمين غادر أسقط الجمع الطاهر مدرجاً بدمائه العزيزة ... في هذا اليوم الثامن من مايو من العام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين وبعد أقل من ثلاثة أشهر على المطاردة.. كان القدر يرسم (للشيخ المجاهد) طريق الجنة المعبّدة بالدماء الطاهرة الفياضة ...

ولم تعهد (فلسطين) المطر في شهر مايو .. ولكن ها هو المطر ينهمر كما الرصاص .. وكما الدماء الطاهرة .. كانت (دماء الشيخ المجاهد) وإخوانه تنزف على الأرض تغسل أدرانها وساكنيها من الجبن والخور والتراجع والخطيئة .

وكانت السماء تبكي الأحباب الذين صدقوا الله ما عاهدوا عليه ، فكان حقاً على الله الاصطفاء والاختيار ليلحقوا بركب الخالدين ، تنهمر الدماء من أجل فلسطين والأقصى وترسم حداً جديداً للوطن المسلوب ، بعد أن قطع هذا الدم الطاهر ، أسلاك الوهم الحاجزة وأوقف دوريات التفتيش ، يرسم حداً جديداً لا تقف معالمه عند حدود الادعاء الزائف .. بل تتجاوزه ليشمل خارطة العالم .. فينادي دم المجاهد في الأمة : " الله أكبر فتحت كل الأرض أمام جحافل الإسلام ... وها هو الدم عنوان الدرب ... ها هو الدم لا سواه يبني جسر العودة " .

نقلت السماء رسالتها .. وتلقف الشعب الفلسطيني بأسره النبأ الفاجعة ، ستة من الشهداء، وأي شهداء يسقطون دفعة واحدة ، وتصل الرسالة إلى آل (أبي اللبن) الذين بدأ يصبّر بعضهم بعضاً من هول المصيبة ، حيث سقط شهيدان من بيت واحد (حسين وأنور) .. ولمّا قذف الله سكينته على قلوب المؤمنين بدءوا يزفون الشهداء ، والأغاريد تنطلق في سماء غزة .. وتردد الأم بصوت عالٍ .. " هنيئاً لك يا (حسين) .. هنيئاً لك يا (أنور) " .وهطلت العيون بالدموع بكاءً مراً من الجميع ، فقد كان (الشيخ الشهيد) أستاذاً وأباً وأخاً وخطيباً وإماماً ... كان كما يسمونه شيخ الحارة .

ولكن (الشيخ الشهيد) صمم على الرحيل بطريقته الخاصة .. صمم على أن يرسم بدمه كما رسم بكلماته معالم الطريق ... وها هي معالم الطريق بيّنها للسالكين ولكن الثمن غالٍ لأن السلعة غالية ، فهل من مشترٍ ؟ ، وهل من دافعٍ للثمن كما فعل (الشيخ الشهيد) ؟

وفي حي التفاح حيث انطلق وهج الشمعة المضيئة ليمتد إلى جنوب الوطن المسربل بالدم .. هناك نصب سرادق ضخم للعزاء ... والألوف تحتشد يوياً تلقي تحية الاحترام والتقدير ..

والإعزاز والإجلال (للشهيد) ... الذي ما جهد أحد .. وها هو باستشهاده يتسابق الجميع يلقون النظرة الأخيرة على الوجه الوضاء والثغر الباسم ، وترحل بهم الذكريات أين سمعت الشيخ حسين يخطب لآخر مرة ، وعن أي شيء تحدث .. ها شاهدت صورته وهو يمتشق الكلاشنكوف ...

ها هو يرحل بعد أن ألقى كلمته الأخيرة في الزحوف المحتشدة .. وكم كانت كلمته الأخيرة صادقة قوية صارمة .. فللحرية الحمراء باب بكل يد مدرجة يدق ...

وبعد أيام أقيم حفل عرس الشهيد .. وأي عرس وقفت الخلائق تشرأب أعناقها لتسمع اللحن الأخير في سمفونية خالدة امتدت من الشيخ الشهيد عز الدين القسام في أحراش يعبد حتى الشيخ الشهيد حسين أبو اللبن في صحراء سيناء ... ولكن هذا اللحن الممتد جزء من مقطوعة موسيقية يطول عزفها ، فالطريق يمتد والدرب يتواصل وفي الجنة متسع لكل الصادقين .

ألقى الجميع نظرة الوداع الأخيرة على الشهيد المقدس ... الذي ما بخل أو استغنى ما قال أو استقال .. كان دوماً في الطليعة .. وها هو اليوم يسقط على الأرض وترتفع الراية إلى عنان السماء .. ويبقى الشهيد الشيخ دوماً في الطليعة .

أعلى الصفحة

***************************************************************************************************************

الشهيد

أنور أحمد محمود أبو اللبن

أبو إسماعيل

النبت الأصيل

" هكذا تنقضي أيام أنور ، يتنقل بين مواقع الجهاد مشرفاً على عمل لجان حماس في منطقة الدرج ، وعاملاً في مجموعة الصاعقة الإسلامية ، يكتب التقارير الأمنية ويرصد العملاء ... يحاصرهم .. ينطلق إلى مدرسته يقود جموع شبان الكتلة الإسلامية ...يعود إلى مسجده يتلقى العلوم الإسلامية .. وينضم إلى أسرته الإخوانية نهاية نهاره يعضد معاني الإخوة ... لم يكن الفتي يعيش لذاته ... أمضى حياته من أجل الله .. فكان الاختيار الإلهي عزيزاً .. سريعاً .. كريما "

انطلق البشير يهتف في الدنا ، ذاك الشبل الباسم الهادئ المتواضع الذي ما سمعه الكثيرون لأن حديثه لا يكاد يسمعه إلا من يتعمد ذلك ... انطلق البشير يدوي صوته ، لقد استشهد القسامي الأصغر سناً ، استشهد الشبل الذي عجب الجميع من جرأة التحدي وقوة المواجهة التي يتمتع بها في مواجهة العدو رغم سلاسته ورقته مع إخوانه ...

دوى صوت البشير يبلّغ أهل الأرض أن القتال عزيمة .. وأن الرجال معادن .. وأن هذا المعدن الطيب الصلب هو من ذاك الأصل الذي جسده الشيخ المجاهد (حسين أبو اللبن) .

لقد بدت ملامح الرجولة مبكرة على الفتى اليافع ، فبعد إلحاح كبير تم ضمه إلى مجموعات فعاليات الانتفاضة عبر لجان حماس الفاعلة . لم يكن الشبل المجاهد قد بلغ من العمر خمسة عشر عاماً حين امتشق سلاح الانتفاضة ... وكان حينها أصغر من يرتدي اللثام الفلسطيني الذي غدا معلم الفلسطيني المجاهد . وفي واحدة من الجولات الجهادية كان القدر يرسم مجداً لهذا الفتى الهادئ ، حين انطلق ضمن مجموعته الحمساوية ، ويرتسم في مخيلته الصحابي الجليل (أسامة بن زيد)، وهو يقود معسكر جيش المسلمين يفتح الله على يديه بلاد الروم ...

كانت كل كوامن الفتى اليافع تنطلق ومحياه يبتسم وهو يرى بعين خياله كيف يمتطي خيل الجهاد ... وقائد الركب القسامي يمسك بعنان فرسه يوجهه للانطلاق نحو الهدف وتحقيق المراد ، من أجل بناء الدولة الإسلامية قوية الأركان .. يرحل (أنور) يومياً .. إلى القدس ، يتمنى استشهاده على تراب الأقصى الطهور .. ولكن ، ها هو يرحل في خياله إلى الماضي والمستقبل .. وها هي دورية من القوات الخاصة تنطلق نحو المجموعة الجهادية ينادي رفيق الرحلة الميمونة بالحذر .. يطلق (أنور) لساقيه الريح ويسابق الهواء.. زخات من الرصاص تنطلق خلف الفتى المجاهد ، تصيبه إحداها في قدمه يسقط على الأرض لا يستطيع حراكاً ، وتنقض عليه جموع الغربان تهوي عليه تمسكه كمن ضبط صيداً ثميناً ويرفعون اللثام عن وجهه البريء ، يعجبون !! أهذا الفتى الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة هو الذي أقض مضاجعهم في تلك المنطقة وهم يستيقظون يومياً عشرات الشعارات الحمساوية والمتاريس المنتشرة تملأ الشوارع ... هل هذا الفتى هو السبب المباشر لهذا الإزعاج ما أتفه هذا الجيش، وما أهون قواته الخاصة !!

يقتاد الجند الفتى الباسم نحو المعتقل حيث مئات الشبان الفلسطينيين ، وفي زنازين النازية الجديدة أودع الفتى مصاباً بطلق ناري وأغلق الباب ، تكوم أنور يشكو الله إصابته في زاوية الزنزانة الباردة التي لا تملك أدنى مقومات الحياة ، وبدأ يتلو آيات حفظها من كتاب الله تعالى ويتمتم بأدعية تدفع عنه الشر والمكروه ، داعياً الله أن يحفظ عليه قلبه ووجدانه ، وأن يحمي إخوانه محنة السجن ... غاب أنور قليلاً عن وعيه وأخذته سنة من النوم ، وهي منحة إلهية في هذا الظرف العصيب الذي يعيشه الفتى الهادئ ... وغاب الفتى في أحلام وردية أخرجته من ضنك الحياة التي يعيشها .

قضى لحظات جميلة مع شقيقه وأستاذه (الشيخ حسين) الذي تتلمذ على يديه وعشق الإسلام منهج السماء من دروسه ، كم كان ينظر (الشيخ حسين) إلى شقيقه (أنور) نظرة خاصة .

احتضنه منذ لحظات الولادة الأولى حين أبصر الدنيا في نوفمبر من العام ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين في حي الدرج بمدينة غزة حيث الأهل قد سكنوا منذ فترة وجيزة تلك المنطقة بعد أن غادروا مخيم جباليا الثورة إثر هجرتهم مع زحوف اللاجئين من قرية (سمسم) وكل أرجاء فلسطين . ودرج الطفل الصغير على بيت الله يؤدي حركات الصلاة كما علمها إياه الشيخ حسين ، وعلى هذه الزيارات فطم الفتى على عشق منهج السماء ، لا يرى ذاته إلا بعلو هذه الراية الخضراء التي لا يشعر بالأمن إلا في ظلالها الوارفة .

هذا الفتى أحبه كل من رآه ... البسمة لا تفارق وجهه الذي تشع منه علامات الإيمان ومحياه الجميل ينبؤك بمعالم شخصية طيبة الأصل كريمة الخصال .

وإذا عاشرته عن قرب كانت الشجاعة معلماً بارزاً لهذا الفتى الهادئ ، وفي صلاة الفجر في مسجد الشيخ الشهيد عز الدين القسام عليك أن تنظر إلى الصف الأول لترى الفتى لا ينقطع عن الصلاة ، وإذا قدّر لك أن تعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان في بيت الله .. ستجد الفتى الباسم لا ينقطع عن قيام أو تلاوة قرآن أو جلسة ذكر .

هكذا شب الفتى .. ينهل من معين الإسلام الصافي عبر (الشيخ حسين) ، يواظب على الشعائر والعبادات ، يؤدي دوره الجهادي مقتدياً (بأسامة بن زيد) رضي الله عنه .. وها هو يرقد في زنزانته مصاباً بطلق ناري ، وعلى رأسه كوفية الجهاد الحمساوي .

استيقظ الفتى من سنة النوم التي أكسبته سكينة وهدوءاً ... وقذف الله في قلبه معالم التحدي .. باب الزنزانة يفتح ، تتناوله يد غليظة واقتادته إلى غرفة باردة بها مكتب قديم خلفه رجل لم يتبين ملامحه لشدة الإعياء .. خاطبه فوراً أهلاً بالبطل الفدائي .. كم عمرك؟ أربعة عشر عاماً.. ومنذ متى تلبس اللثام وتكتب على الجدران ؟ لم ألبس لثاماً أو أكتب شيئاً على الجدران وأنا ولد صغير .. يضحك رجل التحقيق بكل قوة .. ومن علمك هذا الرد ؟ لم أتعلمه من أحد .. إذاً لماذا هذه الكوفية ؟ كنت ألبسها لاتقاء البرد وأنا ذاهب لصلاة الفجر .

يشتد الرجل في حصاره على الفتى .. ويشتد الفتى دفاعاً .. تقّيد يداه ويضغط على جرحه قبل أن يستقدم طبيب السجن لتضميده .. ولكن هيهات ... هيهات .. هذا الشبل يزأر زأرته الأولى.. كيف ستكون الثانية وما يليها .

مكث (أنور) في السجن أربعة شهور لم يعترف بالتهم المنسوبة إليه ، رغم كل الأدلة التي تحاصره ، خرج (أنور) دون أن يرضي غرور الجلاد . وما أن انقضت الشهور الأربعة وخرج (أنور) حتى عاد إلى حبه الكبير .. الجهاد .. المقاومة ... اللثام ... المسجد .. صلاة الفجر ..

واليوم أنور يعيش بفلسفة التحدي بصورة أكثر شموخاً وعزاً وإباءً يرسمه لنفسه منذ اللحظة طريقاً معمدةً بالدم وممهرة بالجهاد والاستشهاد .

لم يكن التدرب على السلاح متوفراً ، فالتحق متدرباً على فنون القتال ، فأبدع مهارة القتال بالننشاكو (العقلة) وغدا من الأسماء اللامعة في هذه اللعبة واستمر في تواصله الجهادي والعمل ضمن مجموعات ولجان حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لينفذ برنامجها الجهادي بكل أمانة وحرص وإخلاص .هذا الولاء النقي والإخلاص المتفاني دافع كبير (لجماعة الإخوان المسلمين) كي تعرض على الفتى الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة الالتحاق بصفوفها عضواً عاملاً، خاصة وهو يقود النشاط الطلابي في (مدرسة فلسطين الثانوية) ، وهذا النوع من الأنشطة يحتاج إلى رجل فكر وعقيدة، يفهم المنهج ويدرك أبعاد الطريق ، وقد كان أنور نعم الرجل الذي ينتظره مستقبلٌ واعدٌ في العمل الإسلامي .

ويوم أن قررت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تشكيل جهاز الصاعقة الإسلامية الخاص بملاحقة العملاء والساقطين والمنحرفين ، حتى يتفرغ الجهاز العسكري (كتائب القسام) للعمل ضد قوات الاحتلال والمستوطنين ، تم اختيار الفتى المجاهد ضمن المجموعة الأولى للصاعقة الإسلامية في منطقة (حي الدرج) .

هكذا كانت تنقضي أيام (أنور) ، يخرج من بيته إلى صلاة الفجر ، يتنقل بين مواقع الجهاد مشرفاً على عمل لجان (حماس) في منطقة الدرج ، وعاملاً في مجموعة الصاعقة الإسلامية ، يكتب التقارير الأمنية ويرصد العملاء ويحاصرهم ، وينطلق إلى مدرسته يقود جموع شبان (الكتلة الإسلامية) ، ويعود إلى مسجده (عز الدين القسام) يتلقى العلوم الإسلامية ، وينضم إلى أسرته الإخوانية نهاية اليوم يعضد م معاني الإخوة .. ولا يعود إلى منزله إلاّ ليلاً ، ويسأله والده دوماً عن سبب التأخير ويأمره ألا يتأخر ..

لم يكن الفتى يعيش لذاته .. أمضى حياته من أجل الله ، فكان الاختيار الإلهي عزيزاً سريعاً كريماً ... ويوم أن أعُتقلت مجموعة من المجاهدين في منطقة الدرج انقطع (أنور) عن التردد على منزله حذراً واتقاءً حتى قدمت قوات الاحتلال تداهم المنزل الساكن بنور الإيمان الهانئ بنعمة الهداية ... حاصروا المنزل فتشوا كل شيء وقلبوه رأساً على عقب ... عن أي شيء تبحثون ؟ عن السلاح واللثام والصاعقة وحماس والكتلة والمسجد والقسام .. نبحث عن (أنور) ... أين ذهب ؟؟!!

اختفى (أنور) ليعلن التحدي الجديد وتبرز شخصية هذا الفتى الذي أنهى دراسته الثانوية هذا العام فقط .. ولكن رجولته وفورسيته تسبق عمره ..

وها هو يلتحق بصفوف المجاهدين المطاردين من (كتائب الشهيد عز الدين القسام) ، ولم يكن قرار المطاردة خياراً سهلاً ، خاصة في هذا الوقت العصيب ، حيث تحاصر قوات الاحتلال كل شيء بحثاً عن القساميين الاستشهاديين الذين دبوا الرعب في قلب دولة العدو رداً على إبعاد المئات من الإسلاميين إلى مرج الزهور ...

وها هو الطوق الأمني يلف قطاع غزة ... ودوريات قوات الاحتلال على البحر ، وفي البر تملأ كل مكان ... وها هي الحدود مغلقة .. ومع ذلك روح الاستشهاد تهيمن على الفتى الهادئ الصلب الذي امتشق السلاح القسامي بكل عز وإباء ، كم كان يحلم بهذا اليوم .. كم يعشق الخلود .. فانطلق يواصل عمله الجهادي القسامي في أسلوب جديد ... يمتشق السلاح ويخرج مع مجموعة من المجاهدين المدربين جيداً .. ينطلق نحو هدفه على الطريق الشرقي .. قرب مدرسة يافا في غزة .. في شارع الوحدة وعمر المختار... قرب نتساريم .. يصلون دوريات الاحتلال بوابل من رصاص العز لا يهابون المواجهة الدامية ، بل هي حلمهم الذي لا ينتهي... أمل الفتى الباسم لا يمل تكراره والدعاء والتضرع إلى الله أن يرزقه الشهادة وأن يسطر بدمه ملحمة جديدة على الأرض الطاهرة .

ولم يكن (أنور) الفتى اليافع أن يعصي أمراً أو يرفض قراراً ، فكيف إذا وجه إليه هذا الأمر شقيقه وأستاذه (الشيخ حسين) . فلمّا تقدم الشيخ نحو شقيقه طالباً منه الاستعداد للمغادرة كانت عينا حسين تترقرق بالدمع ، أما (أنور) فقد أخفى كل عواطفه ولم تكن إلا إجابة واحدة سمعاً وطاعة .

وما أن اختفى عن الأعين حتى انهمرت الدموع من عيني الفتى تغرق الأرض العطشى للدم .. يضرب بيديه الأرض يتمتم ... ما على هذا تمت البيعة ... لماذا أخرج ..؟ أين أذهب ؟ .. كل الدنيا سجن لنا .. فوزنا الوحيد الاستشهاد هنا .. لماذا لا نستشهد .. لماذا ندفن رأسنا في الرمال .. نقبل الهوان ..

كان يدرك الفتى في ذاته كل مبررات الخروج .. لكنها كانت في نظره مبررات مادية واهية.. يردد .. يجب أن تظل هاماتنا عالية .. كالنجم .. يجب أن تبقى أرواحنا ذاتها تهتف للوطن وتحمل بشارة الحرية والخلاص ... يجب أن نبيع الحياة ونشتري الجنة .. نشتري فلسطين والأقصى .. ليأخذوا منا الدموع والدماء ... المآقي والقلوب ... يجب أن نستقبل شمس البطولة التي تأبى الغروب طالما دماؤنا مداد أشعتها الذهبية النضرة .

ورغم هذه المشاعر الفياضة لم يبد الفتى الطائع أي اعتراض .. ووجه رسائله الأخيرة إلى والده ووالدته راجياً منهم المغفرة والمسامحة ، وألا يحزنوا لفراقه وعليهم دوماً وفي كل سجود أن يدعو له بالشهادة ولقاء الله تعالى ، فهي أمله الوحيد ، ويوصيهم بالصبر والثبات إن رزقه الله هذه الأمنية الغالية .

أرسل أهله له يذكرونه يا (أنور) ألم نقل لك يجب أن تبني مستقبلك بعد انتهاء مرحلة الثانوية ، لماذا تذهب إلى هذا الطريق الصعب الشاق ؟ ... تذكروا إجابته حين رددوا عليه هذه العبارة .. قال لهم بيقين الواثق : " إني أعرف مستقبلي جيداً " .

ما هو المستقبل الذي تعد نفسك له ؟ سوف ترون قريباً ما هو هذا المستقبل .. سوف تغارون مني ، وأرجو أن تفعلوا ما أفعل وتسيروا على نفس المستقبل .

إذاً أيها الفتى تعرف إلى أين تتجه ؟ وما هي مشروعاتك المستقبلية . ، كان خيارك واحداً وطريقك مستقيماً .. سدد الله خطاك . امتطى الركب القسامي صهوة القلق وشد الرحال نحو الجنوب ، حيث تقرر مغادرة أرض ذات الشوكة .. إلى أين ؟؟!!

إلى أين أيها الراحلون ..؟ يردد أنور في نفسه .. أي سماء سوف تظلكم .. وأي بلاد سوف تحتويكم ..؟؟!! هل ستحفظكم على ظهرها أم في باطنها ؟ أما في مقابر الأحياء.. حيث لا حياة مع الحياة ... لماذا تغامرون بمستقبلكم المشرق ؟ .. لماذا تضحون بالشهادة بعد أن غدت قريبة تهيم الروح التواقة للخلود .. وما دريت أنها تسلك درب (طارق القسام) .. الذي يمّم شطر الجنوب ولكن قبلة القلب كانت إلى الجنة والخلود ... فكان له ما أراد ..

ها هو الركب يتقدم للخروج من أرض الرباط بعد أن تم إعداد العدة عبر نفق يربط بين جنوب فلسطين مصر ، وما كاد الركب يضع أقدامه الأولى في طريق الخروج حتى انطلقت رصاصات كثيفة تمنع أصحاب القلوب المهاجرة إلى الله التي صدقت الله ما عاهدت عليها .. تمنعها الهجرة .. تصر على أن تبقى هذه القلوب المتيمة بالشهادة .. المتيمة بالأقصى ألا تغادر ...

رائحة البارود تعبق المكان .. وعشرات منها تستقر في جسد الفتى المجاهد ، (أنور) يمتطي صهوة الخلود برصاصة تستقر في رأسه تنقله إلى دار القرار ، لقد رفض القرار في ذاته ، واختار الخيار الأوحد .. الشهادة .. طريق العائدين إلى درب المستحيل .. احتضن (أنور) الموت وصعد الشبل الباسم إلى عليين كما أراد .. كان يمضي قلبه راحلاً إلى الله .. وأراد الله ما أراد عبده فانتظرته الرصاصة على بوابة فلسطين .

تناسقت أرواح الراحلين .. وتمازجت .. تعانقت .. غطت أفق فلسطين الممتد كحدود الشهادة بلا نهاية .. تكاثفت الغيوم على ألحان أعذب سيمفونية يعزفها البشر على الأرض .. سيمفونية الشهادة والخلود ... تقاطرت ماء السماء في شهر مايو (في مشهد نادر) ، وانتشرت تروي الأرض الظمأى .. تقذف الرحمة في قلوب أهل فلسطين ، تحمل لهم البشارة .. اتقوا الله وجاهدوا في سبيله تفتح عليكم بركات من السماء والأرض .

أي يوم هذا الثامن من مايو من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين ، أي يوم تزف فيه كوكبة مطهرة وثلة كريمة من الشهداء إلى الحور العين في عرس ملائكي عز نظيره ..

سرى الخبر كالنار في الهشيم وانطلق الهتاف والتكبير والأغاريد تؤدي عرس الشهادة على الأرض .. والجمع المبارك تذكر بكل فخر واعتزاز الشبل الوسيم الوضاء .. أي يوم يرحل فيه أنور وحسين وحسن وعماد وبسام وخالد دفعة واحدة .. تذكر الجمع الإخلاص والتفاني حتى أحبه الله ، فجعل محبته في قلوب الناس ...

وآل الفتى الباسم .. دعوا الله قبوله وأخيه الشيخ حسين شهيدين كما أوصاهم ، وقد قذف الله في قلوبهم الصبر، يذكرون الفتى الذي أصر على مواصلة الطريق رغم كل ما وجد من جهد ومشقة .. فقد كانت الجوارح تعبر عن حقيقة ما استقر في هذا القلب الصغير من إيمان كبير بالله تبارك وتعالى وقداسة الطريق الذي سلك نحو جنة عرضها السموات والأرض، ودعوا الله أن يكون شفيعاً لهم يوم القيامة .

وفي ثالث أيام عرس الشهادة أقيم حفل عظيم وداعاً للشهيدين (أنور وحسين) ، واحتشدت الألوف في حفل الوداع تقدم التحية ، للبطل المسافر سريعاً نحو الجنة بعد أن ركب المستحيل وامتشق العزيمة ، فانتصر بهذا الفوز العظيم والاختيار الإلهي الكريم .

*************************************************************************************************

شهادات حية لأسرى حول بطولات شهداء كتائب القسام

الشهيد القسامي

حاتم يقين المحتسب

البلدة القديمة /الخليل

الخليل/مراسل قساميون في جنوب الضفة الغربية

نعرض شهادات حية لأسرى فلسطينيين يمضي بعضهم أكثر من مؤبد عسكري في سجون الاحتلال اغلبهم في سجن نفحة الصحراوي الذي يفتقر الى أدنى المقومات الإنسانية وتتركز هذه الشهادات حول بطولات كتائب القسام والتي استحقوا وسام الشهادة لأجلها وقد أطلقنا عليها اسم شهادات( حية )لأنها حدثت فعلا وأخذت مصداقيتها من المشاركة الفعلية مع هؤلاء الأبطال أو بالحديث مباشرة مع أهالي هؤلاء الأشاوس وها نحن نتحدث عن شهادة جديدة حول بطل من أبطال القسام وستشمل هذه الشهادة أبطالا من الضفة الغربية وقطاع غزة ممن توفرت حولهم هذه الشهادات

ان سلعة الله غالية لا ينالها الأمن صدقت نيته وارتفعت همته واشتد عزمه .. انها الجنة لاجلها بقر بطن حمزة ، وأكلت كبده ، وفي سبيلها قطعت يدا جعفر الطيار وسقط شهيدا بعد أن عقر حصانه ، ولأجلها تفطرت اقدام العابدين وأظمئوا نهارهم وأسهروا ليلهم بعد ما عملوا ما اعد لهم من قصور وانهار وجنان وحور عين ، وفوق ذلك كله رؤية وجه الله رب العالمين ، فهلم أخي في الله يا من تتوق لنيل الجنان لتتعرف على شهيد جعل الجنة غايته ومنتهى امله ، نتعرف اليوم الى الشهيد " حاتم يقين المحتسب " قائد المنطقة الجنوبية لخليل الرحمن ، الداعية والقائد والمجاهد رحمه الله . حيث يعتبر نموذجا فريدا وحالة نادرة قلما تجد مثله ، فعدا عن بذله وتفانيه اللامتناهي لدعوته واخوانه وتكريس وقته للدعوة فانه يعتبر وبصدق مشروعا جهاديا سبق زمانه مستشرقا مستقبل الدعوة وحتمية التوجيه للعمل الجهادي في مواجهة المحتل ، وقد كان متحرقا لتشكيل خلايا جهادية ضد المحتل وعملائه حتى قبل الانتفاضة بسنوات ولعل في نشأته قرب الحرم الإبراهيمي ورؤيته اعتداءات الصهاينة اليومية على الأهالي وتدنيسهم للحرم ومصادرتهم البيوت وهدمها وسعيهم الدءوب لنشر الرذيلة وسط السكان المحيطين بالحرم ، لعل كل هذه الأسباب كانت محفزا له للعمل الجهادي منذ بداية انتمائه للإخوان المسلمين أوائل الثمانينات ، فقد كان يركز على تربية الجيل الناشئ كعماد مستقبلي للعمل الجهادي ويزرع في نفوسهم الغيرة على الإسلام والاعتزاز بتعاليمه وتاريخه من خلال ما كان يقصه عليهم من قصص ابطال وفرسان الاسلام وكثيرا ما يدفع من جيبه لشراء كتيبات وقصص يعطيها للجيل الناشئ لتشجيعهم على التوبة والالتحاق بالدعوة وقد اهتم لتشكيل فرقا رياضية عمل من خلالها على العناية بالخلق والقوة لأشبال المساجد من خلال الرحلات الجماعية والأسر المفتوحة والدروس والمواعظ في كافة مساجد المنطقة خصوصا طارق بن زياد وخالد بن الوليد وقيطون ومسجد عثمان بن عفان في البلدة القديمة ، وكان يشرف على بعض الأسر الاخوانية وتمتع بالحب والقبول بين أصدقائه وإخوانه وأهل المنطقة ، فكانوا يطلقون عليه لقب " الشيخ " وكثيرا ما عمل لحل مشاكلهم وإصلاح ذات البين بأسلوب يرضي جميع الأطراف ولو كلفه ذلك الإنفاق من جيبه الخاص وكان يدعوا دائما للأهل بتكوين المؤمن القوي وقد تدرب هو شخصيا على فن الكاراتيه وحاز الحزام الأسود وفاز في انتخابات نادي طارق بن زياد بحصوله على أعلى الأصوات كان "ابو الحسن " رحمه الله معطاءا مقداما لا يخشى في الله لومة لائم ، حمل الدعوة في قلبه وجاب بها الآفاق وكانت له لمسات خاصة في عمله ونشاطه الدعوي في حياته الخاصة ، فقد كان الأصغر بين اخوته وأخواته ، وقد نشأ يتيما وتربى برعاية والدته التي أحبته وتعلقت به أكثر من سائر اخوته الآخرين ، وارتبط منذ الصغر بالمسجد الإبراهيمي وتلقى دراسته في مدرسة طارق بن زياد وتعلم مهنة دباغة الجلود ، وكان يحرص على اخذ المقاولات في الدباغة خشي ان يضطر الى الارتباط بالمحل فيقيد نشاطه الدعوي عرف عنه عشقه للشهادة التي ملكت عليه حياته ولطالما اجتهدت الوالدة والإخوة لتزويجه ، فيرد عليهن بعد أن يشتروا له مستلزمات الزواج : " ان الحور العين لا تحتاج كل هذه المتاعب والمشتريات وما على الإنسان الراغب للحور العين سوى الموت مخلصا لله وفي سبيل دعوته " . ومع اندلاع الانتفاضة كان حاتم من أوائل المنتفضين يقود المواجهات والفعاليات التي تمتد في جميع أنحاء وأحياء المدينة . وكان همه الأكبر العمل وتوسيع ميادين المواجهة ، مما دفع الصهاينة لاعتقاله أواخر الثمانينيات فكان قلبه يتفطر حزنا بسبب غيابه عن الساحة الجهادية وينتظر عودته لميدان الجهاد لحظة بلحظة ، كما كان يردد في رسائله لاخوانه خارج السجن .

وفي المدرسة اليوسفية تعرض أبو الحسن لأشد الابتلاءات ليحيد عن دعوته ويتخلى عن فكرته حيث كان (فتح) تعتدي على الشباب المسلم بالضرب والتشويه والسخرية وتطلق عليهم صفة (المنفلشين) والخارجين عن الصف الوطني ، وتمنع الدرس الجماعي ايام الخميس والاثنين ، وتحظر جلسات التلاوة ، بل وصل الأمر الى منع التفاعل والاحتكاك مع أي قادم جديد حتى لو كان من ابناء الحركة الإسلامية وقد تعرض ( ابو الحسن ) الكثير من الاعتداءات وتركزت حوله المؤامرات نظرا لصلابته وشخصيته القيادية لدرجة أنهم سكبوا إناء مغلي ملئ بالشوربة على قدميه في معتقل النقب ، مما تسبب يحرق الجزء الأسفل من قدميه وظل يعاني من آثارها حتى لحظة استشهاده ، وستبقى ايام وذكريات ( مجدو الاسود ) صفحات سوداء في تاريخ جلاديها وصفحات مشرقة للشباب المسلم الذي صبروا وقاوم ظلم ذوي القربى ، عداك عن ظلم جلاديها الصهاينة المحترفين وهكذا خرج حاتم بعد عامين من سجنه اشد مضاء وصلابة وعزما من ذي قبل ، في فترة كان العمل العسكري في مدينة الخليل يشهد مرحلة المخاض التي سبق ميلاد " كتائب القسام " المظفرة كجناح عسكري ( لحماس ) وتوالت عليه الضغوط من اهله لكي يتزوج ، فكان يشغلهم بالبحث عن العروس دون ان تكون لديه نية في الزواج خوف أن يورط زوجته في حال سجنه او استشهاده ، علما انه قد عاهد الله ان لا يعود للسجن او يسلم نفسه مهما كانت الظروف ، وتوجه إليه الإخوة ليتسلم قيادة الاخوان في المنطقة الجنوبية او قيادة ( حماس ) فرفض ذلك قائلا : " اذا لم تعطوني اتصالا بالجهاز العسكري فاشترى بندقية من مالي الخاص واعمل منفردا " وفعلا التحق في الجهاز العسكري مع بدايات تكوينه ووصول عماد عقل ومن بعده محمد دخان الى الخليل ، وكان حاتم يصر على البدء بالعملاء اولا لشدة إفسادهم وتبجحهم بين السكان ، ومن اجل التمويه وافق على خطبة فتاة ، قال لها في أول لقاء " إنني معرض للسجن أو الشهادة في اية لحظة " واشترى غرفة نوم ليطمئن قلب والدته ، ولم تمضي شهور معدودة حتى تعرضت المجموعة للاعتقال ، وعلم باعتراف بعض الإخوة عليه ، فغادر البيت وبدأ رحلة المطاردة مع أخيه الشهيد " يعقوب مطاوع " وهرب من على أسطح بيوت البلدة القديمة واثناء مطاردة جيش الاحتلال ركب سيارة وتعرضت لإطلاق نار مكثف ونجى من رصاصهم بأعجوبة وبعد عدة شهور تعرض لصدمة قاسية باستشهاد والدته جراء ضربها بأعقاب البنادق أثناء مداهمة ليلية للمنزل ، فاحتسب ذلك كله عند الله معاهدا على الثأر من الصهاينة الأنجاس وقد كانت مطاردته تسبب رعبا في أوساط المستوطنين والجيش فكان يتعرض أقاربه للاعتداءات المتكررة والضغوط المتواصلة والاستدعاء للقاء المخابرات فتصدمهم شدة محبة الناس لحاتم واستعدادهم لمساعدته في كل شيء وافتخارهم بمعرفته وصداقته ومن في الخليل لا يعرف ولا يحب الشهيد والقائد ابو الحسن !! فقد كان يحرص على صلة الرحم مع اخوانه وأقاربه ويشرف على توزيع الأضاحي وأموال الزكاة على المحتاجين ويملك قلوب الناس بتواضعه وابتسامته وبساطة كلماته ويحوز احترامهم بشخصيته القيادية التي امتاز بها منذ طفولته وثقافته الواسعة التي فاقت بعض الجامعيين ولم يخص نفسه بطعام او شراب ، ولديه مكتبة كبيرة للقراءة الذاتية في منزله ويروي احد إخوانه انه سأل حاتم يوما : هل يمكن ان تعترف لدى المخابرات ؟ قال : 0 لو غرزوا في جسمي الإبر ما اعترفت ، فنحن أصحاب عقيدة وأجدر بالصمود من فتح والشعبية ) وقد روى احد أقاربه قصصا رائعة عن الشهيد حاتم وقال بأن الشهيد كان يتخطى نقاط الجيش الصهيوني بطرق مختلفة وكان قلبه معلق بالحرم الإبراهيمي الشريف وكان يصر أن يؤدى الصلاة فيه باستمرار متحديا الثكنات العسكرية التي كانت موجودة على مدخله كي يتمكن من الصلاة في الحرم الإبراهيمي الشريف وفي إحدى المرات قام بحلاقة شعره نهائيا وتخفى في زي لم أشاهده عليه من قبل ثم وقف على باب الحرم الإبراهيمي فقام الجنود بالنظر إليه بسخرية ودخل الى الحرم ثم اسند ظهره الى جدار الحرم وكان يرفع يديه للسماء بالدعاء ويقول قريبة عندما شاهدت وجهه كان يشع بنور رباني لم أشاهده من قبل وكان في عينيه بريق ولمعان قوي كأنه حصل على أمنية كان يتمناها منذ زمن ومن تلك اللحظة عرفت انه شهيد .

وفي موقف آخر يضيف نفس المواطن أن حاتم أرعب جنود الاحتلال وقادتهم حيا وميتا فبعد استشهاده في منطقة الحاووز الثاني جنوب الخليل تلقينا مكالمة هاتفية من احد القادة الصهاينة واخبرنا بأنه تم قتل مطلوبين ويجنب أن نذهب للتعرف على جثتيهما وقال بأنه قتل حاتم ويقول قريبه أننا توجهنا الى مبنى العمارة الذي كان تحت السيادة الصهيونية وأدخلونا الى غرفة وضع فيها جثتي الشهيدين يعقوب مطاوع وحاتم المحتسب ويقول قريبه إنني تعرفت الى حاتم لحظة رفع الغطاء عن وجهه ولكن أحببت ان أتأكد بأن جثته لم يمثل بها فقلت للقائد الصهيوني لست متأكدا من الجثة ولكن يوجد علامة على جسده أريد أن أتأكد منها ويقول في تلك اللحظة اعتلى الشحوب وجه القائد الصهيوني وقال لي بعصبية بالغة ماذا تقول ليس هذا حاتم فقلت دعني أتأكد فسمح لي بأن أتفقد جسده فقلت حينها للقائد الصهيوني هذا هو أخي حاتم فأجاب الضابط الصهيوني وكيف عرفت؟؟ فقلت لقد رأيت ظهره خاليا من الرصاص وقد تلقى الرصاص في صدره نعم هذا هو حاتم الذي رفض أن يوليكم ظهره ويفر هاربا نعم هذا هو حاتم الذي اعرفه .. ووالله لقد شاهدت يديه مكبلتين بقضبان حديدية من النوع الغليظ وكأنهم يخشون من فراره … وقد كان استشهاده بتاريخ ( 19/5/93 ) بطولية شهد عليها العدو والصديق حيث حوصر الشهيدان حاتم ويعقوب بمئات الجنود فرفضوا تسليم أنفسهم وقاتلوا حتى الشهادة . ومثل استشهاده القدوة للمطاردين من بعد ، حيث استشهد أكثر من خمسة عشر مطاردا قساميا في المدينة دون أن يقبل أي منهم بتسليم نفسه ، ولو فعلها حاتم فمن كان يدري كيف كان حال من سيأتي بعده وقد استقبل نبأ استشهاده بفرح كبير لدى المستوطنين الذين هاجموا منزله بالحي مرددين : ( محتسب مات ) وما دروا ان استشهاده فيه الحياء والنماء والبعث ودعوته وقد أعلنت المدينة الحداد ثلاثة أيام متواصلة ، وكان الناس يقولون : لو طلب منا الحداد أسبوعا كاملا لأغلقنا المحلات لأجل حاتم . وقد استقبل جسده الطاهر بالزغاريد كما أوصى وقال احد ضباط المخابرات : " لقد قتلنا رجلا لو وزع عقله على الخليل لكفاها .

هذا هو حاتم الذي عرفناه وأحببناه وحزنا لفراقه ، لا يقل عن سعادتنا باستشهاده رحم الله ابا الحسن . وجمعنا واياه في جنان الخلد عند مليك مقتدر .

____________________________________________________

شهادة كل من الأسرى

· نوح قفيشة

· زين المحتسب

· موسى عمرو .وجميعهم من الخليل

· وشقيق الشهيد حاتم

أعلى الصفحة

***********************************************************************************************************

الشهيد القسامي

يعقوب يو سف مطاوع

كان خلقه القران وحديثه ينصب أولا وأخيرا حول الإسلام

والدة الشهيد القسامي يعقوب مطاوع من الخليل تروي ذكرياتها مع ابنها البطل بعد مرور 10 سنوات على استشهاده

تقرير خاص:

تفاءلنا بابتسامتها الرقيقة وعجبنا اشد العجب عندما عرفنا أنها تستخدمها كمفتاح فرج لدمعتها السخية … ولأول مرة وبالرغم من عشرات التقارير التي قمنا بإعدادها حول الشهداء إلا أننا لم نلاحظ هذه الحالة ولما سألناها ما سر هذه البسمة الرقيقة وهذه الدمعة الحرّى أجابت هكذا أنا ابكي في لحظات الفرح وابكي في لحظات الحزن وابتسم في كل الأحوال . ولكن ما ان انسجمنا في الحديث حتى زاد يقيننا بسحر بسمتها التي ما شقت طريقها إلا من خلال الدموع وأدركنا ا ان الله يكرم أحباءه وهذا جزء مما أكرمها خالقها به، إنها الأم الصابرة (ام صدقي) والدة الشهيد يعقوب مطاوع من مدينة الخليل.

المولد والنشأة

ولد الشهيد يعقوب يوسف حسين مطاوع في حي واد الهرية في مدينة الخليل بتاريخ 19/5/1973 والتحق بمدرسة النهضة ودرس حتى الصف التاسع في مدرسة النهضة ثم مدرسة طارق بن زياد حتى حصل على شهادة الثانوية العامة ، وبعدها التحق بجامعة القدس المفتوحة كلية الشريعة إلاسلامية . وتقول والدته انه كان متدينا ملتزما بتعاليم دينه وكان أحب المساجد إلى قلبه مسجد عثمان بن عفان ومسجد الكوثر في حي الرامة شمال الخليل وتقول والدته (ام صدقي) ان الشهيد ولد بتشوه خلقي في قدمه وقد تمت معالجته ولكن ظل يشكو من عرج بسيط في قدمه حتى استشهد .

أخلاقه وآدابه

وعن تعامله وأخلاقه تقول ام صدقي انه كان خلقه القران وحديثه ينصب أولا وأخيرا حول الإسلام ، وكان يعتكف باستمرار العشرة الأواخر من رمضان منذ ان أصبح عمره (13) عام وكان كثيرا ما ينصح أهله وذويه بالالتزام بتعاليم الإسلام وكان يقول لهم إنني لا أخاف على التلفاز من الاحتراق لكثرة الاستعمال كما لا أخشى على الكهرباء التي تصرفونها ولكني أخشى عليكم ان تحرقكم النار .

جهاده

وتقول ام صدقي ان يعقوب اعتاد منذ صغره على إلقاء الحجارة على الجيش الصهيوني والمستوطنين وفي إحدى المرات كان عمره (13) عاما ذهب لإحضار المياه بعد ان انقطعت عن الحي وقام بإلقاء الحجارة على سيارات الجيش وقام الجيش باعتقاله وأحيل للتحقيق لمدة 18 يوما وتصف تلك القصة قائلة ان يعقوب عاد من التحقيق دون ان يأخذ أعداء الله منه كلمة واحدة علما بأنه عندما كشف عن ظهره كانت خيوط حمراء وزرقاء تملأ ظهره وصدره لشدة التعذيب ويضيف عندما شاهدها يعقوب بعد إطلاق سراحه ألقى بنفسه على صدرها وعانقها طويلا وكان يبدو عليه الإعياء الشديد وقد قال لها حينها (يا الله يا أمي ما أصعب تحقيق اليهود) والله لن أنسى هذا الأمر . وتقول أمه ان كان يستخدم أسلوب التمويه معنا فكان أحيانا يخرج للكتابة على الجدران وكان يعود للمنزل واثر الدهان على ملابسه وعندما كنا نسأله كان يقول بأنه كان يساعد صديقه في نقل الدهان وانسكب عليه .

وكان أحيانا يقوم بوضع الرايات والأعلام في مكان قريب من المنزل وكنا نشاهده ونطلب منه إبعادها ولكنه كان يقول بأنه لم يضعها وتقول والدته ان شقيقه الأكبر صدقي أصيب في قدمه بعد ان اقتحم جنود الاحتلال حي واد الهرية وقاموا باعتقاله بعد الإصابة وتقول الوالدة أنني كنت في عرس لأحد أقربائنا ولما خرجت شاهدت يعقوب وهو يضع على وجهه اللثام وقد عرفته من عرجته وناديت عليه وأقسمت عليه ان يعود فقال والله لن افعل حتى (افش خلقي فيهم) لماذا اعتقلوا أخي وتقول والدته أيضا ان والده اعتقل وكان عمره وقتها 5 سنوات

عزيمة قوية

وتقول والدته ان والده حاول منعه عدة مرات من الخروج ليلا لأنه كان يشك في انه كان يخرج من اجل فعاليات حماس ولكن كثيرا ما كان يعقوب يتحايل على والده ويخرج وفي إحدى المرات دار نقاش طويل بينه وبين والده وقال لوالده وقتها أنا لن يثني احد عن غايتي وأنصحك يا والدي ان تدعو الله لي كي أنال ما اتمنى.

وتقول ان والده دفعه في إحدى المرات كي يصده عن الخروج فوقع على الكنبة وانكسرت من النصف ورغم ذلك خرج لتعليق الأعلام والكتابة على الجدران .

وتقول والدته ان الشهيد سقط عن سطح المنزل وكان عمره 5 سنوات ومكث 10 أيام في المستشفى وظل فاقدا للوعي واعتقدنا بأنه سيموت ولكن الله انجاه .

وتتندر والدته بالكثير من المواقف التي كان يعملها يعقوب للتحايل على العائلة وتقول ان والده قام بتغيير سكرة الباب وأعطاني نسخة من المفتاح الجديد وقام يعقوب بمصادرة المفتاح دون علمي وقام بنسخ مفتاح جديد عليها وعندما جاء الليل قام بوضع وسادة على فراشه وأخفاها تحت الحرام ثم فتح الباب وخرج من المنزل وقام بفعاليات حماس ثم عاد أدراجه وقد اكتشف والده الأمر وظل ساهرا حتى عاد يعقوب ولما سأله ما هذه الفعلة رد عليه ها انا قد عدت ،وقالت بان الشهيد كان يشارك في إلقاء الحجارة على اليهود الصهاينة وفي إحدى المرات كان يلبس بدلة رياضية وقد جاء إلى المنزل وقد تشققت من الرصاص وقد اخبرني بذلك وقال لي لو قدر لي الموت لاستشهدت من هذه الرصاصات ولكن لي عيش باقي .

مع الشهيد عماد عقل

وكان الشهيد يعقوب مطاوع وهو رفيق الشهيد حاتم المحتسب اللذين استشهدا في نفس الحادثة من أوائل من انضموا إلى تنظيم كتائب القسام والذين نظموا على يد الشهيد عماد عقل الذي جاء من قطاع غزة إلى الخليل ليبعث روح الجهاد والمقاومة .

وتقول ام صدقي أنهم كانوا يسكنون في منزلهم بالقرب من دائرة السير و عندما أرادوا الانتقال إلى بيتهم الجديد في حي الرامة قال لها يعقوب أنا لا ارغب بالمبيت في المنزل الجديد وسأبقى في المنزل القديم وطلب من والدته ان تضع له طعاما لأنه يريد المبيت هناك وتقول الوالدة انها كانت قد أعدت محشي الباذنجان وتقول ان يعقوب كان يستضيف تلك الليلة الشهيد عماد عقل دون ان نعلم وقد علمنا بالقصة بعد استشهاده.

وتضيف ام صدقي في إحدى المرات ذهب لإحراق سيارة مستوطن وقد قام بإحراقها هو وشخص آخر وكان الفصل شتاءا والأرض مكسوة بالثلج وقد ذهبوا إلى مكان قريب للاختباء فيه وقد استدل الجنود على مكانهم بعد ان تبعوا خطواتهم على الثلج وكان ذلك قبل مطاردته بمدة قصيرة وقد اعتقله الجيش الصهيوني ووضعه تحت التحقيق لمدة 10 أيام ولم يحصلوا منه على شيء وتم إطلاق سراحه

زاهد في الدنيا

وتضيف والدة الشهيد ان والده حاول ان يثنيه عن طريقه لكنه كان يواجه هذه المحاولات بإصرار غريب ومن هذه المحاولات قام الوالد بالذهاب إلى أخيه وطلب منه يد ابنته إلى يعقوب دون علم منه ولما علم يعقوب جن جنونه وقال حينها لوالده كيف تريدني تم أتزوج وأنا لا ارغب بذلك فقال الوالد وكيف تريدني ان اسحب كلامي أمام الناس فقال له يعقوب أنت حر وأنا لا أريد الزواج وفي اليوم التالي ذهب يعقوب إلى عمه وقال له أنت وابنتك على راسي وعيني ولكن أنا لا أريد الزواج وأنهى الموضوع بنفسه وكان كثيرا ما يرد أمام أمه دعينا من الحور الطين وحدثيني عن الحور العين.

المطاردة

وتقول الوالدة بعد ان اكتشف أمره أصبح مطاردا لقوات الاحتلال وخاصة بعد ان اعتقل عدد من أفراد الخلية واعترف بعضهم على الشهيد وقد كان الجيش يأتي على فترات متقاربة على المنزل ويقوم بأعمال تفتيش وتحطيم أثاث المنزل وكانوا يضعون كميرات تصوير بالقرب من منزلنا في منطقة دائرة السير وكثيرا ما كانوا يقتحمون المنزل بعد لحظات من دخول بعض الأقارب إلينا لاعتقادهم انه معهم . وتقول الوالدة ان الجنود أغبياء للغاية فقد كنت أضع صورة ليعقوب على منضدة فقام الضابط المسئول ووجه سؤاله لي قائلا ألا يوجد صور ليعقوب مثل هذه الصورة وتضيف الوالدة ان الضباط يأتون لاعتقال أبناءنا دون ان يعرفونهم أو يحددوا ملامحهم إنهم يعتمدون على معلومات مبتورة من العملاء . وتحدثنا والدة الشهيد عن مواقف كثيرة ومثيرة حدثت مع الشهيد أثناء المطاردة ومنها ان قوة صهيونية حاصرت مطعم للعائلة في حي رأس الجورة لاعتقال يعقوب وقد أطبقت الحصار على المطعم وكان الشهيد بداخله وقد قام يعقوب بالتسلل من المكان بأعجوبة ولا يعرفون كيف حدث ذلك وعادت القوة خائبة .

وتضيف الأم ان الشهيد مكث فترة معينة وهو يعمل مع حاتم المحتسب في منشار للحجر في مدينة نابلس وكانوا يتخطون الحواجز بصفتهم عمال فلسطينيين وفي إحدى المرات داهمت قوات الإرهاب الصهيوني منشار الحجر وكان الشهيد يعقوب يلبس جاكيتا شتويا فقام الضابط الصهيوني بإمساكه من كتفه وقال له هل أنت صاحب المصنع وقد اعتقد يعقوب انه تم اكتشافه لكنه أجاب الضابط لا لست انا فذهب عنه الضابط وتسلل الشهيدان المحتسب ومطاوع من المكان وغيرا المكان في اليوم التالي .

وتحدثت الأم عن قصة أخرى رويت لها من قبل التجار في البلدة القديمة الذين أكدوا لها ان يعقوب نجا من محاولة اعتقال أخرى في البلدة القديمة حيث كان يتجول فيها وهو يحمل سلاحه وعندما باغتته قوة صهيونية قام بوضع السلاح في عربة محملة بالكوسا وبعد ذهاب الدورية قام بأخذ السلاح وفاجأ الجمع وكان أيضا يقوم بنشاطاته في البلدة القديمة وهو يبيع كرابيج الحلب حيث كان يلقي الزجاجات الحارقة ويختفي دون ان يشعر احد .

وتقول الوالدة انه ظل مطاردا لمدة ستة اشهر وقبل استشهاده بثلاثة أيام أصيب الشهيد بحالة صحية طارئة حيث كان يعاني من حالة جفاف والتهاب حاد وقد تم نقله إلى مستشفى داخل مدينة الخليل وقد أمره الأطباء بالنوم في المستشفى لكنه رفض وتم نقله إلى احد الأماكن وتقول الوالدة انه أرسل الي لأشاهده وتمكنت تلك الليلة من النوم معه في نفس المنزل وقد أمضيت تلك الليلة على أعصابي وأنا اذرع المكان ذهابا وإيابا أما يعقوب فقد نام نوما هادئا وكان يلبس بنطالا وقميصا أسودين والله لقد شاهدت كأن النور يشع من جبينه واعتقدت ان نجمة مضيئة تسطع بين عينيه واذكر أنني طلبت منه تلك الليلة ان يعمل جواز سفر للهرب إلى الخارج ولكنه رد علي بحزم شديد أنا لن اخرج من الخليل لان روحي معلقة فيها ولن افعل ذلك ما دمت حيا وعندما خرجت من المكان ودعني وأعطاني مسبحة حمراء اللون وقال لي احتفظي بها وربما لن نشاهد بعضنا مرة أخرى .

قصة الاستشهاد

وتقول والدة الشهيد ان قوات الاحتلال كانت تراقب تحركات الشهيد شيئا فشيئا وقد كان حينها يختبىء في منطقة عيصى جنوب الخليل وكانوا يختبئون في مغارة لا يستطيع احد الوصول إليها إلا إذا كان متمرسا كما ان المنطقة لم تكن معروفة لدى الجميع وتضيف ان الشهيد حاتم المحتسب كان معه في لك الحين وفي تاريخ 19/5/1993 حدثت مواجهات دامية بين الشهيدين وقوات الاحتلال وقد أصيب الشهيد حاتم المحتسب برصاصة في الرأس فيما أصيب يعقوب بعدة رصاصات في مختلف أنحاء الجسم وقد أكد احد الرعاة والذي تواجد في المنطقة لحظة العملية ان قوات الاحتلال استخدمت الطائرات المروحية والمئات من الجنود لتنفيذ العملية وبعد استشهادهم قام الجنود بربطهم بالأسلاك الحديدية الغليظة وشدوهم إلى طائرة هيلوكبتر ووضعوهم في مبنى المقاطعة سيء الصيت والسمعة وهناك طلبوا منا التعرف على الجثث وتقول ام صدقي ان أبو صدقي تأثر نفسيا من المشهد وقد اخبر الجنود في حينها انه لم يتعرف على يعقوب وعاد إلى الأم وحينما ذهبت إلى المكان وشاهدت يعقوب وتعرفت عليه وتقول أنها أخذت تشتم حكومة شامير آنذاك وتشتم الجنود الصهاينة وهم ينظرون إليها حتى ان المعتقلين قاموا بالتسلق على نوافذ السجن واستمتعوا إلى كلامها الذي كان قويا مدويا . وفي نهاية حديثها تقول ام صدقي أنها لا زالت تحتفظ بالمسبحة التي أعطاها إياها يعقوب وفرشاة أسنانه وأوصت بأن تدفن بجانبه مهما كانت الظروف في مقبرة أبو اسنينة في البلدة القديمة في الخليل .

****************************************************************************************************************

الشهيد

جميل إبراهيم أحمد وادي

أبو إبراهيم

القائد الماهر

"هكذا يرسم العظام طريق المجد ويمهدون طريق العودة يجعلون من جماجمهم سلما ترتقي الأمة من خلاله لتصل إلى العلو السامق والمجد الرفيع..هكذا تسلم جميل الراية،وهكذا سلمها …. خفاقة عالية عزيزة …هاهو ينظر عن بعد إلى الراية التي فيها جزء منه ويومئ جميل بابتسامته الهادئة المعهودة.. ويغمض عينيه في رضى وابتسام ……"

تنطلق السيارة القسامية يقودها السائق الماهر (جميل وادي) وإلى جواره المجاهد القسامي (عماد عقل)، وفي الخلف المجاهد (أحمد انصيو).

رياح الصباح الأولى تعبق المكان وعشرات السيارات تهاجر نحو الشمال بحثاً عن الرزق،يهمس السائق قائد المسيرة تأكيده للخطة المرسومة بالانطلاق إلى الخط الشرقي لمدينة غزة بعد اختراق الشجاعية وعلى هذا الطريق يمر فجر كل يوم جيب دورية عسكرية للقيام بأعمال الحراسة اليومية تنطلق خلفه سيارة البيجو ثم تتجاوز الجيب العسكري وتنطلق الحمم القسامية من بندقية كلاشنكوف يحتضنها المجاهد عماد عقل وبندقية M16 يتولى توجيهها المجاهد (أحمد انصيو) … والقائد الماهر يتحرك وفق الخطة المناسبة …

وهاهو الجندي الإسرائيلي في الخلف يترنح،وهاهي زخات الرصاص الهدار تصيب سائق الدورية الإسرائيلية والقائد المجاور له يهوي… وينطلق السائق الماهر نحو مدينة غزة وعبارات التهنئة تنطلق من كافة المجاهدين نحو بعضهم البعض ورياح كانون الأول الباردة تلفح الوجوه المجاهدة.وبعد أقل من ساعة تتواتر الأنباء بمقتل الجنود الثلاثة الدين استقلوا الجيب العسكري.سعد الجميع بهذه الأنباء التي أقضت مضاجع الصهاينة فهذا التحول النوعي باتجاه العمل العسكري من قبل كتائب القسام كان نذير شؤم،فها هي الكتائب تتبلور لتشكل قوة عسكرية لا يستهان بها،و ربما لذلك تعجلت إسرائيل خطوتها التصنيعية بهذه العملية التي وقعت في السابع من ديسمبر من العام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين، وبعد هذا العمل الجهادى النوعي الذي هز أركان القيادة العسكرية الإسرائيلية دفعها بعد أيام،وتحديداً في الثالث عشر من ديسمبر إلى اتخاذ قرار الإبعاد الجماعي لكوادر وعناصر و أنصار حركة المقاومة الإسلامية حماس،والجهاد الإسلامي.

كان جميل وادي أكثر السعداء بهذا الإنجاز، فهو قائد المجموعة التي تحركت لهذا العمل الرائع وهو الذي يبدأ الآن مسيرة جديدة للكتائب القسامية … فقد تم اختياره قائداً لمجموعات المطاردين القسامية في قطاع غزة..بعد أن رحل الشهيد ياسر النمروطي الذي كان يرى فيه جميل القدوة في الولاء والإخلاص والجهاد والفدائية، كما كان يرى في المجاهد (يحيى السنوار) المعلم والأستاذ،ولا يملك جميل أمام هذا الفتح المبين إلا أن يخر ساجداً لله رب العالمين يحمده على عظيم كرمه وهو يردد "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى".

عاش جميل هذه الليلة في حلم جميل وقلبه الراقص على أنغام زخات الرصاص يجوب به كل الأرجاء، ومازال يبتهل إلى الله تعالى أن يحفظ المجاهدين خاصة وفي ظل منع التجول الذي فرض على مدينة غزة بأكملها.

يرحل جميل بخاطره إلى خان يونس..مدينة الفداء التي عشقها حتى الثمالة، وهناك اتجه إلى منطقة (مثلث الرعب) الحمساوي المجاور لمسجد الحبيب (عباد الرحمن).. هناك حيث ذاق اليهود أصنافاً من المواجهات الفدائية العارمة ….. طاف في المسجد الحبيب إلى قلبه وتفقد كل جدار وعمود… توجه إلى المحراب..كم يشعر بالانتماء … وهاهو مسجد (الإمام الشافعي) الذي درجت فيه خطواته الأولى حيث تعلم أبجديات العمل الإسلامي،وهاهو ينطلق الآن.. تذكر يوم احتضنته جماعة (الأخوان المسلمين) حتى غدا نقيباً يشرف على مجموعة من الأسر الإخوانية هناك.وتذكر بكل الفخر أستاذه (يحيى السنوار) " أبو إبراهيم " حيث مكث ما يقرب الشهر ويحيى يجري اختبارات أمنية لشخصية (جميل) …. حتى نجح فيها وضمه إثر ذلك إلى جهاز الأمن والدعوة (مجد) في حركة المقاومة الإسلامية(حماس)، وكان ذلك قبل انطلاق الانتفاضة المباركة.

وذكر يوم انطلقت الانتفاضة وأجج لهيبها شباب (الكتلة الإسلامية) والتي كان جميل أحد أبنائها في(الجامعة الإسلامية)، حيث كان يدرس في كلية أصول الدين، ويومها جاءت تعليمات صريحة من المجاهد (يحيى السنوار) بالخروج إلى الشوارع وإشعال الإطارات وتنظيم المظاهرات ورجم الحجارة و إدارة الفعاليات في منطقته.

واستمر جميل بهذا الحجم من المبادرة والنشاط والسبق حتى قدمت قوات الاحتلال إلى منزله في مطلع الانتفاضة، وكان ذلك بتاريخ 18 /1/ 1988 حيث اعتقل مع شقيقه الأصغر(زهدي)ومكث في السجن ست وثلاثين يوماً في تحقيق متواصل، وكانت هذه من أطول فترات التحقيق الفعلية في تلك الفترة. وبعد أقل من شهر من خروجه من السجن، اعتقل أثناء مواجهات لقوات الاحتلال، وفي محكمة عسكرية نال الحكم الأقصى على رجم الحجارة، حيث حكم بالسجن عاماً ونصف العام، وقد تم إعلان اسمه في الإذاعة والتلفزيون الإسرائيلي وفي الصحف العبرية، حيث أصدر الأمر بالحكم الأول من نوعه (اسحق مردخاي) القائد العسكري للمنطقة الجنوبية حينها.

ورحل (أبو إبراهيم) إلى سجن النقب الذي افتتحه وإخوانه، وكم عانوا مواجهة مشقات الحياة في الشمس اللاهبة والمعاملة السيئة والمقومات البدائية.

وككل أبناء فلسطين لابد أن يساعد أهل بيته ، فأتقن أعمال البناء خاصة الطوبار وبدأ يعمل في إجازته الصيفية ليساعد في تحمل تبعات الحياة الثقيلة ، كل هذه الحياة الحافلة بالكد والصبر والمجاهدة .. وهذه التجارب الصعبة خلف أسلاك النقب الثائر أظهرت المعدن النفيس لجميل وادي صاحب الانتماء الحديدي والتضحية الواثقة ، فلم تكن الأيام القاسية والليالي الحالكة تفت في عضده بل زادته قوة وبأساً وطمأنينة وعزماً ومضاء لمواصلة طريق الحق والقوة والحرية ، واختار ذات الشوكة فساهم بشكل فعال في تأسيس كتائب القسام في منطقة خانيونس . وانطلق يؤدي دوره الطليعي الجهادي من خلال إعداد وتجهيز وشراء وتدريب الكوادر الفاعلة واستمر يؤدي هذا الدور الريادي حتى جاء قدر الله ليرسم للمتوثب نوراً وناراً مسلكاً جديداً ودرباً متميزاً للطليعة الفذة من الكتائب القسامية ورجالها الأوائل ، وذلك حين محاولته شراء سلاح لكتائب القسام وتم كشف شخصيته لتاجر الأسلحة، ومن يومها غدا جميل مطارداً وقرر ألا يقوم بتسليم نفسه لقوات الاحتلال ، وكان عليه إذاً أن يخوض مرحلة التحدي بكل العزم و البذل والمضاء .

لم يكن هذا العطاء جديداً على رجل عركته الأيام وخلقت منه هذه الشخصية القيادية الصابرة المتقدمة … فخاض الغمار بكل عزم وثبات ، وكان جميل يوم أعلن قبوله دخول المرحلة مسئول الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) في منطقة خانيونس .

كان هم (أبي إبراهيم ) الأول في تلك المرحلة ثبات تلك النبتة التي تم غرسها ، مما خلق الحرص الكامل واللازم فلا ينام جميل أو يصحو إلا وتراوده أحلامه ببناء الجهاز العسكري واستقرار قاعدة العمل ، وقد كانت تلك الأثناء قاعدة العمل لازالت محدودة بعدد ضئيل ممن حملوا أرواحهم على أكفهم وطاردوا الموت في كل مكان …. حتى لاحقوه في عقر داره . فترى جميل في كل مكان يخطط للعمل العسكري ويراقب وينفذ ويقيم ويشجع ، وكل جوارحه تتحفز من أجل البناء الشامخ للعز التليد والمجد المفقود فلا عجب حين تراه مشاركاً وجندياً متقدماً في عملية قتل تاجري الخضر وات في غرب خانيونس والتي نفذتها كتائب القسام بالاشتراك مع ( صقور فتح ) ، وفي إطلاق الرصاص على دوريات عسكرية قرب ( القرارة ) مرتين متتاليتين .

ويتقدم مع إخوانه في سيارة تحمل لوحة تسجيل صفراء ، ويتمكنوا من خطف الجندي ( ألون كرفاني ) وتجريده من سلاحه وبطاقته الشخصية ويتم طعنه في رقبته وتركه قرب شجرة على الخط الشرقي لمدينة غزة .

وفي عملية ( جاني طال ) الرائعة الشهيرة يشرف جميل على التخطيط الدقيق والكامل كي تتم هذه العملية بالشكل الأفضل من حيث القوة والدقة والمهارة ، ولم يكن يخفى على أبناء الدرب هذا الجهد المتواصل والحرص الدائم والعقل المفكر الذي يتمتع به جميل ،ولما قدر للشهيد القائد ( أبي معاذ ) أن يلقى الله تبارك وتعالى كان وقع الاختيار على (جميل ) ليكون قائداً لكتائب القسام في قطاع غزة ، وكم حزن جميل لفراق رفيق الدرب ( ياسر النمروطي ) وبقى طوال وقته يذكر سوى ( أبي معاذ ) ……. إخلاص وولاء وطاعة ويدعو الله أن يلحقه به شهيداً ، و هاهو جميل ينتقل لمدينة غزة ليتمثل القائد الميداني الفذ ، يعايش الحدث ويدير حرباً حقيقية بين شبان لا يملكون إلا عتاداً بسيطاً محدوداً وجيش مجهز بشكل كامل …

وهاهو جيش الفرسان القساميين يزداد صلابة بقدوم الجندي الفذ ( عماد عقل ) من منطقة الخليل ليكون جندياً تحت قيادة ( جميل وادي ) ، وهاهم ينفذون عملية الشجاعية الرائعة في نقلة موضعية للعمل العسكري في عهد ( جميل وادي ) ..

كان عطاء الله عظيماً حين تقدم العمل العسكري هذه النقلة النوعية في العتاد والعدة وفي نوعية العمليات في وقت قصير تولى فيه جميل زمام العمل ، وربما كان ذلك جزءاً من الكرامة لهذا الرجل الذي أعطى دمه لله ولم يسأل يوماً عن ذاته وشخصه ، وبقى مرابطاً متمسكاً بطريق ذات الشوكة يحترق شوقاً للقاء الله تبارك وتعالى ويرى أن كل ما يعمل إنما هو مهر بسيط لجنة عرضها السماوات والأرض ، فكان حقاً راهباً بالليل ، فارساً بالنهار ، يقف الساعات الطويلة متهجداً لله تبارك وتعالى ، يدعوه يتضرع إليه وأن يكتب له التوفيق والسداد ، وأن يحقق على يديه الفلاح والنصر ، وأن يقبله شهيداً في صفوف الخالدين .

كان الله يسمع دعاء عبده الذي ما تكاسل أو تهاون أو تراجع في طريق الحق والجهاد …..لم يكن يرغب ( أبو إبراهيم)بهذه الأمانة الثقيلة والتركة العظيمة ، فاعتذر عن استمراره في أداء دور القائد الميداني لمطاردي كتائب الشهيد عز الدين القسام ، وعاد سريعاً إلى حضنه الدافىء في خانيونس ، يقود حملة جديدة من العمل العسكري القسامي ، وفي السابع والعشرين من يونيو من العام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين كان جميل يعد العدة لعملية عسكرية نوعية ،حيث تحركت الوحدة المختارة رقم (7) التي يقودها جميل وادي، حيث انقسمت المجموعة قسمين واتجها إلى منطقة دير البلح من الغرب والشرق ، وقرب جدار المستوطنات حيث دوريات عسكرية تقوم بالحراسة ، وحدث هناك اشتباك كبير استمر أكثر من ساعة بين المجاهدين بقيادة المجاهد العملاق ( جميل ) وبين جنود الدوريات الإسرائيلية ، وباستمرار الإشتباك تقاطرت قوات الاحتلال من كل مكان وتفرق المجاهدون في أكثر من طريق للانسحاب .

وكانت السماء تتزين هذا المساء الندي حين تقدم (جميل ) بسيارته قرب (القرارة ) في طريق العودة ، حيث أوقفته دورية عسكرية مفاجئة طلب منه الضابط بطاقة هويته .

وتناول جميل مسدسه الشخصي وفرغ في رأس الضابط ثلاث رصاصات أردته قتيلاً ولم يمهله جنود الدورية ، فأصابوه بوابل من بنادقهم الرشاشة كانت جواز السفر الذي انتظره جميل بفارغ الصبر ليستقر هادىء النفس ،قرير العين ، فقد أدى الرسالة فأحسن وأتم الواجب المقدس فأبدع ، كانت الحور العين تستعد لاستقبال البطل الذي ألقى الدنيا عن كاهله وسطر ملحمة الخلود فما أرهبته رعشات الالتصاق بأديم الأرض وتخفف من كل الأحمال ، وحث الخطى لله الواحد القهار ، بعد أن رفع الراية عالية إلى عنان السماء وأدى الأمانة على خير وجه .

وطار الخبر في أجواء خانيونس ، الفتى الذي أطربكم زخات رصاصه الهدار ، وحلق في فضائكم وبنى لكم في كل موقع شعاراً للعزة ورمزاً للكرامة ، قد استعجل الرحيل …. وزخات الرصاص التي انطلقت لم تكن صادرة عنه ، بل ضده ، تنقذه من وحل الأرض ، ورأسه يلامس السماء …. والحق وهج عينيه والورع ديدنه ..

ذرفت الدموع وتضرعت الأكف إلى الله تبارك وتعالى تدعو للشهيد الذي لن ينسوه بالرحمة والمغفرة .. والجميع يتمتم بصفات الشهيد التي عهدوها عليه … فالشجاعة معلمه والإقدام شعاره والفطنة والذكاء والتخطيط الجيد منهجه … تذكروا جميعاً يوم كان يجوب شوارع خانيونس ويعتقد الكثيرون أنه لا علاقة له بشيء حتى تكشفت الأيام أنه مسؤول الأمن في خانيونس ..ويردد الجميع من سيأتي في عزائك يا جميل ،يطلق لك زخات التحية العسكرية إجلالاً لروحك المقدامة ،كما كنت دوماً تتقدم لتلقي التحية العسكرية ( لأبي معاذ وهشام عامر ) والشهداء الذين سبقوك على هذا الدرب الممهور بالدم المعبق برائحة المسك ……

ولم يخف الإعلام الإسرائيلي فرحته باستشهاد الجنرال والمطارد الأكبر في صحيفة معاريف .. وقد عبرت جريدة ( يديعوت أحرنوت) عن سعادتها بقولها "وقف شلال الدم في المنطقة الجنوبية "…

أما كتائب الشهيد عز الدين القسام فقد نعت قائدها جميل وادي قائد الوحدة المختارة رقم (7) ، وفي خانيونس أقيم سرادق العزاء ولم يرق ذلك لقوات الاحتلال التي أصاب منها جميل مقتلاً عظيماً ، فداهمت قوات موقع العزاء أكثر من مرة وهدمته … ورغم ذلك لما أذنت القيادة العسكرية لقوات الاحتلال باستسلام جثمان الشهيد وحضر آل الشهيد إلى المركز ، ورفع كافة الجند أسلحتهم إلى أعلى تحية للشهيد المسجى … ووري جثمان جميل تحت الحراب وشعاع نور وجهه الوهاج يضيء عتمة الليل الذي تستر به المعتدون ولكن الشهيد أحال ليلهم نهاراً بشعاع الشهادة الساطع من وجهة الوضاء ..وأحل نهارهم ليلاً يوم تكومت جنود دورية الشجاعية قتلى ويوم طعن كرفاني ، وفي موقعة جني طال ، وفي موقعة الاستشهاد في دير البلح .

" هكذا يرسم العظام طريق المجد ويمهدون طريق العودة يجعلون من جماجمهم سلماً ترتقي الأمة من خلاله لتصل إلى العلو السامق والمجد الرفيع …. هكذا تسلم ( جميل ) الراية وهكذا سلمها …خفاقة عالية عزيزة ….هاهو ينظر عن بعد إلى الراية التي فيها جزء منه ويومئ ( جميل ) ابتسامته الهادئة المعهودة … ويغمض عينيه في رضى وابتسام …. يفهمه كل من حقق النصر في زمن الهزيمة …أغمض جميل عينيه ونام …".

*********************************************************************************************************************

الشهيد القسامي

ماهر أبو سرور

ولد ماهر سنة 1971م وسط أسرة عرفت بحميد الأخلاق وحسن السيرة في مخيم عايدة في بيت لحم ، وقد تميزت أسرته بالتدين ، التزام بدعوة الإخوان المسلمين، وهو ما يزال صغيراً يافعاً لا يزيد عمره عن خمسة عشر عاماً .

بدأ مسيرته مع شباب مسجد أبو بكر الصديق " مخيم عايدة " يبني ثقافته الإسلامية ويساهم في نشر الدعوة الإسلامية بين أهله وأصدقائه وأقرانه ، وكان ظهوره متميزاً بين شباب المسجد بعظمته الجادة الدؤوب ،فأينما تنظر كنت تجده شعلة من النشاط ، ففي أيام العمل الطبي التابع للجنة الإغاثة الطبية الإسلامية كنت تجده مسجلاً للحالات المرضية ومساعداً للطبيب ، وممرضاً في وقت واحد ، وعند إقامة المعارض الإسلامية للكتاب وللاستهلاك المنزلي كنت تجده في جهة من جنبات المعرض .

كانت معالم شخصيته تدل على شخصيته قيادية كلها المقدرة على التأثير على الآخرين لما فيها من البساطة في التعامل ومن محبته في الله ومن تفان في العمل ، وإخلاص في التوجه والتنفيذ .

وقد شارك منذ بدايات العمل الإسلامي على مستوى الفني في الفرقة الإسلامية التابعة لفرقة الإنشاد في مسجد أبو بكر " مخيم عايدة " والتي أحيت العديد من الأعراس في المنطقة .

نشاطه في الانتفاضة:

مع انطلاقة شرارة الانتفاضة المباركة أخذت ملامح شخصية ماهر تبرز وتأخذ ملامح القيادة فيها أول من أعطى البيعة لحركة حماس ، وللعمل في طريق الجهاد ، إلى أن يحقق الله فيه إحدى الحسنيين ، النصر أو الشهادة فكانت الثانية من نصيبه .

كان واضحاً للجميع شجاعة ماهر وأقداره وذلك في المصادمات اليومية التي كانت تقودها حماس بشبابها الطلائعي المجاهد ، وكان يظهر حسن تبريره وتخطيطه لكمائن و الأشراك التي تنصب لعربات العدو وجنوده ، كان قائداً ميدانياً بكل ما يحمل هذا اللقب من تفسير ومعاني ، لقد كان يقع تحت إمارته من الشباب المجاهد ما يزيد على يقودهم بعقلية عسكرية حكيمة أقضت مضاجع اليهود وكان لبروزه ولكثرة عمله الجهادى سبب في ملاحقته من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي ، وقد بقي مطلوباً لسلطات الاحتلال خمسة أشهر متتالية ، وكان مما ساعده على ذلك أن له اسماً معروفاً هو "حمزة " أما ماهر فلم يعرف عنه الناس ذلك ، وهم قلة حتى إخوانه في المساجد إلا بعد اعتقاله الأول بتاريخ 26/ 6/ 1989م ، وقد بقي الجيش يبحث عن حمزة ، وأكثر من عشر مرات يلتقي به جنود الاحتلال فيطلبون هويته ومن ثم يخلون سبيله ، فهو في الهويه ماهر أبو سرور وهم يرون حمزة أبو سرور والشخص واحد ، وهم لا يعقلون ، ولكن فيما بعد كشف الأمر المتعقل " حمزة " ماهر ليودع السجن أربعة أشهر قضاها في كيتسعوت حيث جامعة يوسف عليه السلام ، وتخرج البطل ضرغام من تلك الجامعة ، وهو أكثر تصميماً على بذل الجهد والمال والدم لتكون راية الإسلام عالية خفاقة ، فأخذ يعمل ليلاً ونهاراً موزعاً نفسه في أكثر من اتجاه أخذ يجمع الأشبال وطلاب المدارس الإعدادية والثانوية على مائدة القرآن متخذاً الرياضة وتكريم الطلبة وأوائلهم ومكتبة الزهراء العامة في مسجد الصديق " مخيم عايدة " سبيلاً وطريقاً لتحذير مفاهيم الإسلام في أعماق النشء الجديد .

فهو أول من سعى لإقامة مكتبة في مسجد يستفيد منها الصغار والكبار وتقام بها الدورات والحلقات ، فوقف على أبواب المساجد يجمع القرش على القرش حتى كانت المكتبة وأصبح الحلم حقيقة ، فأثثها أحسن تأثيث وملأها بالكتب والمجلدات .

ولقد كان ماهر عضواً في اللجنة الثقافية المنبثقة عن لجنة التوعية الإسلامية في مسجد مخيم عايدة ، فكان مسؤولا عن مجلة الحائط في المسجد والتي كانت تسمى صوت الأقصى . وكذلك عن ترتيب الاحتفالات الخاصة بالمناسبات الدينية كإحضار المحاضرين والمنشرين وقد كان في طور إنشاء فرقة نشيد للأشبال والتي آدت أناشيد قليلة وكنها كانت البداية .

هذا ولا تزال نار الانتفاضة مشتعلة وأخذت الضربات تكال لأعداء الله يشده وعنف عبر الحجارة وقنابل الصوت و المولوتوف فأخذوا يتخبطون وغلبت عليهم العشوائية في كل شيء ، غير أن أحداثاً حساماً ألمت بالمخيم وبدأت نار فتنه تظهر ، وأخذت بعض الأيادي الخبيثة تلعب في الخفاء فكانت فتنة عظيمة بين حماس وفتح ، كشفت وجوهاً وأظهرت كثيراً مما خفي ، إصابات هناك ، وظهر لكل من له عقل أن المخابرات وراء الأحداث ، وحاولت الأيادي الملطخة بالسواد لإساءة للشباب المسلم ، وكان ممن ابتلى ابتلاء عظيماً هو الأخ ماهر أبو سرور ،لكنه كان صخراً لا يلين ، تتفتت عليه المؤامرات والمكائد ، وأخذت المخابرات تعتقل الشباب المسلم الواحد تلو الأخر حيث أقبية التحقيق والعذاب و الآلام ، وخرج الجميع بحمد الله ظافرين متصورين ، وكان ماهر أحدهم والذي استمر معتقلاً رهن التحقيق شهراً كاملاً ثم خرج ، ينطوي على نفسه ويخرج من المخيم ويسكن مخيم العزة بعد أن فتح محلاً للحلاقة ، وهو ممن يشهد له في هذه المهنة ، فمعظم الأخوة كان يقص لهم شعرهم مجاناً محتسباً ذلك عند الله وتدعيماً للدعوة الإسلامية وتجسيد للاخوة في الله .

ويأتي الإبعاد وقتل الضابط نسيم توليدانو من حرس الحدود ، ليجد ماهر إخوانه وقد زج بهم أقبية السجون وفي زنازين التحقيق ، وكانت الضربة الموجعة المؤلمة ( الإبعاد ) التي سارعت في تعجيل ضربة ماهر للعدو ، فكان التخطيط والترتيب ليكون الرد الحماسي بقوة ضربة رابين للحركة الإسلامية فكان مقتل ضابط المخابرات الإسرائيلي حايم خماني الملقب " عفيف " والذي كان لمقتله عظيم الأثر على اليهود عامه وعلى جهاز المخابرات الإسرائيلي " الشين بيت " خاصة ، فقد كان مقتل ضابط المخابرات يعني القدرة العجيبة والمحكمة في اختراق حماس لجهاز المخابرات الإسرائيلي وتوجيه ضربة موجعة ومؤلمة جعلت رؤساء هذا الجهاز ورئيس حكومة العدو " رابين " والذي يشغل منصب وزير الدفاع يطالبون بإعادة ترتيب الأوراق للجهاز والتعامل مع الفلسطينيين بطريقة تضمن سلامة أفراد جهاز المخابرات ، وكانت غنيمة " ماهر " مسدس نحماني وحقيبته قيل أنها تمتلئ بمعلومات أمنية وبأسماء العديد من عملاء المنطقة .

وينسحب ماهر من مكان العملية سالماً غانماً ، لتتبنى كتائب الشهيد عبد الله عزام مسئوليتها عن الحادث ويطارد " ماهر " ليصبح المطلوب رقم واحد لدى المخابرات والجيش الإسرائيلي في فلسطين كاملة ، وتمر الأيام تلو الأيام وماهر القسامي يصول ويجول ويأتي صباح الخميس الموفق 1/7/1993م ينطلق ماهر القسامي مع أخواته محمد الهندي وصلاح عثمان مخترقين قلب العاصمة المقدسة ، قلب القدس ، وقد تسلموا بسلاح الأيمان وبالقرآن يحفظونه في صدورهم لينفذوا عملهم المقدس .

إن اختطاف باص رقم ( 25 ) والذي يشكل باصين جمعا ببعضهما البعض والسفر به نحو الشمال والمطالبة بالتالي :

إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين .

إطلاق سراح الشيخ عبد الكريم عبيد .

إطلاق العشرات من القسامين ومن أصحاب المؤبدات من كل التنظيمات مع فتح ومن الجبهة الشعبية والديمقراطية والجهاد .

وتجرى الرياح بما لا تشتهي السفن ، فيطلق الأخوة النار على شذاذ الآفاق أبناء القردة والخنازير ، ويخرجا مسرعين بعد أن أنحرف الباص عن مكانة وخرجت الأمور عن مخططها وهناك يوقفان سيارة "رينو " صغيرة بها امرأة يهودية ، فيجدان في ذلك مخرجاً للحدث بعد أن تعقد ، وتسير السيارة لتصل مفترق جيلو ( منطقة اللطرون ) وهناك تحاول اليهودية لفت نظر جنود الحاجز فيفطن المجاهدان لذلك فيقذفان جنود العدو بلهيب نار أسلحتهما وبالقنابل ، فلا تنفجر القنابل وتشاء إرادة الله أن يصيب رصاص العدو بعض القذائف الموجودة في السيارة لتتفجر السيارة وتحترق وتقتل اليهودية ويستشهد مجاهدانا القساميان وترتفع ارواحهما عالياً في عليين ، مع الشهداء والأنبياء والصالحين ، ويسطرا بدمائهم ملحمة البطولة والفداء .

أعلى الصفحة

***********************************************************************************************************************

الشهيد القسامي

محمد أحمد حسن الهندي

أبو محمد

شهيد الفداء المقدس

" كان محمد يحمل في خفقات قلبه وفلتات لسانه روح العطــاء والجهاد ،فقد نشأ في أحضان الحجر الفلسطيني الثائر ... ودرج خلف الأسلاك الشائكـة ... وأقسم ولاء البيعة والاستشهاد في خيام الرباط على أرض النقب الثائر ... وسقط شهيداً في ملحمة بطولية عز نظيرها على ثرى بيت المقدس الطهور " كان الفتى اليافع الوسيم ابن العشرين ربيعاً يقفز من موقع لآخر لوضع اللمسات الأخيرة لحفل الفتوحات الإسلامية ، الذي تقيمه (الكتلة الإسلامية) في (جامعة الأزهر) إذ كان أحد طلاب قسم الرياضيات في الجامعة . كان (محمد شعلة) الكتلة الإسلامية التي لا تخبو والمحرك الذي لا يهدأ ... لا يصيبه الكلل أو الملل أو التقاعس ... ترمقه نظرات الإعجاب ونظرات الغيرة بين الفينة والأخرى ، فحيثما اتجهت كان قبالتك بعزمه المضاء وحيويته الدائبة يمارس ألوان النشاط وصنوف الفكر .

كان الفتى اليافع الوسيم ابن العشرين ربيعاً يقفز من موقع لآخر لوضع اللمسات الأخيرة لحفل الفتوحات الإسلامية ، الذي تقيمه (الكتلة الإسلامية) في (جامعة الأزهر) إذ كان أحد طلاب قسم الرياضيات في الجامعة . كان (محمد شعلة) الكتلة الإسلامية التي لا تخبو والمحرك الذي لا يهدأ ... لا يصيبه الكلل أو الملل أو التقاعس ... ترمقه نظرات الإعجاب ونظرات الغيرة بين الفينة والأخرى ، فحيثما اتجهت كان قبالتك بعزمه المضاء وحيويته الدائبة يمارس ألوان النشاط وصنوف الفكر .

ففي حقل الرياضة تجد رياضياً بارزاً خاصة في كرة القدم وألعاب القوى والميدان ، وفي حقل الفن تجد عضواً بارزاً في فريق الفن الإسلامي سواءً في النشيد أو المسرح . وها هو يعد العدة لاحتفال ضخم في (جامعة الأزهر) في ذكرى أمجاد الفتح الإسلامي التي تعيد للإسلام رونقه البهي ومفاخره الوضاءة .

وبعد قليل ترى الشاب يعلو خشبة المسرح ليمثل دور البطولة في مسرحية (مقتل حاييم نحماني) ، ويجسد شخصية البطل (ماهر سرور) الذي استدرج ضابط المخابرات الاسرائيلي (نحماني) وقتله في القدس منذ فترة وجيزة ..

لم يكن يعرف (محمد) حينها (ماهر أبو سرور) أو التقاه لكن قدر الله الغلاّب يرسم خطواته بعناية ليقود (محمد وماهر) إلى نهاية مشتركة عزيزة شامخة .. فبعد أيام من المشهد التمثيلي الذي مثّل فيه (محمد دور ماهر) ... يشارك (محمد وماهر وصلاح عثمان) في مشهد حقيقي رائع .

فقد انطلق المجاهدون الثلاثة إلى بيت المقدس .. إلى الأقصى (أرض الإسراء والمعراج) ومهبط النبوات وكفن الشهداء العظام ... انطلقوا بعد قسم البيعة والعهد على التواصل الدامي حتى الرمق الأخير من أنفاسهم المعبقة بأنسام الماضي التليد عبر زفرات (أبي عبيدة عامر بن الجراح ، وخالد بن الوليد) وصولات (سيف الدين قطز ، وصلاح الدين الأيوبي) والتواصل الحي (لعز الدين القسام وعبد الله عزام) وسلسلة الخلود التي لا تنتهي بانقضاء الحياة الفانية .

فمع مشرق شمس الأول من يوليو من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين وعلى بوابة الباص رقم (25) في (التلة الفرنسية بالقدس) ، استقل الفدائيون الثلاثة الباص - تـزينهـم بزاتهم العسكرية المهيبة وأسلحتهم العزيزة - منذ اللحظة الأولى على الباص بأكمله ، والذي يقلّ ما يزيد على السبعين راكباً ، ويتكون من طابقين وصدرت الأوامر للسائق بالتوجه شمالاً نحو الحدود اللبنانية .. وأصدر المجاهدون بياناً معلنين شروطهم للإفراج عن الركاب والمتمثلة في الإفراج عن (الشيخ أحمد ياسين) ، و(الشيخ عبد الكريم عبيد) ، والإفراج عن خمسين معتقلاً من (كتائب القسام وحماس) ، وعن عشرة معتقلين من (فتح) ، وعشرة من (الجهاد الإسلامي)، وعشرة من (الجبهة الشعبية) ، وعشرة من (القيادة العامة) .

كان هذا الهجوم المباغت في قلب زهرة المدائن التحدي الأكثر جرأة والأخطر لحكومة رابين العسكرية ، ففي عقر دارهم المزعومة تنبت ألوية القسام بأذرعها المهولة تخطف الرهائن وتساوم وهم رهن حدودهم الوهمية وأسلاكهم التي جزأت الوطن السليب كانت تلك إهانة قاسية ولطمة شديدة أصابت إسرائيل وجيشها المتغطرس في قلب ادعاءاته الزائفة بوهم (الجيش الذي لا يقهر) .

فإسرائيل لم تعهد مثل هذا التحدي الكبير ، فلم تقبل بخطف رهائنها في (عنتيبي) بأوغندا وأطلقت سراحهم في عملية عسكرية فهل تقبل اليوم بهذا التحدي المجنون ؟!

وبينما كان الهوس العسكري لجيش رابين وجنرالاته يتفاعل لمواجهة التحدي القسامي المخيف والذي يحمل بصمة عز وفخار جديدة لون متميز ومذاق آخر .. حـدث ما يشبه الارتباك داخل الباص المختطف نتيجة للعدد الكبير المتكدس في الباص وتفرق المقاتلون في جنباته استعداداً لأي طارىء.

وسادت حالة الفوضى وانطلقت رصاصات من أسلحة المجاهدين أصابت رأس البطل القسامي (صلاح عثمان) إصابة بالغة الخطورة رقد على إثرها في المستشفى في حالة موت سريري وينقل إلى غزة بعد اليأس من شفائه ليبدأ بعدها فيما يشبه المعجزة الإلهية مع بقاء إصابته بشلل في أطرافه السفلية .

وتنطلق رصاصات (ماهر ومحمد) لتهدئة الوضع وتصيب بعض الإسرائيليين ولكن كان قد فلت الزمام ، فغادر الفدائيان (ماهر ومحمد) الباص على عجل واستقلا سيارة تقودها إحدى المستوطنات ..

وقرب مفرق (جييلو) العسكري الملاصق للقدس تنطلق قذيفة اسرائيلية باتجاه السيارة لتحرقها تماماً وتقتل قوات جيش الدفاع المستوطنة الإسرائيلية ويرقى الشهيدان (محمد وماهر) إلى الفردوس الأعلى في ملحمة بطولية حقيقية خالدة دونت بأحرف من دم ونار ونور في تاريخ المقاومة الفلسطينية الحديثة .

كان (محمد) يحمل في خفقات قلبه وفلتات لسانه روح العطاء والجهاد ، فقد نشأ في أحضان الحجر ، ودرج خلف الأسلاك الشائكة .. وأقسم ولاء البيعة والاستشهاد في خيام الرباط على أرض النقب الثائر ... وسقط في ملحمة بطولية عز نطيرها وعلى ثرى بيت المقدس الطهور... فقد كان من أولئك الذين تذوقوا حلاوة المواجهة وعذوبة التحدي منذ نعومة أظفاره حيث انطلقت شرارة الانتفاضة المباركة وكان (محمد) في الخامسة عشرة ربيعاً من عمره ورغم ذلك فقد كان بحق أحد جنرالات الحجارة وأحد مفجري الثورة في (مخيم الثورة) حتى أنه في كل مرة يعود فيها إلى البيت يحمد الأهل الله على سلامته فالرصاصات تمر إلى جواره والجنود يعتقلون أمثاله من أطفال الحجارة ، وذات يوم سقط إلى جواره الشهيد شاهر أبو حية ، وفي مواجهة أخرى أصابته رصاصة (مطاط) في رأسه رقد على أثرها أياماً في المستششفى.

وفي محاولة جادة لإعادة صياغة حروف التاريخ مجدداً اعتقل شهيدنا ثلاث مرات كانت الأولى عام 1989م حيث قضى محكوميته البالغة (خمسة عشر شهراً) بتهمة الانتماء لحركة المقاومة الإسلامية " حماس " ، وهناك في جو النقب الثائر وعلى رماله الساخنة المتقدة التهب قلب الفتى ابن السبعة عشرة ربيعاً لينشأ أصلب عوداً وأقوى شكيمة وأعمق أصالة ويرسخ في ذهنه الشعار الذي بايع الله عليه (الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا) ، وكان لتلك الأيام المتقدة بالحيوية والعطاء والتربية والتمحيص الأثر البالغ في حياة فتانا خاصة تلك الأيام والليالي التي عاشها مع الشهيد القائد (ياسر النمروطي - أبو معاذ) النموذج الحي والمثل الأعلى والقدوة الأولى على طريق المقاومة والاستشهاد ، وكم جلس الفتى إلى أستاذه يستمع منه دروس القرآن والتفسير وفنون القتال والبندقية ، فذابت الأرواح وتألفت فروى (محمد لأبو معاذ) قصة الرحيل الأول من (المجدل) إلى (معسكر جباليا) ، وحديث الحسرة والأسى المسكوبة في قلب الوالد والوالدة في ذكرى البلاد المضيعة بين الجبن والخور وبين الخيانة والتراجع وبين قرارات الأمم المتحدة والتمييز الظالم ، وكم كانت قلوب الوالدين اللذين بلغا من العمر عتياً تحن إلى التراب المهجور .

ويحدثه عن تفوقه في المدرسة ومحبة أهله وأصدقائه وجيرانه له وكم كانوا يسعون للحديث معه من أجل التعليق على لسانه ويكررون عليه طلبهم بنطق حرف الراء مراراً ، وكيف كان يمازح عمه ويصارعه ويغلبه في كل مرة ، ويروي الاشتياق إلى مخيم جباليا الذي ولد فيه في السادس من مارس من العام ألف وتسعمائة واثنين وسبعين ... وإن أكثر شوقه إلى رجم الحجارة وملاحقة فلول الفارين يرجمهم بحجارته ..

كانت أنوار القمر تنسرب بين شقوق الخيمة تحنو على الفتى وتواسيه وتربت على قلبه الصغير وترحل مؤذنة ببزوغ فجر جديد ... فجر يكبر فيه محمد ليغطي الوطن بسحابة كبيرة وحلة بيضاء ليغدو علماً يرفرف في سماء القدس ، وفلسطين ولن يطول الانتظار ، ولمّا ارتقى (أبو معاذ) ورحل في قوافل الخالدين أقسم (محمد) على الثأر للدماء الغالية وللأنفاس الطاهرة التي أحبها ..

فقد كان (محمد) ومنذ الانطلاق الأول لقوافل العز القسامية العاشق لفرسان الرجولة الذين أعادوا للتاريخ وجهته وللشعب حيويته وأيقظوا العالم من سبات سطوة الظلم والظلام وأنبأهم أن مرحلة الصعود الإسرائيلي قد توقفت وها هي مرحلة الهبوط قد بدات ، وأن البشارة الأولى لها فرسان القسام وألويته الماجدة وأن المستقبل المشرق الواعد لجيل الإسلام العتيد وزحوفه المنطلقة نحو وعد الله الذي لا يتبــــدل .

كان هذا العشق المتنامي لفرسان القسام مستمداً من عشق الجهاد والشهادة ومن معرفته القريبة بفرسان العز الميامين وغرتهم (ياسر النمروطي) .

وخرج (محمد) من تجربته الغنية في أتون صحراء النقب بكل العزم والإصرار على مواصلة الطريق حتى النهاية التي كان يلمحها بكل عز وشموخ وكبرياء .

وكان يشهد على ذلك الانضباط التام والجندية الكاملة التي أبداها شهيدنا في (مسجد النور) الذي كان أبرز رواده ما انقطع عن منهل العلم والإيمان حتى أعطى البيعة مجدداً لله في عام ألف وتسعمائة وتسعين والتحق بركب جماعة الإخوان المسلمين ، وقد كان مثالاً نموذجياً للرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه .

فكان في تلك المرحلة يمارس دوراً هاماً في مسئولية النشاط الطلابي التابع (للكتلة الإسلامية) ، وقد كان (محمد) خير من يؤدي هذا الدور نظراً لما يتمتع به من جهد دعوي عظيم ومن ابتسامة عذبة لا تفارق محياه الوضاء ، كانت مصدر جذب خاص لعموم الطلاب والفتيان وذلك عدا عن الكلمة الطيبة الحانية الخارجة من القلب تلامس أفئدة إخوانه وتدفعهم للالتحاق بالكتلة الإسلامية ، وكم هم أولئك الذي التحقوا بالكتلة لإيمانهم بشخصية (محمد) ، وكان يؤكد هذا القبول الدائم (لمحمد) ويضيف عليه جو التبعية والإقتناع ، ذلك التفوق الدائم في كل شىء ... في دراسته ، وفي كافة الأنشطة الدعوية والثقافية والرياضية التي كان يمارسها حتى غدا (محمد) علماً بارزاً ونموذجاً فذاً راقياً فأعادت قوات الاحتلال اعتقاله مرة أخرى لمدة أسبوع واحد قضاها في زنازين التحقيق في معتقل أنصار (2) .

والشهيد في تلك الفترة ، وما قبلها كان على علاقة وطيدة بالشهيد (عماد عقل) رفيق دربه ، فقد اعتقل وإياه في القضية الأولى وهما أبناء جيل واحد ومسجد واحد ، ففي مرحلة المطاردة (للشهيد عماد) انضم (محمد) إلى إحدى خلايا القسام العاملة في المنطقة الشمالية بالإضافة إلى مسئوليته عن جهاز الأحداث في مخيم جباليا .

كان (محمد) يمارس دوره الكبير والعظيم بكل سرية وكتمان واتـقـاق ولم يشعر به أحد ، وفي السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك ، والموافق للعشرين من مارس من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين كانت رصاصات العز القسامي تنطلق في (مخيم جباليا) قرب المقبرة في عملية (ليلة القدر) الشهيرة ليسقط جنود الاحتلال صرعى ..

انطلق بعدها (محمد) مغادراً منزله ومخيمه وكعادته دون أن يشعر به أحد يُتوقع أنه كان أحد المخططين لهذه العملية الجريئة .. رحل عن أهله دون أن يخاطب أحداً ولم يروه بعد ذلك إلا في حلة الشهادة البهية رغم أنه كان يخاطب أمه عن المطاردة والمطاردين والجهاد والمجاهدين وكتائب القسام وفرسانها الميامين الذين لقنوا العالم دروس الشجاعة والإقدام .

ورغم ذلك فإن والدته لم ترمقه قبل المغادرة ... كان يخشى أن يمنعه ضغط العاطفة مواصلة الطريق التي أحب خاصة وأن والدته مصابة بمرض في القلب ويخشى وقوع مكروه لها فآثر الخروج الصامت .. وربما كان أثر ذلك واضحاً إضافة إلى التميز الكامل بالسرية في قرار (محمد) بالمغادرة إلى الضفة الغربية فوراً دون المكوث في قطاع غزة .. لذلك لم يتردد اسمه في قائمة المطاردين من (كتائب الشهيد عز الدين القسام) .

وفي الضفة الغربية صال وجال البطل المقدام ومارس هوايته التي يعشقها وخاصة فنون الجهاد والمقاومة المسلحة فشارك في قتل اثنين أو ثلاثة من المستوطنين واطلاق النار على أهداف اسرائيلية ثابتة ومتحركة والمشاركة في قتل عدد من عملاء منطقة الخليل .

ولكن عاشق القدس والأقصى كان يرحل كل يوم إلى ثرى المقدس يتمنى أن يرويه بدمه ويعطره بعبق الشهادة على أرضه ... وكان لحوحاً في كل مرة أن ينفذ عملية استشهادية ، في بيت المقدس ، وكان له ما أراد حين سقط شهيداً عزيزاً مدرجاً بدمائه في ملحمة الباص (25) البطولية على ثرى القدس الطهور .

وفي تلك الأشهر المحددة كان آل الشهيد في قلق دائم نتيجـــة غياب ولدهم المتواصل .. فقد كان يمثل (محمد) الإبن الحاني الحبيب والصدر الدافىء لأهله جميعاً وإخوانه الثلاثة وأخواته السبعة ..

ولما تناقلت الأخبار استشهاد قرة عيونهم ومحط آمالهم ما زاد قولهم عن (إنا لله وإنا إليه راجعون ... ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). مع أنه كان ينتابهم شعور أكيد أن (محمداً) لابد أن يصل إلى هذه النهاية ، فقد كان صادقاً مع الله في طلب الشهادة ولابد أن يصدقه الله ، فنال محمد أسمى ما تمنى .

وتذكر الأهل الفخر والشموخ الذي أسبغهم به ولدهم ، فقد قُتـل رجلاً عزيزاً كريماً في ميادين المقاومة والفداء ... لم يعش لحظة لنفسه بل عاش حياته لدينه ووطنه وشعبه .

لذلك فإن محمد اسمه ورسمه منقوش في صدورهم ومحفورٌ في خفقات قلوبهم ذكرى تمنحهم الإباء والكرامة والعز والشموخ وتعلمهم الصبر والثبات وحسن البلاء وصدق العهد مع الله .

وتنادى أهل جباليا ومخيمها الثائر أن المخيم فقد أحد رجاله الأبرار ... كان شهماً مقاتلاً عنيداً جسوراً ، فقد قاتل بشموخ وكبرياء لم يحن رأساً إلا لله رب العالمين ، وقد أقيـم سرادق عظيم لاستقبال المهنئين ، وقامت قوات الاحتلال بهدمه أكثر من مرة ثم أحرقته رداً على ضربات (محمد) الموجعة ، ورغم ذلك فقد تقاطر الناس على بيت العزاء ، وشارك أهل المخيم دون استثناء في وقفة واحدة تضامنية ، وقد حرص أبناء المخيم بكافة انتماءاتهم على اقتناء صور الشهيد ، ورفعها فوق الرؤوس في بيوتهم ومحلاتهم ، وعند احضار جثمانه بعد ثمانٍ وأربعين ساعة من استشهاده لم يسمح إلا لعدد محدود من أفراد عائلته بدفنه .

ولما أطل الجمع المحدود على جسد الشهيد المسجى كان وجهه يطفح بالنور ورئحته الزكية تعبق المكان وكأنه نائم لم يمت بعد ، رغم أن جسده كان مشوهاً بشكل كبير نتيجة الانفجار ...

وورى الجثمان الثرى في لحظة وداع مؤثرة ولكن ما يقذف في القلب السكينة أنهم يوارون جثمان شهيد مقدام كان مميزاً في كل شىء في حياته وفي صموده ، وفي شهادته على أرض القدس الطيب ، وفي عزائه الذي حوى كل القلوب .

رحم الله شهيدنا المقدام - الشمعة التي أضاءت زاوية في طريق الجهاد والمقاومة حتى غدت هذه الطريق مدرسة كاملة عبّدهـــا (محمد وإخوانه) بدمائهم الزكية في مرحلة تهاوي وتراجع لم تعرف لها المنطقة مثيلاً .

رحم الله الشهيد الغالي ، فقد بكاه كل من عرفــه ، بكاه الحجر والشجر .. وبكاه مسجد النور وإخوانه الذيـن عاشوا معه في هذا المسجـد ، ولكنها الطريق تعبّدها الدماء ولا بد من ضريبة للعز والكرامة .

**********************************************************************************************************************

الشهيد القسامي

بهاء الدين عوض إسماعيل النجار

أبو عـوض

شهيد الرفض المقدام

" تحرك (بهاء الدين) وبدأ بإعداد قنبلته التي ستفجر الصمت المهزوم ... وقـد ترسخ في ذهنه أن الصمـت موت ولا بد من رسم (خارطة فلسطين) بالدم ، وعلى الأمة أن تسمع الصوت المدوي ... وقد آن للدم القاني أن يغسل ما علـق من أوحال الـذل والـهوان " في الثالث عشر من شهر سبتمبر من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين ، وقف (بهاء الدين) أمام شاشة التلفاز حيث نقلت كل وكالات الأنباء مراسيم توقيع اتفاق أوسلو في حديقة البيت الأبيض ، وكان بهاء الفتى اليافع ابن التاسعة عشرة ربيعاً ذا التربية الإسلامية الخالصة منذ نعومة أظفاره ينظر إلى هذه الصورة وأقدامه ترتعش وشعر أن روحه تقفز من صدره غضباً وكمداً ... وقد فهم ما يخطط لشعبنا وقضيتنا من مؤامرات وكأنها تعرض الآن في سوق النخاسة ...

تذكر حينها المسيرات الجماهيرية الحاشدة التي انطلقت في مخيمه الحبيبب (الشاطىء) رفضاً لمؤتمر (مدريد) في مشاهد متضاربة أبرزت حال التضاد في الشارع الفلسطيني ورفع الجمهور الأقصى مجسماً على النعش وسارت جنازة رمزية تهتف " باعوا الأقصى في مدريد " ... ولكن كل كوامن نفسه تتحفز للانطلاق ، وإعلان الرفض الكامل وبشكل عملي قوي لحالة التردي والخنوع التي تسيطر على المنطقة العربية بأكملها ... كيف لا يشعر ذلك وهو الذي تربى على موائد القرآن ... وعاش حياته متقشفاً زاهداً ... كيف لا يتحرك وقد غدا اليوم أحد مقاتلي (كتائب الشهيد عز الدين القسام) .

كان يشعر بهاء بضرورة الخطوة التي تنغرس في خاطره ... ومن اللحظة تحرك بهاء الدين وبدأ بإعداد قنبلته التي ستفجر الصمت المهزوم ... وقد ترسخ في ذهنه أن الصمت موت ولابد من رسم (خارطة فلسطين بالدم) وعلى الأمة أن تسمع الصوت المدوّي ... وقد آن للدم القاني أن يغسل ما علق من أوحال الذل والهوان .

ما كادت ساعات النهار تنقضي حتى كان اللغم العظيم قد تزين ليرسم قدراً جديداً ... في هذه المدة الزمنية اليسيرة بدأ كل شىء ناضجاً في ذهن الفتى الأسمر المقدام ... وانطلق يقضي ما بقي من ساعات ليلته الأخيرة في صلاة وابتهال خالص إلى الله تعالى راجياً منه أن يقبل القربان العزيز وأن يكتب له القبول والتوفيق ...

ثم انطلق من ثم لأداء صلاة الفجر في مسجده الحبيب (الشمالي) وقد تراءت الشهادة أمام ناظريه ، فبادر ابن عمه بالقول : حينما يعود أبوك من مرج الزهور فقل له ابن عمي بهاء قبل ما يستشهد قال لي " سلم على أبيك " ، وكان حينها عمه (إسماعيل النجار) مبعداً في مرجع الزهور . وعقب صلاة الفجر قال لأحد إخوانه " اليوم سوف تسمع عن عمليات المجاهدين " .

وانطلق (بهاء الدين) في هذا اليوم الأغـر أي بعد ساعات فقط على توقيع (اتفاق أوسلو) ليمثل بجسده أول الرد العملي على حال التهاوي العربي الكامل على أعتاب النظام العالمي الجديد ...

كان العزم الوثّاب والمضاء الأكيد والإصرار المتناهي صفات تلازم شهيد الرفض المقدام ...

وانطلق فتانا الأسمر يحمل في قلبه الإرادة الفولاذية والإيمان الراسخ بعظيم الجزاء ، وحول خاصرته حزامه الناسف الذي أعده بعناية ... وانطلق بعد أن أمضى الساعات الأولى من نهاره الأخير أمام باب مسجده الحبيب ... انطلق نحو هدفه .. حيث مركز شرطة الرمال (العباس) الذي كانت تتمركز فيه قوات الاحتلال الاسرائيلي .

وفي الطريق الممتد بين مخيم الشاطىء ومركز الرمال جالت كل الصور في خاطر بهاء ... صور الماضي بكل قسوته وآلامه ... بكل سعادته وآماله ... ووقف على كل الأبواب في نظرة أخيرة وصافح بيده كل الأيدي التي لامسته وتشابكت مع يده وشدت عليها تمنحه العزيمة والمضاء ... ولامس كل القلوب الدافئة التي مسحت عنه غبار الأيام والأحزان ... ترقرقت الدموع في عينيه والوجوه تتراءى أمام ناظريه ... تودعه ... تدفعه .. تدعو له ووهبته مزيجاً من العنفوان والتحدي .

انطلق يحمل ذكريات حياته ... هذه الحياة التي دخلها لأول مرة حين وهبه الله تعالى لوالديه في شهر نوفمبر من العام ألف وتسعمائة وأربع وسبعين ... نما الفتى الأسمر وما عرف في دنياه إلا أسرته الصغيرة الفقيرة المكونة من شقيقين آخرين وتسع شقيقات ويحتويهم منزل قرميدي في أطراف (مخيم الشاطئ) ، وأسرته الأكبر قليلاً أبناء (المسجد الشمالي) حيث داوم على الصلاة وقراءة القرآن منذ نعومة أظفاره ، ومارس مع أسرته هذه كافة الأنشطة والهوايات ، فقد كان ضمن مجموعات حفظ القرآن الكريم ، ووفقه الله تعالى حيث حفظ أجزاءاً من كتاب الله تعالى ، ومارس كرة القدم كحارس مرمى لفريق المسجد الشمالي ، كما التحق بفرقة (مرج الزهور للنشيد الإسلامي) .

كان كل شىء يبدو هادئاً وادعاً في مسيرة حياة (بهاء الدين) المقدام ، إلى أن أطلت الانتفاضة الفلسطينية المباركة ... وكان (مخيم الشاطـىء) من أقطاب المواجهة والتحدي لقوى الاحتلال على امتداد الوطن المحتل ...

توقفت الذاكرة طويلاً عند هذا الحدث الجلل في تاريخ الشعب الفلسطيني ، ومكث شريط الذكريات عند كل زاوية وزقاق في المخيم ... وكلها كانت شواهد صامتة على اقدام الفتى اليافـع ، تذكر ساحة الشمالي ، والسوق والمشتل وشارع البحر وشارع النصر ... وكيف كان يمارس هوايته المفضلة في رجم الحجارة من زاوية إلى زقاق ، ومن ساحة إلى ميدان ، ومن شارع إلى مسجد ...

تذكر ذاك اليوم المشهود من شهر نوفمير يوم استشهد (خالد الأستاذ وأحمد الحصري) في (حي الشيخ رضوان) ... كاد بهاء حينها يفقد صوابه ، خرج إلى شارع النصر وافتتح بوابة المواجهات في جبهة جديدة أرهقت القوى العسكرية المحمولة ... كان بهاء يتمنى أن يذيقهم طعم الموت ألف مرة ، كيف لا ... وقد خطفت رصاصاتهم الغادرة أحب من رأت العيون من هذا الشباب الفلسطيني المسلم ... الغض الطري القائم لله والساجد بين يدي مولاه .

وتلمس على يديه أثر الحرارة التي تركها دم الشهيد (أحمد صبح) الذي فارق الحياة بين يديه إثر إصابته برصاص الجيش النازي ، وتذكر (بهاء) حينها على الفور مواقع اصاباته ، فقد أصيب مرتين بالرصاص ، مكث على إثرها الليالي الطوال تنقلاً بين المستشفيات والعيادات... وأخيراً يتحسس موقع الرصاص ويقول لو تحركت الرصاصة إلى أعلى أو إلى اليسار قليلاً لكنت الآن من الشهداء ... ويصحو من أحلام اليقظة على المهمة الاستشهادية الجليلة التي يسعى لها ... ويردد في نفسه ربما قدّر الله لي شهادة أقوى وأفضل .

هذا النشاط الانتفاضي الدائب ، والإقدام الجرىء لم يكن بعيداً عن العيون التي حرصت على تحديد مراكز القوة في أزقة المخيم ، فتناقلت الألسنة اسم (بهاء الدين النجار) المواجه العنيد الذي امتاز بالكر المفاجئ والفر المراوع ، فاعتقلته قوات الجيش الاسرائيلي وأودع خلف القضبان في اعتقال إداري مرتين متتاليتين ...

وفي هذه التجربة الجديدة اكتشف (بهاء) ذاته مجدداً وعرف في شخصيته مواصفات لم يكن على اطلاع بها ... الحيوية والنشاط والعطف على الإخوان .

فكان يستيقظ لصلاة الفجر قبل الجميع ، ويقوم بتسخين المياه وإعدادها ليتوضأ جمهور المصلين ويرفع الأذان لصلاة الفجر ويوقظ إخوانه للصلاة .

كل ذلك كان يدور في ذهن الفتى كشريط سينمائي مسجل بأدق تفصيلاته وهو يسير لقطع المسافة القصيرة بين (مخيم الشاطىء) و(مركز العباس) على الطرف الجنوبي من المخيم . لم يكن يحلم (بهاء) بأكثر من الشهادة في سبيل الله ، ولم يكن ليكتم أحلامه تلك ، فقد زهد في الدنيا وطلقها وارتحل إلى الله تعالى ، وقد تخفف من العبء وأكثر من زاد التقوى .

وتجسد أحلامه بالشهادة يوم أن التحق بركب حركة المقاومة الإسلامية (حماس) فكان أحد جنودها في (جهاز الأحداث) في (المسجد الشمالي) ، وكان انضمامه إلى (كتائب الشهيد عز الدين القسام) الجناح العسكري لحركة (حماس) حلم حياته الذي تحقق متزامناً مع حلمه الأكبر الشهادة والموت في سبيل الله تعالى .

وكان دوماً يردد أن الجهاد في سبيل الله فرض عين من أجل تحرير الأقصى الأسير ، وكلما ألمت بالشعب الفلسطيني مصيبة أو نفذ أحد المجاهدين هجوماً كانت تتحرك المسيرات في مخيمه الحبيب ، وكان بهاء علماً في كل هذه المسيرات تحمله الأعناق ويظل يهتف " عَ النار بنهجم عَ النار " ، والجميع يردد خلفه ..

كان صدى صوت الجمهور المشارك في المسيرات يتردد صداه في آذان (بهاء) ... " عَ النار بنهجم عَ النار" ، " وباعوا الأقصى في مدريد " ، " وما بعيد الدار إلا رجالها " . ويدفعه ذلك دفعاً إلى مركز شرطة العباس ليحاصر المجرمين بدمه ويقتلهم بلحمه وعظمه ، ويشل أيديهم التي طالما آذته وشعبه المضطهد .

ورحل بهاء بخياله إلى بعد عمليته الاستشهادية وظل ينظر إلى مخيمه تعمه المسيرات التي تهتف بهاء شهيداً بعد أن كانت تحمله على الأعناق يهتف لها ، وكيف سيكون سرادق العزاء.. وكيف ستغطى صوره كل زقاق في المخيم الذي أحبه وعشق كل ذرة رمل فيه ... كان (بهاء الدين) يقترب كثيراً من مركز العباس وذهنه يرحل في كل الدروب ليدرك في آخر لحظات حياته كل شىء ... ولن يدرك ... تيقظت كل حواس الفتى الأسمر وهو يقترب بشكل كبير من (مسجد العباس) الملاصق تماماً لمركز شرطة الرمال ..

تقدمت يمين بهاء (الدين) وهو يبتهل إلى الله تعالى أن يسدد رميته وأن يلحقه بركب الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً ...

كانت قدمه تقتحم البوابة الخارجية لمركز الشرطة حين أشار عليه الشرطي بالتوقف للمعاينة .. أخرج (بهاء) من جيبه ما يشبه الورقة موهماً الشرطي الحارس أنه قد حصل على الأذن اللازم للدخول ... واقتحم بحركة سريعة الباب الداخلي ... أدركه الشرطي الحارس وفجأة انفجر كل شىء ... غطى الدخان المنطقة ... وانطلقت رصاصات هوجاء من سلاح جبان أرعبه المشهد المتفجر ... تناثرت أشلاء (بهاء الدين) غطت المكان ... بل غطت كل فلسطين ... وفتحت كل الأبواب الموصدة ... أبواب القلوب والأبصار ... وأبواب الجهاد والاستشهاد .

تناثر لحم (بهاء) ... وتكسرت عظامه لتمثل سلاحاً يطعن الغاصبين ... تناثر بها كما كان يحلم فتناثرت معه أشلاء مغتصبي أرضه ، ومنتهكي إرادته ...

وأصاب المكان العسكري الحصين حالة من الهلع والفوضى ... ودب الرعب في قلوب رجال الشرطة الاسرائيلية وهم يستيقظون على هذا المشهد الذي يمزق قلوبهم رعباً وخوفاً ...

تناقلت وكالات الأنباء الحادث الجديد الذي يكشف عن مدى الاستعداد الفلسطيني للتضحية حتى آخر قطرة دم من أجل فلسطين والأقصى . وأعلنت الاذاعة الاسرائيلية أن خسائرها محصورة في اصابات طفيفة ، بينما أصدرت (كتائب الشهيد عز الدين القسام) بياناً عسكرياً نعت فيه شهيدها (بهاء الدين النجار) وأعلنت عن إصابة أربعة جنود اسرائيليين .

وتناقل الناس الخبر .. لم يصدق أهل المخيم ما حدث ... (بهاء الدين) كان بالأمس ... بل صباح هذا اليوم بينهم يغدو ويروح واليوم تمزقت أشلاؤه في كل طرق وروابي وجبال وسهول فلسطين ، ولما وصل الخبر إلى أهله ووالده قال الحمد لله الذي شرفنا باستشهاده وندعو الله أن يجمعنا به في مستقر رحمته ... فيما انطلقت المسيرات في المساء تعلن رحيل الشهيد وتعاهد على مواصلة الطريق .

ونصب للشهيد سرادق عزاء واسع أمه أهالي قطاع غزة لأيام عدة ... فيما حضرت قوات ملثمة من (كتائب عز الدين القسام) إلى سرادق العزاء وأطلقت النار في الهواء تحية لروح الشهيد المقدام ، وبعد أيام أحضرت قوات كبيرة من الجيش الاسرائيلي ما تبقى من جثمان الشهيد وسمحت لعدد محدود جداً من أهله باستلام الجثمان في منتصف الليل ودفنه ... ليوارى الجسد الطاهر المعطاء بتفاني وصمت ، ويلقي عليه الأهل والأحباب نظرة الوداع الأخيرة عبر صوره التي غطت جدران المخيم .

وبعد انتهاء العزاء أقامت (حركة المقاومة الإسلامية - حماس) حفل تأبين في ساحة (مسجد الشمالي) التي طالما شهدت (لبهاء) الدين صولاته وجولاته العديدة في كافة صور العطاء اللامحدود . وهكذا تحقـق (لبهاء الدين)

ما أراد ، تناثرت أشلاؤه في كل الميادين وانغرست عظامه في شتى الدروب لتنبت شجراً للحرية وأكاليلَ للغـار يروي دمه المهراق في وسط مراكز الاحتلال هذا الشجر لينبت في كل صعيد عزماً جديداً وإرادة صادقة خالصة للعطاء من أجل التحرير والبقاء .

**********************************************************************************************************************

شهيد الفداء الوفي

أيمن صلاح سلامة عطا الله

أبو مصعب

" انفجر (أيمن) .. لينفجر معه كل شىء .. انفجر بعد أن تراءت أمام ناظريه صورة الفدائي المقاتل (أبو يحيى) يقفز من بيت لآخر وصواريخ الاحتلال تدك المنازل تحيلها ركاماً وأطلالَ ، ثم ترمي جسد (الشيخ زكريا) نموذجه الفذ الحي بقذيفة الظلم و الجبروت ... وتراءى أمامه قسمه بالثأر (لأبي يحيى) وها هو يدفع ضريبة الوفاء لدماء المجاهدين من دمه "

في حي الدرج الصابر المرابط وبجوار (مسجد عز الدين القسام) علم الجهاد والاستشهاد في فلسطين ، كان القدر يرسم خطوطه بعناية حيث أطلت شمس الثامن عشر من مايو من العام ألف وتسعمائة وثلاث وسبعين .. ومعها أطلت شمس (أيمن) .. وهذا الوليد الميون كان الوالد (صلاح عطا الله) متفائلاً بهذا الوليد الجديد ، فأسماه (أيمن) .

نما (أيمن) في أحضان والديه ونشأ على كل خصال الخير ، فوالداه يحملان الحرص الكامل والكافي لهذه التربية العميقة وإلى جواره (مسجد القسام) يرتاده في كل الصلوات يؤدي فريضة ربه ويحفظ من كتاب الله تبارك وتعالى ويتفقه علوم الفقه والتشريع والأصول والتفسير والحديث حتى نشأ فتىً عالماً جاداً ، ومارس إضافة إلى ذلك كافة الأنشطة الرياضية وتخصص في ألعاب القوى والننشاكو والكراتيه حتى اكتملت فيه عناصر القوة .. قوة الإيمان وقوة الساعد. فكان هذا الأيمن منذ طفولته الناعمة الهادئة راغباً في منهج القوة والعسكرية حيث كانت جميع ألعاب طفولته .. الملابس العسكرية .. وقطع السلاح البلاستيكية .

وإلى جانب كل ذلك كان الفتى مجتهداً في دراسته ، فالطلبة المتفوقون (أيمن) لهم عنوان وارتقى في مراحل دراسته حتى الثانوية العامة أنهاها بنجاح من (مدرسة فلسطين الثانوية) .. ولم يشغله هذا التفوق المتنوع من أن يمارس نشاطه الدعوي في كافة ميادين الدعوة ومجالاتها.

فقد مثل (أيمن) أمام أقرانه القدوة الإسلامية الصادقة عبر قيادته الكفؤ لنشاط (الكتلة الإسلامية) في مدرسة فلسطين الثانوية ، فحيثما جال بصرك في مدرسة فلسطين وجدت (الأمير أيمن) في مواقع العمل والدعوة والدراسة يؤم طلاب المدرسة في الصلوات .

ويعقد حلقات الدعوة إلى دين الله تبارك وتعالى فترى عشرات الفتيان يلتفون في صعيد واحد يستمعون إلى كلمات (أيمن) الموجهة نحو الارتقاء بمعاني الخير والفوز والعطاء .. ونحو تربية المثل العليا في أذهان الجيل الثائر المنتفض . إضافة إلى نشاط أيمن الملوس في مسجده (عز الدين القسام) ومن ثم (مسجد فلسطين) بعد انتقال سكنه إلى الرمال .

فقد كان يعقد أيمن الجلسات التعليمية للأشبال والفتيان في المسجد يلقنهم أبجديات العقيدة الإسلامية وأسس التوحيد السليم إضافة إلى الفكر الحركي النير المتزن .

كان كل هذا النشاط الدائب مولداً أساسياً لفضل الشهداء وأجر الشهادة ، لذلك لا ترى (أيمن) إلا متحدثاً عن الشهيد وما أعد الله له من الأجر الجزيل أو عن الشهادة والاستشهاد ودورها في رفع الظلم والعدوان عن المسلمين .

وكم حدّث والدته عن الشهادة وكم أنه يتمناها .. وعن (كتائب القسام) ودورهم المحوري في العمل الجهادي العسكري وفي تفعيل ساحة فلسطين بالنار والبارود ، وإغراق المحتل بالدماء .. وأنه يتمنى أن يلقى الله شهيداً وهو في صفوف (كتائب القسام) .

والدافع لكل ذلك هو رفع راية (لا إله إلا الله محمد رسول الله) خفاقة عالية ، لا تعلوها راية.. ولا تدانيها فكرة .. ولا تقف أمام جحافلها قوة من قوى الأرض الظالمة المستبدة . كم كان يحلم بتحرير الأرض من دنس الاحتلال الصهيوني الجاثم على هذه الأرض الطهور .

كانت الأم الحنون تستمع الى الابن العزيز بكل شغف وحب وحنان ، فهي ترى في (أيمن) مهجة القلب وقرة العين ، فما رد لها كلمة وما تأخر في تلبية طلب لها .. عدا عن مساعدته لوالده من خلال ممارسته لأعمال الدهان والطراشة .. كل ذلك كان دافعاً لأن يكون (أيمن) قريباً جداً من قلب والديه .

كل هذا الحب وهذا العطاء كان كافياً لأن يلتحق بجماعة الإخوان المسلمين .

وقد سبق ذلك مواكبته الفعاليات المتنوعة التي أداها (أيمن) بوجوده في صفوف حركة المقاومة الإسلامية (حماس) شعلة الإنتفاضة الفلسطينية ليمثل أيمن وقوداً إضافية لحرب التحرير الشعبية التي خاضتها الجماهير الفلسطينية بكل قوة وعنفوان في تحدٍ واضح لجبروت إسرائيل وظلمها المتغطرس . فمارس كافة الأنشطة الميدانية بدءاً برجم الحجارة وملاحقة جنود الفرار أمام جنرالات الحجارة وأطفالها الميامين إلى تنفيذ فعاليات الإضراب بنصب المتاريس وإشعال النيران في الإطارات .. إلى أن يخط بعلبة طلائه شعارات الإنتفاضة والجهاد والمقاومة .

ولكن التخصص المتميز (لأيمن) كان في إعداد (الزجاجات الحارقة والعبوات الناسفة) ، وقد تتلمذ في ذلك على يد القساميين (بشير حماد ، وعماد عقل) حيث كان (أيمن) ساعداً أيمنَ لهما ينقل السلاح ويرصد أمن الطريق .

وفي أبريل من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين وبينما كان يخوض عدد من شباب حركة حماس ومجاهدوها حرباً حقيقية داخل أقبية التحقيق في سرايا غزة كان (أيمن) يترقب .. فأخبر أهله برغبته في وداع أحد إخوانه وغاب عن البيت عشرة أيام كاملة دون أن يعلم عنه أحد شيئاً.. خلالها حضرت قوات معززة من جنود الاحتلال داهمت بيت (أيمن) بكل عنف وقوة وبحثوا عن (أيمن) في كل مكان .

كان قد أختفى .. قذفوا كل شىء .. حطموا كل ما وقع تحت أيديهم وهددوا (آل عطاالله) أنهم سينسفوا المنزل كاملاً إذا لم يقوموا بتسليم (أيمن) .

ومن هنا بدأت مرحلة جديدة في حياة (أبي مصعب) وخطوة جريئة نحو المواجهة والتصعيد والتحدي .. وزادت هذه المرحلة ضراوة بعد استشهاد البطل القسامي (زكريا الشوربجي) .. حينها أعلن (أيمن) أنه جندي من (كتائب الشهيد عز الدين القسام) وعلى درب (أبي يحيى) الشهيد العملاق حيث أشهر (أيمن) مسدسه وأقسم على الثأر لدم (أبي يحيى) الغالي .. وفي أشهر المطاردة الأربعة (لأبي مصعب) ، لم تكف قوات الاحتلال عن ملاحقته ومداهمة منزله ليلاً ونهاراً ، يأتون ليلاً يطرقون البيت ويدّعون أنهم أيمن قادماً لزيارة أهله ويأتون ليلة أخرى يدعون أنهم (أكرم) شقيق (أيمن) المبعد في (مرج الزهور) .

كانت هذه مرحلة نوعية جديدة في حياة (أيمن) محدودة في عمرها الزمني ، عظيمة في جزيل الأجر من الله تبارك وتعالى فيها للصابرين المجاهدين ، كان (أبو مصعب) يتمنى في كل صباح جديد أن يكون هذا آخر أيامه ، على هذه الأرض وأولها إلى جوار الملك العادل ذي الجلال والإكرام .

وكم أرسل لوالدته يطلب منها أن تكثر له من الدعاء ويرجوها المسامحة كما يرجو والده وكل من يلقاه أن يسامحه .

. فقد كان على سفر قريب .

وأرسل لأهله أن يرسلوا من يؤدي فريضة الحج إلى بيت الله الحرام نيابة عنه وأن يزور قبر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم - نيابة عنه - وأن يدعو له هناك أن يقبله الله شهيداً ..

كل ذلك كان يثبت بشكل قاطع كم كان يرحل (أبو مصعب) إلى جوار ربه في خلواته .. في أهازيج قلبه الآزف للرحيل كل حين ، ولم يكن يغفل (أبو مصعب) على حداثة سنه أن استشهاد إخوانه واستشهاده كذلك ما هو إلا مرحلة محدودة في طريق الصعود للعملاق الإسلامي .

وأن الخطوات لابد أن تتكامل وتتواصل عبر شلالات الدم المهراق وعبر تواصل أجيال المسلمين الناشئة على مائدة القرآن العظيم لأن ذلك هو الضمان الأكيد لتحقيق الهدف الأعظم ببناء دولة الخلافة الراشدة . وكان في كل هذا الوقت لا يغفل عن تواصل الجهاد القسامي على أرض الرباط ، كان يحلم بذاك اليوم الذي يرتقي فيه إلى عليين في جوار (زكريا وياسر ومروان) بإذن الله تبارك وتعالى .

فساهم في هذه المرحلة بفاعلية في إعداد العبوات وتجهيز المقاتلين بالعتاد ، والتخطيط الدائم لملاحقة أعداء الله تبارك وتعالى .

وكان من ضمن العمليات التي شارك في التخطيط لها (عملية مسجد مصعب بن عمير) في (حي الزيتون) الشهيرة والتي قتل فيها جنديان .

ولما نشطت خطوات عقد اتفاقية بين إسرائيل والفلسطينيين كان أيمن له رأي آخر .. فلا يريد عيش تلك المرحلة ولا رؤية هذا التعايش غير المتوازن بين مغتصبي الأرض ينهبون كل شىء وبين شعب مظلوم مضطهد تتقاذفه الفتن وتمضي به الأحداث بعيداً عن حقيقة الصراع .

وما كاد يقترب الثالث عشر من سبتمبر من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين ، حيث يسود الضجيج الإعلامي بالمؤتمر المنشود لتوقيع إتفاقية أوسلو في البيت الأبيض الأمريكي ، وقبل الاحتفال بيوم واحد كان (أيمن) يختار طريقه ويرحل .

استقل سيارته (504) وجهزها وعلى طريق الشيخ عجلين انطلق أيمن يبحث عن فريسته المنشودة وما أن ظهرت سيارة إسرائيلية عسكرية تتبع مصلحة السجون ، إضافة إلى سيارة عسكرية أخرى تقدم أيمن منهما بكل عزم وثبات ، وملاصقة بهما انفجر أيمن لينفجر معه كل شىء .. انفجر بعد أن تراءت أمام ناظريه صورة الفدائي المقاتل (أبو يحيى) يقفز مطارداً من بين إلى آخر .. وصواريخ الاحتلال تدك المنازل وتقصف البيوت الآمنة لتحيلها ركاماً وأطلالاً.. ثم تقذف جسد (الشيخ زكريا) نموذجه الفذ الحي بقذيفة تحمل كل الظلم والجبروت .

وتراءى أمامه قسم الثأر (لأبي يحيى) .. وها هو يدفع ضريبة الوفاء لدماء المجاهدين من دمه ويذيقهم بعض ما أصاب المسلمين من كمدٍ ومشقةٍ .

انفجر (أيمن) لتهوى معه فتات بني يهود يمزقها أشلاء ويقذف فيهم الرعب لتهوى جنودهم المدججة المغرورة صاغرة أمام عمالقة مجاهدي القسام ، وما أن تناقلت أنباء استشهاد أيمن عطاالله ، وتفجير سيارتين إسرائيليتين حتى سادت صورة جديدة أطفأت جزءاً من أهازيج الإعلام المزيف ، بحلول السلام على أرض السلام وسادت أجواء المنطقة غمامة تصاعدت من نيران (أبي مصعب) الثائرة وانفجاره المدوي .. غمامة حجبت أكاذيب الإعلام وأزاحت غيوم الكذب والنفاق لتبرز حقيقة الواقع المر الذي يعيشه شعب فلسطين .

وفى رحيله الحر الأبى الكريم كتب (أبو مصعب) لأهله آخر هذه الكلمات أوصاهم فيها بتقوى الله تبارك وتعالى وسلوك درب المرابطين ، وما إن وصل الخبر إلى آل الشهيد حتى حمدوا الله تبارك وتعالى وفرحوا لزفاف ولدهم إلى الحور العين ، فقد كان يرغب بهذا الزفاف الميمون وأنه كان راغباً في الشهادة محباً لدرب الشهداء العظام .

وقامت والدته بأداء ركعتي شكر لله تبارك وتعالى أن قر عينها برؤية ولدها شهيداً ثم رددت مراراً قول " إنا لله وإنا إليه راجعون " .

لم يفاجأ أحد باستشهاد (أبي مصعب) ، فقد كان قراره مصيرياً راسخاً بالشهادة وكان التنفيذ مسألة وقت ، وكل من علم باستشهاده أيقن أن القطاع فقد شاباً خلوقاً يذكرونه بالخير العميم والصفات الحميدة ... فقد كان مثالاً للمعاملة الطيبة يقابل كل من يلقاه بابتسامة وبشاشة وود .

أما إخوانه في (مسجدي القسام وفلسطين) فقد انهمرت الدموع من عيونهم حزناً على فراق (أيمن) الغالي وفرحاً باستشهاده ، فقد كان يحدثهم دوماً عن حبه للقاء الله تبارك وتعالى وحبه للقاء الصحابة الأجلاء في جنات النعيم ثم دعوا له بالمغفرة والرضوان ..

ونصب سرادق كبير عزاء للشهيد الذي زاره الشبان من كافة أرجاء القطاع تقديراً للشهيد العزيز ، وقد أقامت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) احتفال تأبين للشهيد أمه الآلاف إكراماً للشهيد الغالي ، وحضرت إلى الاحتفال خلية قسامية أطلقت الرصاص في الهواء تحية للشهيد القسامي (أيمن عطا الله) .

وفي ليالي سبتمبر قدمت قوات معززة من جيش الاحتلال تصطحب أشلاء الشهيد الغالي وبرفقة عدد محدود من أبناء العائلة وورى (أبو مصعب) الثرى ليرقد رقدته الأخيرة هانئاً .. باسماً .. فقد حقق ما يريد .. ونال ما تمنى بإذن الله تعالى .

*******************************************************************************************************************

شهادات حية لأسرى حول بطولات شهداء كتائب القسام

الشهيد القسامي

محمد عزيز رشدي

مخيم العروب /الخليل

الخليل/مراسل قساميون

نعرض شهادات حية لأسرى فلسطينيين يمضي بعضهم أكثر من مؤبد عسكري في سجون الاحتلال اغلبهم في سجن نفحة الصحراوي الذي يفتقر الى أدنى المقومات الإنسانية وتتركز هذه الشهادات حول بطولات كتائب القسام والتي استحقوا وسام الشهادة لأجلها وقد أطلقنا عليها اسم شهادات( حية )لأنها حدثت فعلا وأخذت مصداقيتها من المشاركة الفعلية مع هؤلاء الأبطال أو بالحديث مباشرة مع أهالي هؤلاء الأشاوس وها نحن نتحدث عن شهادة جديدة حول بطل من أبطال القسام وستشمل هذه الشهادة أبطالا من الضفة الغربية وقطاع غزة ممن توفرت حولهم هذه الشهادات

الحمد لله الذي جعل الشهادة وساما يزين به اولياءه ممن باعوه المال والنفس وجعل الشهادة اصطفاء واختيارا يختار بها الشهداء من بين المجاهدين ويتخذه لنفسه كما يقول صاحب الظلال الشهيد قطب : فما هي خسارة ان يستشهد في سبيل الله من يستشهد ، انما هو انتقاء واختيارا ، وتكريم واختصاص ان هؤلاء هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة ليستخلصهم لنفسه سبحانه ويخصهم بقربه "

ونعيش واياكم مع شهيد من هؤلاء الرجال الذين اعادوا بعث الحياة في جسد الامة الذي ظن اعداؤها انه هامد لا حراك فيه ، مع مجاهد لطالما طرق أبواب الجنة يستفتحها بمفاتيح الشهادة وجماجم الصهاينة القتلة.

ميلاد الشهيد وأخلاقه

الشهيد البطل محمد عزيز رشدي ، من مواليد مخيم العروب قرب الخليل عام (1969م) حيث نشأ في أسرة محافظة نشأة مباركة فارتبط بالمسجد منذ نعومة أظفاره ، وامتاز بذكائه وتفوقه في دراسته ، فدرس المرحلة الابتدائية والإعدادية في مخيمه ، ثم انتقل الى مدرسة الحسين بالخليل لإكمال دراسته في الفرع العلمي ، ومن ثم أكمل تعليمه في معهد المعلمين في رام الله في الرياضيات ، وترأس العمل الإسلامي ، فكان رئيسا لمجلس الطلبة وأميرا للكتلة الإسلامية ، وعرف بين إخوانه بشجاعة وقوة عزيمته وعلو همته وعزة نفسه لدرجة انه كان يرفض اخذ أية مساعدة من الدعوة رغم شدة حاجته وفقره فقد رهن حياته لدعوته ودافع عنها في كل موقع حيث ترأس قيادة حماس في المخيم لفترة طويلة وتحمل في سبيل ذلك الكثير الكثير ، وعانت معه أسرته ، حيث تعرض " محمد " للضرب عدة مرات في المخيم وفي سجن مجدو في سبيل مواقفه الدعوية الصادقة ومع ذلك رفض الانتقام لنفسه عندما أصبح بامكانه أن ينتقم وفي إحدى مشاكله مع احد العملاء في المخيم ، قام العميل بمساعدة الجيش بإحراق محل ملابس لأسرة شهيدنا فكانت الخسارة فظيعة خصوصا ان مبلغا من المال كان في المحل فاحترق مع البضاعة وهكذا عاشت الأسرة حياة فقر شديدة امتدت فترة من الزمن لدرجة ان بيته كان يخلو أحيانا من ثمن الخبز او الشاي وكان قياديا في بيته رغم انه الثاني في الترتيب بين اخوته ، غير أن قوة شخصيته جعلته صاحب القرار بعد والده بالطبع فقد كان بارا بوالديه مطيعا لهم اشد طاعة محبا لإخوانه الذين كان لهم شرف الانتماء للدعوة من طريقه فكان يدرسهم ويعلمهم الأخلاق النبيلة ويغرس فيهم حب الجهاد والتضحية.

تعرضه للإعتقال

وقد تعرض للاعتقال عدة مرات لثنيه عن طريق الجهاد والدعوة فقد كان له شرف قيادة مسيرات ومواجهات ونشاطات الانتفاضة في المخيم ، ولم تكن فعاليات الانتفاضة العادية ترضي طموح واندفاع شهيدنا (محمد عزيز رشدي) الذي كان يحمل في صدره ثورة بركان وفي قلبه بحر إيمان وفي خياله تتزاحم صور فرسان الإسلام أمثال خالد والمثنى والقعقاع وهكذا مضى محمد يطور قدراته وامكاناته حتى استطاع الانتماء الى كتائب الشهيد عز الدين القسام التي رفعت البندقية والمصحف طريقا للتحرير.

وبدأت المُطاردة

** وفي 5/5/93 بدأت رحلة المطاردة للاحتلال بعد ان انكشف نشاطه العسكري وعلاقته بالشهيد ماهر أبو سرور الذي كان مطاردا بعد قتله ضابط الاستخبارات الحقير ( نحماني) في القدس ، ونفذ (محمد عزيز) خلال مطاردته سلسلة عمليات أولها قتل الكولونيل الصهيوني قرب مستوطنة تقوع في منطقة بيت لحم بصحبة الإخوة خالد الزير رحمه الله ومحمد طقاطقة ، وبعد مجيء إخوة مطاردين من غزة نفذ بمشاركة الشهيدين ( إبراهيم سلامة ) و (عبد الرحمن حمدان) عملية قرب معسكر الفوار حيث أطلقوا خلالها النار على سيارة عسكرية فقتلوا سائقها وأصابوا آخرا بجراح ، وقد شارك خالد الزير في هذه العملية ،

** كما قامت مجموعة القدس القسامية بناء على أوامره باختطاف الجندي الصهيوني (يرون حين) وخطف سلاحه بعد ان اضطروا لقتله جراء انكشاف العملية أمام جندي آخر كان يقف في محطة الباص ، غير أن فشل هذه العملية للإفراج عن الأسرى والمطالبة بإعادة مئات المبعدين الذين طردتهم إسرائيل الى مرج بتهمة قيادة الانتفاضة ، حيث أرسل المجاهدين (ماهر ابو سرور ومحمد الهندي رحمهما الله والمجاهد صلاح عثمان ) لاختطاف باص مزدوج من التلة الفرنسية في القدس ولم يقدر النجاح للعملية ، حيث أصيب صلاح عثمان بجراح خطيرة واستشهد ( ابو سرور والهندي ) أثناء انسحابهما بسيارة قرب حاجز جيلو مصطحبين معهم رهينة صهيونية ، حيث قام الجيش بقصف السيارة بالصواريخ

عناء العائلة

وقد تعرض والده وأخوة الشهيد للأذى الشديد من اليهود. فتعرضوا للاعتقال وقد حكمت سلطات الاحتلال على شقيقه رفعت بالسجن لمدة 15 عاما بتهمة الانتماء لكتائب القسام والمعتقل المذكور هو طالب في السنة الرابعة في جامعة الخليل وقد اعتقل قبل عامين أثناء استعداده للزواج بالقرب من مخيم الفوار حيث تسكن خطيبته الصابرة وحطم منزلهم في كل عملية تنفذها بنادق المجاهدين وكان صبرهم عظيما ومضربا للمثل والقدوة وكثيرا ما كان (محمد) يقول لوالده : اصبر يا ابتاه فان عمر المختار جاهد الطليان وهو ابن سبعين عاما ولا تنسى الشهيد عز الدين القسام ، وكان يلقى من والديه كل الدعم والمساندة واما عن قصة استشهاده فقد توجه يوم (13/9/1993م) بصحبة إخوانه محمد طقاطقة وخالد الزير وإبراهيم سلامة وعبد الرحمن حمدان لتنفيذ عملية عسكرية في وادي سعير حيث نصبوا كمينا لباص ودورية عسكرية وأطلقوا النار فأصابوه إصابات مباشرة ، انسحبوا بعدها بسيارتهم وكان يقودها خالد الزير وأثناء انسحابهم وفي أسفل الوادي ، فوجئوا بدورية راجلة تسير على جانبي الطريق ، فأطلقوا نيرانهم نحو الجنود الذين ظنوهم من أنصار اوسلو لأنهم كانوا يضعون صورة عرفات وأعلاما فلسطينية على سيارتهم فأصيب الجنود المشاة إصابات مباشرة برصاص المجاهدين واعترف العدو بإصابة اثنين منهم بجراح خطرة ، واثنين بجراح متوسطة ، وعندما أمر (محمد عزيز) السائق أن ينطلق بالسيارة وكانت تقف على حافة الطريق انقلبت وخرج الإخوة منها بسرعة خشية وصول الجيش للمكان وكان آخرهم محمد عزيز ومحمد طقاطقة ، حيث أصيب محمد عزيز إصابة بالغة في رأسه ويده ، فربط طقاطقة يده بعنقه وأسنده لصعود الجبل للانسحاب من المكان وفي منتصف الجبل جلس شهيدنا وقال لأخيه لا أستطيع المسير اعطني مخازن الذخيرة وانصرف في الحال ، فرفض طقاطقة أن يتركه وحيدا فأصر على ذلك وصرخ غاضبا كإشارة أننا لن نموت معا ما دام هناك مجال لنجاة احدنا وكانت حكمته في ذلك والتي كان يرددها كثيرا (لا تضع البيض في سلة واحدة ) ، وتمترس محمد خلف صخرة ومعه بندقية جاليلي وقنبلة يدوية حيث تصدى لقوات الاحتلال التي أضاءت المنطقة بقنابل الإنارة وشاركت طائرة مروحية في الاشتباك وأطلقت نيرانها نحو محمد فأصيب برأسه إصابة مباشرة شطرته الى نصفين بعد قرابة ساعة من المواجهة مع الصهاينة وفاضت روحه الى بارئها تلعن أولئك الذين تخاذلوا وتنازلوا ودنسوا تاريخ نضالهم بمصافحة المجرم رابين صاحب سياسة تكسير العظام لأطفال الانتفاضة وفي لحظات الاشتباك كان إبراهيم سلامة يختبئ على شجرة قريبا تحميه عين الرحمن حين مر الجنود من تحته دون اكتشافه رغم إصابته أما عبد الرحمن حمدان فقد اختبأ في منزل قريب فيما اختبأ في منزل قريب فيما اختبأ خالد الزير في المستوطنة المجاورة للموقع وهكذا ضحى ( محمد) بروحه لإنقاذ اخوانه فكانت حياته مثل شهادته فداءا لإخوانه ودعوته .

رحمك الله يا ( محمد ) وهنيئا لك كرامة الشهادة وشرف الجهاد وعلياء الجنة وفردوسها كأني بك ذلك الرجل الذي حدث عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : " عجب ربنا تبارك وتعالى من رجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه ، فعلم ما عليه فرجع حتى أريق دمه فيقول الله للملائكة ، انظروا الى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشغفا فيما عندي حتى أريق دمه ، أشهدكم أني قد غفرت له " رواه ابو داود، هنيئا لك يا محمد الشهادة .. والسلام على روحك الطاهرة وذكراك العطرة .

____________________

شهادة الأسير جلال الراعي

***********************************************************************************************************************

الشهيد القسامي

أشرف بشير محمد مهدي

أبو محمد

شهيد التضحيــة

" أشلاء أشرف الممزقة تحمل قسمات البيعة والولاء الصادق.. وتحمل ريح المسك والعنبر والدم والشهادة ، ويُوارَى أشرف التراب ليعلن نهاية رحلته في دنياهم على عجل للقاء الله تبارك وتعالى ليطوى صفحات حياته المحدودة بسنى عمره الزاخرة بالعطاء والجهاد والتضحية والفدائيـة "

في الثاني عشر من سبتمبر من العام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين كان العالم يتأهب من أجل الاحتفال بتوقيع اتفاقية أسلو .. كان البريق الإعلامي والضجيج الدولي يغطي كل شىء .. وغزة تغفو على أنغام الوعودات البراقة بشرق أوسط جديد .. وإن غزة سنغافورة الشرق .. فعليها أن تتأهب وترتدي حلتها البهية المزركشة ..

كان أوسلو يقتحم كل البيوت والضجيج يفتح كل القلوب ، وتشرئب الأعناق لتجاوز الهموم اليومية للمواطن الفلسطيني ليغفو قليلاً على موسيقى أحلام السلام الموعودة ، فئة قليلة محدودة كانت تضع أمام ناظريها خياراً وحيداً ، حيث التصقت بذكر الأولين وأنساهم الشهداء القساميون الذين أودعو المرحلة عصـارة قلبهم ..

في هذا اليوم كان الضجيج الإعلامي يقتحم كل المواقع في غزة ، بينما تقتحم قوات الجيش الإسرائيلي (مسجد الرضوان) في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة ، وفيه عدد محدود من الشباب المتواجدين فانطلقوا يدافعون عنه باستبسال وفدائية متناهية .. وكان من أولئك الشبان الشهيد (أشرف) .. الذي هاجم عدداً من الجنود بيديه .. إلا أنهم تكاثروا عليه وألقوه أرضاً وانهالوا عليه ضرباً لينهمر منه الدم يغطي أرض مسجده الحبيب شاهداً على دفاع الفتى عن بيت الله حتى الرمق الأخير .. واقتاد الجنود كافة الشبان بعد أن شددوا وثاقهم بينما تركوا أشرف يغطي دمه الأرض ظناً منهم أنه فارق الحياة أو في حال الخطر الشديد .. لينقل إلى المستشفى لا يقوى على الحراك ، وفي اليوم التالي مباشرة وبعد أن أفاق أشرف وصلته الكلمات الأولى من أخيه (أيمن عطا الله) " الذي استشهد صباح هذا اليوم في سيارته المفخخة، يهديه السلام والتهنئة بالسلامة والشفاء وتحية الفخر والاعتزاز على شجاعته في مواجهة جنود الاحتلال .. كان لهذه التحية أثر خاص في نفسية (أشرف) الحساس الرقيق ... وبعد أيام يستشهد (بهاء الدين النجار) في عملية تفجيرية جديدة ويتقدم (أشرف) إلى (كتائب القسام) راجياً تجهيزه لتنفيذ عملية استشهادية جديدة ... وتأتي الموافقة .

الموافقة التي تحمل إلى (أبي محمد) قدره الكريم العزيز الذي طالما حلم به ، فقد كانت حقاً الشهادة أسمى أماني (أشرف) .. هتف بذلك من سويداء قلبه ، كيف لا تكون أمنيته العظمى وحلمه الأكبر وهو الحافظ لكتاب الله تبارك وتعالى ، فقد كان (أشرف) من أولئك الذين تربوا منذ نعومة أظفارهم على مائدة القرآن ، وحينما أتم السابعة عشرة من عمره كان يحفظ سبعة عشر جزءاً من كتاب الله تبارك وتعالى .. وحينما جاءت الموافقة كان يحفظ ثلاثاً وعشرين جزءاً .. وكان يجتهد لحفظ كتاب الله بأكمله .

ولم يكن حفظ القرآن منعزلاً في حياة أشرف ، بل كان القرآن يشغل عليه حياته .. كيف يطبق آيات الله ويلتزم حدوده في السلوك والأخلاق والعلاقات مع ربه ونفسه ومجتمعه .

فكان لا ينقطع عن صلاة الفجر في بيت الله تبارك وتعالى ، وكان يحرص على صلاة الضحى والتي (ما حافظ عليها إلا مؤمن) ، وكان دوماً على يقين بنصر دين الله تبارك وتعالى ، ورفع رايته شامخة خفاقة ، ولكن هذه الراية لن ترتفع دون الجهد والعرق والدم والدمع .. فكان يردد دوماً لأهله وإخوانه .. هذا الدين يحتاج إلى جهد وبذل وعطاء ، ولن تكون لنا عزة دون جهاد، وقد كان لذلك جل حديثه عن الشهادة والشهداء ...

ولم تكن تلك ألفاظاً فقط تخرج من لسان (أشرف) بل واقعاً حياً ينبض بالجهاد والمقاومة والفدائية ، فمنذ اليوم الأول لولادته في الخامـس والعشرين من يناير من العام ألف وتسعمائة وخمس وسبعين في (حي الزيتون) بمدينة غزة .. ليكون الابن السادس لوالده وشقيقاً لأربع أخوات . ورغم ذلك كان يرى والده في محياه الجميل وطلعته البهية وإشراقته النضرة مكنونـات ذاته ورحيق بلاده المجدل القابعة خلف حدود النسيان التي هجرها مع والديه رغماً عنهم .

وما أن شبت خطى أشرف حتى بدا لوالده أنه على صواب ، فقد كان من أولئك الأبناء الطائعين الملتزمين إضافة إلى تفوقه المدرسي حيث أنهى دراسة الثانوية العامة ، إضافة إلى مساعدة والده في أعمال القص والتفصيل والحياكة .

ومع بدء مسيرة الانتفاضة المباركة كان (أشرف) قد بلغ الثالثة عشرة من عمره ، رغم ذلك فقد شارك كل أطفال فلسطين الذين حلموا بمستقبل مشرق واعد ، ليستيقظ على زخات الرصاص لا تفرق بين صغير أو كبير . وفي أجواء المواجهة والتحدي بدأت روح المقاومة تكبر في صدر الفتى الصغير ، تنقل من شارع إلى شارع في حي الشيخ رضوان حاملاً سلاحه - حجارته المتواضعة - يقذف جنود البغي والعدوان..

كانت جرأة (أشرف) غير مألوفة لدرجة أنه اقتحم في الأول من سبتمبر من العام ألف وتسعمائة وثمانية وثمانيين ، ولم يكن قد تجاوز أشرف حينها الرابعة عشرة من عمره بناية يعتليها الجيش، فأطلق عليه الجنود النار فأصيب إصابته إصابة خطرة في رأسه ، نقل على إثرها إلى مستشفى تل هشمير ، وقد وصف الأطباء حالته أنه ميئوس منها .

إلا أن قدر الله لايأس معه ولا قنوط ، حيث أحاطته قدرة الله ورعايته ليحيا (أشرف) من رقاد ويعاود نشاطه ويلتحق بصفوف (جهاز الأحداث) التابع لحماس عدا عن نشاطه الدعوي الدائب في (مسجد الرضوان) ومحيطه الواسع ، إضافة إلى بصماته الملموسة في نشاط الكتلة الإسلامية بمدرسة فلسطين الثانوية ، فكان المجاهد الصغير العملاق يهب كل حياته ووقته وروحه في سبيل الله تبارك وتعالى " كان يبشر دوماً بالإسلام الصاعد " متمثلاً في هذا الجيل النموذج للعمل الفدائي المتفاني . وبينما كان يرسم بخطه الجميل بشائر المقاومة على جدران حيه المجاهد انقضت عليه فرقة من القوات الخاصة المتخفية بلباس مدني ، إلا أن أشرف قاوم كعادته بكل فدائية ، وانهال عليه عشرات الجنود بالضرب المبرح وخاصة مكان اصابته مما أدى إلى اتساع جرحه الذي لم يلتئم تماماً بعد .

حاولوا جاهدين انتزاع اعتراف منه لكنه صدمهم بإصراره اللامحدود رغم جراحه الغائرة التي دخل على إثرها مرة ثانية إلى المستشفى ، ليخرج بكفالة مالية بعد يأسهم من اعترافه .

كانت هذه الحادثة القاسية درساً جديداً عميقاً من دروس المقاومة والجهاد يكتسب (أشرف) منها الصلابة ليخرج الفارس الذي لم يتوان عن أداء واجبه عاقداً النية على مواصلة درب الحرية والخلاص ... خرج منها بروح وثّابة جديدة ، فقرر أن يمارس الرياضة بكل قوة ويتعلم فنون الكاراتيه والدفاع عن النفس إضافة إلى ممارسة هوايته المفضلة (السباحة) ، فقد كان (أشرف) يرتاد البحر بشكل شبه يومي ، واستمر في مشاركته الفعالة في مواجهات الانتفاضة الملتهبة ليصاب بالرصاص الإسرائيلي ثلاث مرات ، إضافية في ساقيه ويستمر رغم ذلك مسلسل الجهاد في سني عمر (أشرف) المحدودة ليعتقل مرة ثانية بعد اعتقال أفراد مجموعته ، ويزج به في معتقل النقب الصحراوي يقضي هناك أربعة شهور طبع خلالها بصمات إخلاصه وتدينه ، فقد أحبه كل من عرفه حيث شارك في كافة الأنشطة وكان يؤم رغم صغر سنه الشباب والشيوخ الذين وصفوه بالطاهر والمتفاني ، وكان أشرف في كل مرة يخرج من المعتقل لا يتوان في مواصلة طريق العطاء والتضحية ، بل كان دوماً في مقدمة الصفوف المجاهدة .

كانت كل قطرات الدم التي تنزف من جسده الطاهر الشريف ومراحل الصبر والثبات والصمود تحت أيدي الجلادين ، وفي زنازين القمع وتحت الضرب المبرح ، تشهد لهذا الفتى بعظيم ولاءه لدين الله تبارك وتعالى وحجم إخلاصه وتفانيه لرفع الراية المقدسة ونشر الإسلام بشتى السبل المشروعة وفي مختلف الميادين .

والآن ها هو أشرف يستعد للرحيل الأعظم الأكرم إلى جوار الله تبارك وتعالى . ها هو الفتى الوسيم الذي لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره تفتح الدنيا ذراعيها لاستقباله بينما يفتح ذراعيه لاستقبال قدر الله العزيز الكريم .. يفتح ذراعيه لاستقبال جوار الله والجنة والحور العين . إنها الجنة تبغي ثمناً ، وها هو أشرف يقدم الثمن من جهده وجهاده ووقته وحياته ودموعه ودمه هاتفاً من سويداء ، يا ربّ قلبه ان كنت تعرض جنة للبيع ؛ بالنفس اشتريت .

يلتصق الفتى بدينه بصوم النهار ويقوم الليل ويودع أهله وأصدقاءه وإخوانه ومسجده بنظرات الحزن على فراقهم ، والأمل بلقاء الله تبارك وتعالى ويخرج (أشرف) في صبيحة السادس والعشرين من سبتمبر من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين بعد أن قضى ليلته قائماً وأعلن نهاره صائماً .

وها هو يخرج فارساً مترجلاً ليركب سيارته المفخخة وينطلق بها إلى الفردوس الأعلى إلى النبي وصحبه .. وفي طريق الشيخ عجلين بغزة ينفجر الفتى مسرعاً إلى لقاء الله وغرز المخيط لا يزال برأسه من أثر الضرب الذي تعرض له في مسجد الرضوان قبل ايام معدودة . وفي الليلة الأخيرة كتب (أشرف) رسالته الأخيرة ودع فيها أهله وحثهم على الصبر والثبات وتحمل نبأ استشهـاده ، مذكراً إياهم بالموت إذاً فليحسن موتته ، ثم دعاهم إلى صلاة ركعتيـن وان يدعوا له قائلين (اللهم أن عبدك أشرف كان يصدقك طلب الشهادة ، اللهم فاصدقه ، اللهم آمين).

ولماّ تناقلت الأنباء استشهاد (أبي محمد) استرجع آله أقواله فحمدوا الله تبارك وتعالى وقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ، واحتسبوه عند الله شهيداً وجلس الجمع يستذكر (أشرف) الراحل الكبير إلى دار الخلد ، ذلك الفتى الذي لم يخطىء في حق أهله وإخوانه ، تذكروا عطفه وبره بوالديه ومحبته لإخوانه .. كان يرى إخوانه أنه قرآناً يمشي على الأرض ، حفظ كتاب الله في سويداء قلبه وطبقه واقعاً حياً ومدرسة كاملة فلم تصدر منه أي إساءة أو خلق ردىء ولم يحدث أنه قامت بينه وبين أحد مشكلة . وردد الجميع أن الشهيد قد ارتحل بعد أن مثل بحق واقعاً عملياً أن (حفظة القرآن للتضحية عنوان ) .

وقد أقيم للشهيد سرادق عظيم يعلن فيه زفافه إلى الحور العين ، وتقاطرت الجماهير من شتى أنحاء القطاع احتفاء بالشهيد وتقيم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) حفل تأبين ضخم في ميدان الشهداء بحي الشيخ رضوان وتهتف آلاف الحناجر ألحان الوفاء والبيعة والوداع لفدائي التضحيـة . وخلال أيام العزاء تقدم قوات الاحتلال ليلاً وهي تحمل أشلاء أشرف الممزقة ليقوم آل مهدي بدفن أشلاء ولدهم الممزقة في سبيل الله تبارك وتعالى .

أشلاء (أشرف) التي تحمل قسمات البيعة والولاء الصادق وتحمل ريح المسك والعنبر والدم والشهادة . ويوارى أشرف التراب ليعلن نهاية رحلته في الدنيا على عجل للقاء الله تبارك وتعالى ليطوي صفحات حياته المحدودة بسني عمره الزاخرة بالعطاء والجهاد والتضحية والفدائية .

أعلى الصفحة ********************************************************************************************************************

الشهيد القسامي

موسى جاسر محمود السيد

أبو البراء

ربح البيع أبا البراء

" ها هو صاروخ الخلود ينطلق بعد عشر ساعات من القتال الملحمي يمتطيه أبو البراء بكل الكبرياء والشموخ .. يتناثر جسده الطاهر في كل موقع ، يرسم معلماً في درب المستحيل من التحدي الجرئ ، وها هي الدماء الطاهرة تروي أشتال الأمل .. تغدو أشجاراً عظيمة .. يتفيأ ظلالها اليائسون من الاختراق لجدار الأمن الواهم للأخطبوط السرطاني الجاثم فوق الثرى الفلسطيني "

فجر الثاني من أكتوبر من العام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين أشرق على مخيم البريج الصامد ، والحصار يشتد حول الدار التي تحصن بها المجاهد حامد القريناوي (المطارد القسامي) ، الناس نيام وعينا المجاهد موسى ترصد كل حركة لقوات الاحتلال التي تتقدم بشكل منظم نحو الحصن ، واستمر الجدل الدائر بين حامد وموسى ، وحامد يقسم على أخيه أن لا يبقى داخل الدار ويتركه يواجه قدره وحيداً حيث إن موسى لم يكن مطلوباً لقوات الاحتلال ، وموسى لا يرى أمامه إلا خياراً واحداً .. خيار المواجهة كتفاً بكتف مع أخيه وتوأم روحه (حامد القريناوي) ، وهو يردد عليه لم نفترق في الدنيا ولن نفترق إن شاء الله ، فإني أريد لنفسي ما تريد لنفسك .

اشتد الحصار ، وتمكن الغاصبون من الدار ، وخرج جميع الأهالي ، وبقي عملاقا القسام يواجهان جيشاً جراراً ، وارتفع لواء المعركة ، وأطلق (أبو البراء) رصاصته الأولى دفاعاً عن الكرامة والوطن معلناً روح الوفاء القسامي في الذود عن الحياض والعطاء اللا محدود .

استمرت الحرب الطاهرة ... رصاصات القسام معدودة ، ولكن الإرادة فولاذية ، فكانت المعركة مشتعلة تحاول قوات الاحتلال اقتحام المنزل ، ثم ترتد على أدبارها خائبة خاسرة ، ولمّا اقتربت مجموعة من جنود الاحتلال بجوار جدار المنزل كانت عين الراصد ترمقهم والساعد القسامي يقبض بقوة على قنبلة يدوية ينزع صمام أمانها وتسقط مدوية وسط جمع المعتدين ليسقطوا بين قتيل وجريح . يشتد القصف الصاروخي الهمجي رداً على هذه الخسارة الفادحة ، ولكن المعركة مازالت مستمرة ، السواعد القسامية المتوضئة تواجه بكل إيمان وعزم وقوة الغطرسة الصهيونية والاستبداد الإسرائيلي ، والأفواه الطاهرة في البريج وكل فلسطين تلهج بالدعاء ، أن يسدد الله رمية المجاهدين .

كان عشق الشهادة حلم (أبي البراء) الذي لا ينقضي ، وها هي الشهادة والخلود تطل في ثنايا قذيفة تنفجر إلى جواره أو صلية رشاش تصم الآذان تصنع بحراً من الركام تحت قدميه . بقي الشوق الباسم للانتظام في موكب الخالدين الذي تراصت صفوفه يجول في خاطر (أبي البراء). هل يقدّر الله له أن يكون عضواً في هذا الركب المقدس ، هل تتزين السماء بنجمه الذي يهوي فوق البريج الصامدة التي رسمت عبر تاريخها الوضاء معالم الجهاد والاستشهاد منذ العصر الأول للبيعة ، فحفرت بأظافرها خندق المواجهة والتحدي وأنشبت مخالبها في عنق الجلاد ، تهزأ بالموت وتلحق بالمستحيل تجره إليها صاغراً ليغدو الأمل قريباً ... قريباً . أقرب من قذيفة تفتك بجدار مجاور (لأبي البراء) ، أو أقرب من صلية رشاش تغرس أشتال الأمل بين قدميه الطاهرتين ... ها هو صاروخ الخلود ينطلق بعد عشر ساعات من القتال الملحمي ، يمتطيه أبو البراء بكل الكبرياء والشموخ ، يتناثر جسده الطاهر في كل موقع ، يرسم معلماً في درب المستحيل من التحدي اللامعقول ... وهي هي الدماء الطاهرة تروي أشتال الأمل .. تغدو أشجاراً عظيمة يتفيأ ظلالها اليائسون من الاختراق لجدار الأمن الواهم الأخطبوط السرطاني الجاثم فوق الثرى الفلسطيني ... يدعم بقاؤها أباطرة العالم ، وثلة من المجاهدين تمثل تهديداً حقيقياً لبرنامج السقوط في براثن النظام العالمي الجديد والتسليم المطلق بالوجود والبقاء والتوسع فوق الذرى الفلسطينية المقدسة.

يرحل أبو البراء .. يحدد معالم الوفاء .. معايشة وصبر واحتمال وتضحية وبذل وفداء .. بقاء في خندق الجهاد حتى الاستشهاد .. يأبى الخروج سالماً .. يصمم على خياره الأوحد .. يقذف في وجه القصف وفاءه اللا محدود .. ويستقبل في صدره صاروخ التحدي يشطر قلبه المفعم وفاءً وإخلاصاً .. تهتف ملائكة السماء (ربح البيع أبا البراء) ..

ربح البيع أبا البراء وأنت تتقدم في درب الجهاد .. وأنت تضرب مثالاً نوعياً في التضحية يوم أن كنت تملك سيارة ومحلاً وقمت ببيعهما كي توفر لأخيك المطارد حامد القريناوي ولنفسك سلاحاً تشق به طريق المقاومة ..

ربح البيع أبا البراء وأنت ترفض الخروج من الحصار سالماً دون أي أذى .. تأبى إلا أن تتم الصفقة ببيع المال والنفس في سبيل الله .

هنيئاً لك وأنت تخرج بمالك ونفسك في سبيل الله ثم لا ترجع من ذلك بشيء .

ربح البيع أبا البراء وأنت تحفظ سر أخيك (أبي جعفر) وتكون ساعده الأيمن في مواجهة ملمات الحياة، تعمل بكل جد وصمت. لم يسمع أحد صوت تفاخر أو اعتزاز بما تعمل في سبيل الله.

ربح البيع أبا البراء وأنت دوماً تتمنى الشهادة في سبيل الله .. تكرر دوماً اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك ، وأنت تبني لنفسك معالم المستقبل .. تزور مقابر الشهداء .. تناجيهم .. ترجو دوماً اللحاق بهم .. هنيئاً لك وأنت ترفض كل عروض الزواج وتردد بصوت يسمعه الجميع أريد أن استشهد وأتزوج في الجنة إن شاء الله .

ربح البيع أبا البراء وأنت تستعد ليوم اللقاء .. تنهل من معين الإسلام الصافي ، فتشربت روحك الطاهرة معالم بارزة للشخصية الإسلامية التي نشأت عبر موائد القرآن.. تداوم بشكل كامل على صيام يومي الاثنين والخميس ، تكثر من قيام الليل ، فالليل مدرسة رحبة ينشأ بين أركانها أبطال المرحلة ، عدا الطاعة اليومية لله تبارك وتعالى بين جدران (مسجد الصفاء) الذي احتضن موسى منذ نعومة أظفاره ، حتى غدا ليثاً لا يهاب . هذا عدا استعداده في بناء جسده ، فمارس رياضة كمال الأجسام ورفع الأثقال، وأتقن لعبة الكاراتيه ، واحترف لعبة الننشاكو (العقلة) ..

ربح البيع أبا البراء وأنت تلتصق في بيت الله تبارك وتعالى منذ الطفولة ، وبعد الميلاد المبارك في الخامس عشر من يناير من العام ألف وتسعمائة وسبعين ، تدرج خطواتك الأولى نحو بيت الله تبارك وتعالى ، تتحلق حول مائدة القرآن وتلتحق بجمعية تحفيظ القرآن ودروس السيرة النبوية والعقائد الإسلامية ونفسك الصافية تتشرب كل هذه المعاني منذ نعومة أظافرك.. و(مسجد الصفاء) يقذف في قلبك الصفاء والحب والأخوة والعزم ، وأنت تحيا في رحابه مع إخوانك الذين منّ الله عليهم ليكونوا من الذين نشأوا في طاعة الله عز وجل .. تشاركهم الجلسات والرحلات وتمازحهم ، ولا تكاد تخرج من بيت الله حتى تعود إليه مشتاقاً .

ولمّا شببت عن الطوق كنت أستاذاَ لأجيال فلسطين العائدة إلى بيت الله تبارك وتعالى بعد أن تتحصن بآيات الله البينات ، تحفظها وتعلمها للأشبال .. يحفظون كتاب الله كما تتلوه عليهم . ثم تقودهم إلى مكتبة المسجد التي تحمل أمانتها ، تطلعهم على الكتب الثقافية يتعلمون خلالها أبجديات العقائد الإسلامية وأسس التصور الإسلامي للإنسان وللكون والحياة والخلافة والأقصى.

ثم تقودهم عبر نشاطات رياضية متنوعة ، وتعد لهم الإفطار الجماعي بعد يوم صيام جماعي كي ينشأ العظام على منهج السماء ، تقوي العزائم وتهذب النفوس .

هنيئاً لك أبا البراء هذه القلوب التي التفت حولك تحمل كل الحب لأنك حملت لهم الحب وكنت خادمهم وأنت أميرهم .. تواضعت لهم فرفعوك .. حرصت على مصالحهم وتجاهلت مصالحك الشخصية .. كنت دوماً في الميدان حاضراً تعد العدة لكافة الأنشطة وتتفانى في أداء الواجبات والخدمة لإخوانك ، ولم يقف غزوك لقلوب شبان وفتيان مسجد الصفاء ، بل كنت نبراساً لأقربائك وجيرانك الذين يرون منك الأدب العالي والخلق الرفيع ، الصمت رفيقك والالتزام منهجك .. حافظت على حق الجيران التزاماً بإسلامك فكنت خير قدوة .

ربح البيع أبا البراء وأنت تشق طريقك في الحياة تتعلم فنونها استمراراً لمنهج السماء في السعي في مناكب الدنيا ، فحصلت على شهادة الدبلوم في أعمال النجارة وعملت نجاراً ، وأتقنت مهنة الدهان ، ثم عملت سائقاً ، وكل ذلك لم يكن يشغلك عن مهمتك الرئيسة التي ما غابت عن خاطرك ، وبلدة (المسمية) التي رحل منها (آل السيد) بعد أن هجّرت قوات البغي والعدوان جموع الراحلين ليستقروا في مخيمات اللاجئين جنوب الوطن ، تهتف في أعماقك أنها في ذلك القيد تعاني وأن تحررها رهن عطائك المتجدد في درب الجهاد والتضحية .

ربح البيع أبا البراء وأنت تلتحق بركب دعوة (الإخوان المسلمين) تشق من خلالها الطريق نحو العلا والمجد تبني مع إخوانك سلم الصعود الإسلامي .

ولما انطلقت الانتفاضة المباركة أذن الله أن يخرج العملاق من قمقمه ليصنع مجداً عظيماً من الجهاد والفدائية والاستشهاد ، كان موسى وقود هذه الثورة اللاهبة ، فمنذ اليوم الأول للانتفاضة انطلق موسى جندياً مخلصاً في صفوف (جهاز الأحداث) التابع لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) حتى غدا موسى علماً من أعلام المقاومة في مخيم البريج .

كانت الثورة الكامنة في نفس موسى تتصاعد وتخرج إلى حيز الوجود ، انتقاماً للواقع المرير الذي يحياه شعب الأقصى الأسير والحرم الباكي وأرض الزيتون تنادي أبا البراء كي يبقى دوماً في الطليعة ناهلاً من موائد القرآن الكريم ملتحقاً بسفينة الحماس وصولاً إلى إحدى الحسنيين درب المحنة يقود إلى الجنة كي يمحص الله قلوب عباده ، فالتحق أبو البراء في العام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين بمجموع المجاهدين الذي يضمهم سجن النقب الصحراوي، وما كاد يخرج من المعتقل حتى أعيد اعتقاله مرة ثانية في مطلع العام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين يقضي محكومية جديدة بلغت ثمانية شهور قضاها خلف الأسلاك الشائكة والجدران السوداء المظلمة ولكنها كانت مدرسة جديدة تعلم خلالها موسى فنوناً إبداعية في المقاومة والفدائية ، كما أضاف إلى رصيده ثقافة إسلامية حركية ناضجة حول مفاهيم العمل الحركي والبناء التنظيمي المتين ، فاشتاق كثيراً إلى تطبيق هذه المفاهيم على أرض الواقع بالعودة إلى ميدان الجهاد والتحدي . ليخرج من قلاع المقاومة في أكتوبر من العام نفسه ، أصلب عوداً وأقوى شكيمة ليتابع عمله الجهادي وعبر معالم جديدة .

ربح البيع أبا البراء وأنت تهاجر مجدداً إلى الله ورسوله تركل الدنيا خلفك وتنضم إلى كتيبة الراحلين نحو الخلود .. تنظر في كتاب الله يحرضك على الفناء في درب الاستشهاد .. فالجنة تنتظرك .. والحور العين تتزين لاستقبالك .. فلمَ التراجع .. فالتحقت فوراً بركب كتائب الشهيد عز الدين القسام (الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" ) تعمل بصمت وإخلاص وتضحية وتفاني عز نظيره ، ما علم بذلك أحد ، فقد كنت علماً للسرية والكتمان . تعمل يداً بيد مع رفيق الدرب ، (حامد القريناوي) ، المطارد القسامي في مخيم البريج ، فكنت خير عون في وقت جفت فيه منابع العون ، فكنت السماء تظلل المجاهد القسامي وتسقيه ماء الوفاء تحجب عنه ظلام الاغتراب ، تبيع كل ما تملك وتصر على البقاء في الخندق الأمامي للمواجهة المقبلة فتكن رأس حربة وطليعة متقدمة لهذا الجهاد .

ربح البيع أبا البراء وأنت تصوب بندقيتك الرشاشة التي اشتريتها بمالك الخاص نحو دورية عسكرية تجوب مخيم البريج ، وتساهم دوماً في خطف العملاء والتحقيق معهم وتنفيذ حكم الشرع في الخارجين منهم عن الدين والوطن . وها أنت اليوم تسطر ملحمة الوفاء الخالد وتصر أن تكون مع ركب الراحلين إلى الخلود المسطرين معالم التضحية والخلود والفداء .

هاجر جمع المجاهدين إلى الله ، فوجب أجرهم على الله ، فمنهم من مات ومنهم من لم يأكل من أجره شيئاً ، كان أبو البراء أحدهم أصابته القذيفة تناثر جسده يزرع في كل بستان وردة للاستشهاد ويتناول الظالمون جسده وما علموا أنه استقر هناك " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلامً عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار " .

فكانت ملحمة البريج مصدراً للوفاء والتفاني سكنت فيها معاني الصدق والثبات والإيمان.. وكان (أبو البراء) معلم ذلك الفداء .

ولمّا كان الرحيل ... رحيل الأساتذة .. أبى (أبي البراء) إلا أن يحقق هدفه وأن يربح بيعه، بُنى دين الله على أكتافه وإخوانه ومضى قبل أن تقبل الدنيا فأجره على الله ... وعده الله فأسرع بالوفاء .. فكان تمام البيع . ولمّا قدمت القافلة العسكرية تقل أشلاء جثمان (أبى البراء) وتمنع جل أحبابه من رؤيته أستاذاَ عملاقاً .. هبت مع قدوم أشلائه رائحة المسك التي غطت المكان.. وسكنت الروح التواقة للقاء في أرض البريج التي أحبت وفي ظل شجرة مورقة الأغصان ، كان السكون الأخير لمعلم الوفاء .. وما تزال تلك الشجرة غضة نضرة وأوراقها خضرة .

طوال العام يرويها أبو البراء بدمه ويمدها بالغذاء .. وأغصان شجرة الشهادة التي غذي (أبو البراء) أحد أغصانها تتسامى وتكبر في مواجهة السرطان الذي يغزو الأرض الحرام على الدخلاء وأشلاء (أبي البراء) دواء هذا الداء السرطاني اللعين .

وانطلق الفتيان الذين نشأوا في كنف موسى ينهلون منه مفاهيم الإسلام صافية ، قالها بلسانه وها هو يخطها بدمه ، وها هم على ذات الدرب يتحرقون شوقاً للحسنيين يخطون بعلب الطلاء في كل المواقع عبارات التحية لقائدهم العظيم يودعونه على أمل اللقاء في الجنان .

وحفل مهيب تكريماً للشهيد تقيمه حركة المقاومة الإسلامية (حماس) يبرق الجمع الهدار بالتهنئة الغالية لأستاذ الوفاء والعطاء ..

وها هو أبو (البراء) يرقب من بعيد ثمار غرسه الناشئ .. يبتسم راضياً ويشد على يد (أبي جعفر) مهنئاً .. ويغمضا أعينهما ويناما ...

" في مقعد صدق عند مليك مقتدر "

أعلى الصفحة

************************************************************************************************************************

شهادات حية لأسرى حول بطولات شهداء كتائب القسام

الشهادة السابعة حول الشهيد القسامي- غزة

حامد القريناوي

تقرير خاص:

نعرض ولأول مرة شهادات حية لأسرى فلسطينيين يمضي بعضهم أكثر من مؤبد عسكري في سجون الاحتلال اغلبهم في سجن نفحة الصحراوي الذي يفتقر الى أدنى المقومات الإنسانية وتتركز هذه الشهادات حول بطولات كتائب القسام والتي استحقوا وسام الشهادة لأجلها وقد أطلقنا عليها اسم شهادات( حية )لأنها حدثت فعلا وأخذت مصداقيتها من المشاركة الفعلية مع هؤلاء الأبطال أو بالحديث مباشرة مع أهالي هؤلاء الأشاوس وها نحن نتحدث عن شهادة جديدة حول بطل من أبطال القسام وستشمل هذه الشهادة أبطالا من الضفة الغربية وقطاع غزة ممن توفرت حولهم هذه الشهادات

ان احدا من البشر لم يخلق عبثا على وجه المعمورة ، ومن ظن غير ذلك وجب عليه مراجعة نفسه قبل ان تلفظه الحياة لانها لا تقبل ولا تحمل على ظهرها غير الاحياء ، فان كان لك دور تؤديه فأنت تستحق الحياة وان كنت مؤمنا بدورك وهدفك فليس اقل من ان تنذر حياتك لأجله وان تطلب ان تدفع عمرك ثمنا لتأدية دورك فلا تتردد لأنك بهذا تؤدي شهادتك وتستحق ان تدعى شهيدا وما اجمل الحياة مع الشهداء وما اجمل ذكراهم واحبه الى النفس ونلتقي وإياكم مع رجل نذر حياته للدفاع عن دينه ووطنه وبذل لاجله الغالي والنفيس واستحق في النهاية ان يكون شهيدا ، نتعرف الى الشهيد " حامد هزاع القريناوي " الذي ولد لاسرة متدينة محافظة انتهى بها التشريد الى مخيم البريج في قطاع غزة ورزقت العائلة بطفلها حامد عام (1969م) بعد عامين من النكسة التي المت بشعبنا الفلسطيني ونشأ شهيدنا في اسرة يغلب عليها العلم والثقافة والالتزام الشرعي ، واحاطوه بعطفهم ورعايتهم ومحبتهم وتلقى دراسته الابتدائية والاعدادية في مدارس المخيم وأنهى دراسته الثانوية في مدرسة خالد بن الوليد في مخيم النصيرات ودفعه حبه للعلم للالتحاق بالجامعة الإسلامية التي كان نصيبها الإغلاق مع بداية الانتفاضة نظرا لدورها الطليعي في قيادة نشاطات الانتفاضة ، وعرف حامد بالتزامه بمسجد البريج الكبير وكان من أوائل المشاركين في الانتفاضة وفعالياتها الجماهيرية لا يعرف الكلل او الملل يصل ليله بنهاره في جهاد بغير هوادة مما عرضه للاعتقال لأكثر من سنة إضافة لإغلاق غرفته من قبل قوات الاحتلال فكان السجن محطة جهادية في حياة شهيدنا اكسبه تجربة اعتقالية وصقل شخصيته الجهادية فكان بمثابة التهيئة لما بعد السجن من جهاد ومطاردة فاعتنى شهيدنا بكل لحظة أن يستغلها في تنمية قدراته الذاتية وظلت تراوده أفكار العودة الى الحرية وتجدد الجهاد من جديد ، وقد تزامن خروجه من السجن في النقب مع تشكيل أول مجموعة مسلحة لكتائب القسام في مخيم البريج عام (1991م) فاجتمعت الآراء على اختيار حامد ضمن المجموعة لما عرف عنه من إلحاح على تطوير العمل العسكري ونشاط متواصل ضمن السواعد الرامية وتميزه بحسن الخلق والصراحة والتواضع والوفاء ومحبة اخوانه له كما انه من رواد المسجد وحفظه القرآن المعروفين وقد واجه تشكيل المجموعة مشكلة عدم توفر السلاح في البداية فاقتصر العمل على مطاردة العملاء في منطقة المخيمات الوسطى ولم يكن بحوزتهم سوى مسدس قام الشهيد حامد بإحضار رصاصاته من مزبلة الجيش قرب المخيم وبهذه الرصاصات تم قتل أول مستوطن على مفترق دير البلح بتاريخ (1/1/92م) وكان حامد يؤثر العمل بصمت وتخطيط دقيق وينزل دائما عند رأي إخوانه اذا علم فيه الصواب والسداد واكثر ما كان يضايقه تأجيل العمل او وقفه ولو لفترة قصيرة وقد كان يعمل بشكل متواصل ولاينام غير ساعات معدودة فكنت تجده مستيقظا قبل الفجر بساعتين او ثلاث يمارس نشاطات الانتفاضة ويرصد دوريات الاحتلال في احد الليالي أطلق الجنود النار على مجموعة من المجاهدين يضمنهم حامد اثناء إغلاقهم لطرقات المخيم في احد أيام الإضراب وانبطح الإخوة أرضا ليمر الرصاص من فوق رؤوسهم دون أن يصابوا بأذى وكان حامد آخر من يتواجد في ساحة المواجهة وكان لشدة حرصه على الشباب المسلم قد خصص منزلا لأسرته كملتقى للشباب المسلم خشية أن ينجرفوا خلف التيارات العلمانية والشيوعية وهكذا كان حامد شعلة من العطاء والبذل لا يعرف الراحة او الهدوء وبعد اعتقال عدد من أعضاء الكتائب على الحدود المصرية التحق شهيدنا بالمطاردين القساميين وبضمنهم عماد عقل وياسر الحسنات والزايغ والنمروطي وقنديل وهم أوائل مطاردي القسام ورغم قلة الإمكانيات فقد استطاع تشكيل مجموعة جديدة في المعسكرات الوسطى لاستئناف العمل الجهادي واستمرت مطاردته قرابة العامين كانت المخابرات لا تعلم هل هو في القطاع ام تسلل الى مصر عبر الأسلاك وبتاريخ (2/10/93) استطاعت المخابرات الوصول الى مخبئه في منزل عبد الرحمن البحر في مخيم البريج عن طريق عميل فحاصرت قوات كبيرة المخيم وأحكمت الحصار على بلوك (7) وتم إخلاء المنازل المجاورة ليبدأ القصف مع ساعات الفجر ويرتقي حامد شهيدا الى جنان الخلد بصحبة أخيه موسى السيد الذي رفض تسليم نفسه رغم إلحاح حامد عليه لأنه لم يكن مطاردا وقد تمكن الشهيدان من الالتحام بشجاعة مع قولت الاحتلال التي فاقتهم عددا وعدة وتمكنوا من إصابة بعضهم حسب شهود عيان .

بقي أن نقول أن قلة الإمكانيات وحداثة التجربة العسكرية لدى المطاردين قد مكنت بعض العملاء من الوصول لخبرة إخواننا وتصفيتهم كما أن الحركة لم تكن هيأت الأجهزة القادرة على تقديم الدعم للمطاردين فكانوا لقمة سائغة للعملاء وأسيادهم الصهاينة رغم ما امتازوا به من جرأة وشجاعة واستبسال منقطع النظير .

رحم الله شهدائنا الأبرار والى جنان الخلد يا حامد والسلام على روحك الطاهرة .

أعلى الصفحة ************************************************************************************************************************

الشهيد

عمـاد حسن إبراهيم عـقل

أبو حسين

أسطورة الجهاد والمقاومة

" وحدك يا أمير الفدائيين تعلو .. ترحل إلى الشمس ، تمضي إلى قسمات الوجوه ، ترتسم على أسارير العائدين ، تجمع في كفك المباركة خيوط البطولة والحماس والشهادة ، تصنع نسيج الأمل العريض ، تفرشه في الشوارع ، في الحارات ، في الساحات وتحيك منه لكل فتى كوفية وعلماً وضمادة جرح "

أن يترجل فارس من فلسطين في ساحة الشرف ليس بالحدث الجديد ، فلقد أصبح الاستشهاد على طريق الجهاد قدر الشعب الفلسطيني منذ أن اتخذ قراره بالدفاع عن دينه ووطنه وحريته وعندما يترجل الفارس المقدام عماد عقل قلب الساحة التي لا تحتضن إلا الأبطال نكون قد ازددنا اقتراباً من النصر والعزة ، فالطريق لا يعبد إلا بدماء الشهداء ولا يضاء إلا ببطولتهم التي لا يضيرها خيانة خائن أو غدر منافق أو خذلان جبان ...والله إنه ليصعب على القلم ويشق على بنانه أن يكتب بمداده عن مجاهد سقط على طريق الحق والإيمان شهيداً ، فكيف بالحديث عن فارس مثل (عماد عقل) رمزاً وقائداً ومجاهداً ؟؟!! لن يستطيع المداد أن يعطيه حقه من التكريم وهو الفارس - كإخوانه أبطال القسام - يرفض الحديث ويتجنب الإعلام والدعاية واضعاً نصب عينيه (قتل الجنود الاسرائيليين عبادة نتقرب بها إلى الله) .

المولد والنشأة:

في التاسع عشر من يونيو من عام ألف وتسعمائة وواحد وسبعين يطل (عماد حسن إبراهيم عقل) إلى الدنيا في مخيم جباليا ، وكان الوالد الذي يعمل مؤذناً لمسجد الشهداء في مخيم جباليا قد اختار لابنه الذي جاء ثالثاً بين الذكور هذا الاسم (عماد) تيمناً بالقائد المسلم (عماد الدين زنكي) الذي قارع الصليبيين ، في الوقت الذي كانت كل القيادات متخاذلة .

نشأ (عماد) وتربى على طاعة الله في هذا البيت المتدين الفخور بعقيدته ، وبدا واضحاً منذ نعومة أظافره تمتعه بالذكاء والعبقرية ، ولهذا صمم والده على أن يواصل مسيرته التعليمية حيث تفوقه بحصوله على مرتبة متقدمة بين الأوائل ، وكما كان متوقعاً أحرز (الشهيد عماد عقل) الترتيب الأول على مستوى المدرسة وبيت حانون والمخيم في شهادة الثانوية العامة (التوجيهي) بعد ذلك تقدم بأوراقه وشهاداته إلى معهد الأمل في مدينة غزة لدراسة الصيدلة ، إلا أنه ما إن أتم إجــــراءات التسجيل ودفع الرسوم المقررة حتى وجد جنود الاحتلال يعتقلونه في 23/9/1988م ويقدمونه إلى المحكمة بتهمة الانتماء لحركة (حماس) والمشاركة في فعاليات الانتفاضة المباركة .

عمّر الإيمان قلب (الشهيد عماد عقل) حيث تربى في أحضان عائلته المتدينة والمساجد القريبة من مكان سكناه التي اعتاد ارتيادها منذ أن بلغ الثانية عشرة ، وجد في مسجد النور القريب من مدرسة الفالوجة ضالته ، إذ عرفه أحد الإخوة الفضلاء على دعوة الإخوان وحبه للجهاد والاستشهاد ، نما وترعرع في رحاب المسجد ورضع لبن العزة والكرامة من خلال الدروس العلمية والتنظيمية والتعبوية حتى نضجت في مشاعره جذوة الجهاد والاستشهاد واستوت على سوقها مع بدء الانتفاضة ، ولقد تميز الشهيد رحمه الله بعمله الدءوب لما تتطلبه هذه المرحلة من ضرورة التواجد الإسلامي المكثف في مخيم جباليا الذي كان يسمى فيما سبق مخيم الثورة لما للتنظيمات الأخرى من قوة وتواجد فيه ، فشارك إخوانه في استنهاض همة الشباب وتجميع الصالحين منهم .

حب الجهاد والمقاومة

واكبت حركة (عماد) ونشاطه وقوة حبه للجهاد وقتال اليهود اشتعال الانتفاضة الفلسطينية المباركة وتصاعد وتيرتها وامتدادها على طول رقعة الوطن المحتل ، وما أن أطلقت (حركة الإخوان المسلمون) في قطاع غزة لشبابها وأنصارها العنان لقيادة المظاهرات وتوجيه الجماهير منذ الثامن من كانون أول (ديسمبر) من عام 1987 حتى تقدم الشهيد الصفوف مشكلاً المجموعات من الشباب المسلم في المخيم لملاحقة جنود الاحتلال وقطعان المستوطنين الذين كانوا يعيثون فساداً وتخريباً .

كما شارك الشهيد رحمه الله في كتابة الشعارات الجدارية ضد العدو الصهيوني ، وعرف عنه ولعه الشديد بالمظاهرات والمسيرات الاحتجاجية ، فشارك في الكثير من فعاليات الانتفاضة ضمن مجموعات السواعد الرامية التي تكونت في المخيم بعد انبثاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس) جناحاً ضارباً (لجماعة الإخوان المسلمين) في الضفة الغربية وقطاع غزة .

الإعتقال الأول والأخير

وباعتقال مجموعة كبيرة من كوادر وشباب حماس في ما يسمى ضربة آب (أغسطس) 1988، تعرض (عماد) وشقيقه (عادل) للاعتقال في الثالث والعشرين من أيلول (سبتمبر) من ذلك العام حيث أودع السجن ثمانية عشر شهراً إثر صدور الحكم عليه من محكمة عسكرية ظالمة بتهمة الانتماء لحركة حماس ، والمشاركة في فعالياتها وتكوين مجموعات مجاهدة وإلقاء زجاجات حارقة ، وما أن خرج الشهيد رحمه الله من المعتقل في آذار (مارس) 1990 حتى عاد إليه مرة أخرى إذ وجهت إليه سلطات الاحتلال تهمة تجنيد أحد الشباب المجاهدين في تنظيم حماس، فقضى الشهيد في المعتقل هذه المرة شهراً آخر بعد أن تيقنت أجهزة المخابرات الإسرائيلية أنه اعترف في المرة السابقة بالتهمة التي وجهت إليه .

خروج من السجن

وخرج من السجن بعزم وتصميم لا يلين على مواصلة طريق الجهاد ونيل الشهادة في سبيل الله حيث كان دائم الحديث عن جهاد (الرسول صلى الله عليه وسلم) وعن الشهادة والشهداء وبطولات (خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وصلاح الدين وسيف الدين قطز) وغيرهم من قادة الفتح الإسلامي ، ولذلك لم يرق لشهيدنا البطل أن يظل مقتصراً في جهاده على الحجر والمقلاع ، بل راح يبحث عن درجة أعلى من ذلك ، وعمّا يزيد من إلحاق الخسائر في صفوف جنود الاحتلال والمستوطنين والعملاء وتجار المخدرات ، فبدأ اتصالاته وتحركاته فور خروجه من المعتقـــل للالتحاق بالجهاز العسكري لحركة حماس المعروف باسم (كتائب الشهيد عز الدين القسام) الذي يلبي رغباته وطموحاته العسكرية ، فكان له ما أراد إذ أفرز في مجموعة (الشهداء) ، وهي من المجموعات الأساسية الأولى التي بدأت العمل في المنطقة الشمالية من القطاع بملاحقة العملاء الخطرين وتصفية بعضهم ، ثم اندمج تلقائياً في كتائب القسام وبدأ بممارسة مهامه الجهادية على أفضل ما يكون .

وعلى الرغم من وجود من هو أكبر منه سناً وأقدم منه في المرتبة التنظيمية ، إلا أن ما يتمتع به الشهيد (عماد عقل) من ذكاء وفطنة وخفة حركة إلى جانب حذره واستعداده الدائم جعلت قيادة الكتائب ومجاهدي المجموعة يختارونه ضابط اتصال لهم ينقل التعليمات والأوامر والخطط وكل ما يتعلق بشأن المجموعة من وإلى القيادة .

راحوا يصوبون سكاكينهم وخناجرهم إلى صدور المجرمين الساقطين في شباك العمالة والخيانة بتخطيط متقن وعمليات نوعية جريئة أثارت جنون اليهود ورفعت لواء عز الدين القسام في عزة وإباء، فقد كانت المجموعة تخطف العميل وتحقق معه مستفيدة مما لديه من معلومات ومسجلة اعترافاته على أشرطة تسجيل كوثائق للإدانة وأدلة لا يمكن إنكارها ، ثم تنفذ فيه حكم الله إذا رفض التوبة ، وكان لهذه العمليات الناجحة وقع بالغ عند الجماهير لما لها من أثر واضح في تطهير المجتمع من العناصر الفاسدة التي سممتها المخابرات الإسرائيلية ، وظل الناس يتابعون في شغف عمليات الكتائب التطهيرية في غزة وجباليا والشيخ رضوان ومخيم الشاطىء ، وكم كان استغرابهم عندما يسارعون إلى مكان الاختطاف أو إعدام العميل إن كان من الخطرين أو المعروفين بشكل جلي لا لبس فيه ، فلا يجدون المجاهدين وكأنهم تبخروا في الجو .

رحلة المطاردة

في ليلة معتمة كان المجاهدان مجدي حماد ومحسن العايدي على موعد مع القدر ، فقد وقع المجاهدان في الأسر أثناء محاولتهما عبور خط الحدود الدولية بين فلسطين المحتلة ومصر بالقرب من مدينة رفح في السادس والعشرين من كانون أول (ديسمبر) 1991 ، ليرسلا فوراً إلى قلعة الأبطال (سجن سرايا غزة) حيث يمارس التعذيب البشع والحرب النفسية والإرهابية ضد المجاهدين البطلين حتى تبدأ الصفحة المختفية في الظهور وتبرز الكلمات والخطوط والأسماء أمام عيون الجلادين الصهاينة ، فاضطر المجاهد مجدي تحت هذا التعذيب إلى الكشف عن أسماء أعضاء مجموعة ( الشهداء ) التي كان عضواً فيها ، منذ ذلك التاريخ أصبح شهيدنا البطل مطلوباً لقوات الاحتلال وأجهزة مخابراتها ووحداتها الخاصة والمستعربة .

لكن شهيدنا الذي هزم الخوف منذ أن بايع على الشهادة راح يواجه واقعه الجديد بشجاعة وإقدام، وإذا كان مجدي - فك الله أسره - قد اضطر إلى الاعتراف بأن (عماد عقل) هو ضابط اتصال المجموعة ، فإن الشهيد القائد لم يرتعب ولم يضعف ، بل زاده هذا الأمر شجاعة وفرض عليه في نفس الوقت أن يظل على أهبة الاستعداد يحمل روحه على كفه وبندقيته على كتفه ، فقد عزم على الجهاد حتى الشهادة ورفض أن ينسحب من الميدان ويخرج خارج الوطن وبقي وفياً لقسمه، إذ نقل عنه - رحمه الله - عند بداية مطاردته قوله : " من الآن فصاعداً فأنا مطارد للاحتلال وعليه سوف أذيقهم العلقم بإذن الله" .

شهيدنا مع خمسة من إخوانه مطَاردون

عاش شهيدنا البطل مع إخوانه الخمسة المطاردين حياة الأخوة بمعناها الحقيقي ، ومما يسجل للشهيد ما يرويه أحد الإخوة المجاهدين الذين عرفوه ، إذ يقول هذا الأخ : في أحد مكامنه كنت وأحد الإخوة معه فقمنا نصلي ، ففضل البقاء في حراستنا ثم صلى بعد ذلك حتى لا نؤخذ على حين غرة ، كان خلال ذلك يحرث الغرفة جيئة وذهاباً وكأنه يفكر في أمر يشغله ، وضع بعدها لنا الطعام فما يتناول سوى لقيمات قائلاً لا أريد الإكثار حتى لا أتثاقل إلى الأرض فيشغلني ذلك عن مقارعة أعداء الله .

ضاقت مدينة غزة بمطاردي مجموعة الشهداء ، فقد انضم عشرة أخوة مجاهدين من (كتائب الشهيد عز الدين القسام) إلى قائمة المطاردين الجدد ، والخوف من أعمال التمشيط العسكري للبيارات والملاجىء والمنازل أصبح هاجساً يتملك المطاردين في هذه البقعة الصغيرة ، إلى جانب شح السلاح في ذلك الوقت .

الانتقال إلى الضفـة الغربية

وأمام هذا الوضـع الجديد ، وحفاظاً على الإخوة المطاردين وتوفيراً للجهد المضني في توفير الملجأ ، وتسهيل الحركة لهذه الأعداد تم التخطيط لخروج مطاردي (مجموعة الشهداء) من قطاع غزة والانتقال إلى الضفـة الغربية حيث تم تشكيل الجهاز العسكري لحركة حماس هناك وحمل أيضاً اسم (كتائب الشهيد عز الدين القسام) اسوة بما هو معمول به في قطاع غزة .

وكذلك جاء اختيار مجموعة الشهداء الانتقال إلى الضفة الغربية اختياراً موفقاً ، فقد خفف الانتقال العبء عن قطاع غزة من جانب وأعطى دفعة قوة للضفة الغربية بتكوين الخلايا المسلحة التابعة لكتائب القسام من جهة أخرى .

وقبل الانتقال مع مجموعة الشهداء إلى الضفة الغربية ، لابد من الوقوف مع الحدث البارز في سجل عماد عقل في تلك الفترة ، ألا وهو أول عملية عسكرية له ضد جنود الاحتلال ، ففي الرابع من آيار (مايو) 1992م أطلق عماد عقل رصاصه القسامي مستخدماً بندقية كارلو غوستاف ضد قائد الشرطة في قطاع غزة الجنرال (يوسيف آفنيبغد) أن أوقعته المجموعة في كمين نصبته له عند مفترق الشيخ (عجلين) ، غير أن العملية لم تسفر إلا عن إصابة سيارة (الشاباك) المرافقة له .

انتقل الشهيد (عماد عقل) عن طريق حاجز إيرز وهو المعبر الوحيد الذي يربط قطاع غزة بفلسطين المختلة عام 1948 إلى الضفة الغربية في الثاني والعشرين من آيار (مايو) 1992 ، واستقر في مدينة القدس وما هي إلا أيام قليلة حتى تبع الشهيد إلى القدس وبنفس الطريقة بقية أفراد المجموعة حيث تم استئجار شقتين آخريين في رام الله.

وبعد أن اكتمل عقد المجموعة تم ترتيب اتصال مجموعة الشهداء بمسؤول (كتائب عز الدين القسام) في الضفة الغربية حيث طلبت المجموعة تزويدها بالسلاح الحديث .

ضربة صعبة

وفي هذه الأثناء بدأت المجموعة التخطيط لتنفيذ عملية في قلب مدينة القدس تكون بمثابة الثأر للمجزرة الوحشية التي ارتكبتها قوات حرس الحدود الصهيوني في ساحة المسجد الأقصى قبل أكثر من عام ونصف ، ولكن لا راد لقضاء الله وقدره ، فقد تعرضت المجموعة لأكبر هزة تصيبها بعد انتقالها للضفة الغربية ، إذ اعتقل المجاهدون (محمد أبو العطايا ، ومحمد أبو عايش ومحمد حرز) في مساء يوم الأربعاء 29 يوليو (تموز) 1992 في إحدى الشقق التي استأجرتها المجموعة في رام الله بعد عمليات رصد مكثفة من قبل أجهزة المخابرات الإسرائيلية التي فقدت أثر هؤلاء المجاهدين في قطاع غزة ، فكان لون بشرة (أبو عايش) واعتراف بعض الشباب في القطاع عن وجودهم في الضفة الغربية طرفي الخيط في تكثيف عمليات المتابعة لهم في الضفة الغربية .

الضربة القاسية التي تلقتها (كتائب الشهيد عز الدين القسام) باعتقال ثلاثة من خيرة مجاهديها شكلت بداية النهاية لعمل مجموعة الشهداء أو من تبقى من المجموعة كوحدة واحدة ، فبعد أن تمت مراسلة القيادة في قطاع غزة وقدوم من أعاد ربطهم بكتائب عز الدين القسام في الضفة العربية إثر انقطاع الاتصال في أعقـاب مداهمة العدو للشقة في رام الله ، انتقل (عماد عقل) وأخويه (طلال نصار وبشير حماد) إلى مدينة خليل الرحمن حيث تم تزويدهم بالأسلحة الرشاشة والمسدسات استعداداً لبدء مرحلة جديدة من جهاد المجموعة .

شهدت مدينة خليل الرحمن نهاية عهد مجموعة الشهداء موحدة عمل واحدة ، إذ طلب من (عماد عقل) البقاء في المدينة وتولي مسؤولية القائد العسكري للعمليات في منطقة الخليل في حين نُقل الأخوان الآخران إلى مدينة نابلس لترتيب أوضاع المطاردين هناك ، فضم الشهيد القائد عماد عقل بندقيته إليه وقبض عليها بكلتا يديه ليكتب قصة المجد والجهاد عبر خطوات القسام الأولى في مدينة الخليل .

التخطيط لأسر جندي من جيش الاحتلال

شكل موضوع تزايد أعداد المعتقلين من كتائب الشهيد عز الدين القسام إلى جانب الأعداد الكبيرة من معتقلي حركة المقاومة الإسلامية حماس وأجهزتها الأمنية والعسكرية وعلى رأسهم شيخ الإنتفاضة المجاهد (أحمد ياسين) ، وما يعانونه من تعذيب وظروف صحية واجتماعية ونفسية صعبة داخل المعتقلات والسجون الإسرائيلية هاجساً سيطر على تفكير الشهيد منذ أن تولى مسئولية العمليات في منطقة الخليل ، ولهذا الغرض شرع القائد (عماد عقل) بالتخطيط لأسر جندي من جيش الاحتلال الصهيوني او أكثر واستخدام هؤلاء الأسرى كرهائن من أجل مبادلتهم بأبطال حماس وكتائب عز الدين القسام المعتقلين ، فطلب من مساعديه في وقت لاحق إيجاد مغارة كبيرة مناسبة في التلال المجاورة لمدينة الخليل تصلح أن تكون مكاناً آمناً حتى يمكن إخفاء الجنود الأسرى فيها.

وعندما تم ترتيب أمر المغارة ، تم تدريب الشباب الذين تم فرزهم من بين صفوف نشطاء الحركة على السلاح وتنظيمهم في إطار كتائب الشهيد عز الدين القسام باسم (مجموعة شهداء الأقصى) ، وبهذه المجموعة المجاهدة ، مضى الشهيد القائد في ثبات وتفاعل رغم كثرة التبعات وجسامة التحديات ولسان حاله يصرخ لن أترك أحفاد القردة والخنازير أمنين يعبثون ويفسدون، وإذا كان (عماد) قد تولى مسؤولية قيادة كتائب القسام في مدينة الخليل وما يتبع هذه المسؤولية من إشراف على تجنيد المجاهدين وتدريبهم على استخدام الوسائل القتالية وإعدادهم للقيام بعمليات ضد قوات الاحتلال ، إلا أن ذلك لم يحل دون مشاركته في العمليات العسكرية الجريئة التي نفذتها مجموعة شهداء الأقصى تخطيطاً وتنفيذاً.

ففي الحادي والعشرين من تشرين أول (أكتوبر) 1992 هاجمت مجموعة الشهيد القائد بالأسلحة الأوتوماتيكية سيارة (رينو 5) عسكرية كانت تسير على طريق الظاهرية باتجاه مدينة الخليل حيث قامت السيارة التي أقلت (عماد) وإخوانه بتتبع البيارة العسكرية ومن ثم إطلاق النار من البنادق الرشاشة على السيارة بعد الاقتراب منها مما أدى إلى إصابة جميع ركابها بإصابات مختلفة ، وبعد أربعة أيام من هذه العملية البطولية نفذ الشهيد القائد رحمه الله بالاشتراك مع اثنين من إخوانه عمليته العسكرية الثانية في منطقة الخليل والتي وصفها أحد ضباط القيادة في جيش الاحتلال بأنها من أجرأ العمليات التي استهدفت المواقع العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية ، إذ اقترب (عماد عقل وهارون ناصر الدين) من معسكر جيش الاحتلال القريب من (الحرم الإبراهيمي الشريف) ، وعلى بُعد ثلاثين متراً من الجنديين الذين كانا يتوليان الحراسـة بدأ البطلان بإطلاق النار من أسلحتهما الرشاشة دون أن يتمكن جنود الاحتلال من الرد عليهما أو تعقبهما عند انسحابهما في السيارة التي كانت تنتظرهما ، وقد اعترف الناطق العسكري الإسرائيلي في وقت لاحق بمقتل ضابط صف لم تنقذه واقية الرصاص التي كان يرتيديها في حين أصيب الجندي الثاني بجروح خطيرة .

في ضوء هذا النشاط الملحوظ الذي طرأ في الضفة الغربية ومنطقة الخليل بالذات في أعقاب سلسلة العمليات العسكرية الناجحة (لكتائب الشهيد عز الدين القسام) ، نشطت فرق جهاز المخابرات الإسرائيلية (الشاباك) وعملائه في تحركاتهم السرية في محاولة لكشف سر المجموعة التي نفذت هذه العمليات التي وجهت بشكل خاص ضد جنود ودوريات الجيش وجعلت قيادة الاحتلال تعيد النظر في تقليص حجم القوات الإسرائيلية المنتشرة هناك ، ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل ، وذهبت جهود ضباط الشاباك الذين نشروا عملاءَهم بين الجماهير لعلها تأتي بخيط يقود إلى مجموعة (شهداء الأقصى) سدى ، واستمر الشهيد القائد رحمه الله ماضياً في جهاده المبارك ينظم ويدرب ويخطط في همة وحيوية وتفاعل ممتشقاً سلاحه ومنتعلاً حذاءه الرياضي باستمرار ومتابعاً لتحركات العدو ودورياته أولاً بأول وفيما هو كذلك جاء قضاء الله وقدره بأن يبدأ العد التنازلي لإقامة الشهيد القائد في مدنية (خليل الرحمن) التي أحبه أهلها وشبابها ممن عرفوه والتقوا به أو سمعوا أحاديثه عن الجهاد وهو يضرب كفاً بكف مكزاً على أسنانه تعبيراً عن الغيظ والحقد الذي يكنه لليهود المحتلين مع حملة الاعتقالات الكبيرة التي استهدفت بشكل أساسي القبض على النواة الصلبة لحركة حماس في المدينة بشكل عام ، واشتد الخناق أكثر على مجموعة (شهداء الأقصى) إثر توصّل المحققين الصهاينة إلى أحد مجاهدي كتائب القسام ، فانكشف سر المجموعة واعتقل عدد من مجاهديها في حين تمكن عدد آخر من الاختباء عن أعين ضباط الشاباك والالتحاق بركب المطاردين .

أسفرت التحقيقات التي أجراها جهاز الشاباك بالتعاون مع جيش الاحتلال عن الكشف عن علاقة القائد عماد عقل بمجموعات الخليل ودوره ضمن البناء الهيكلي والتنظيمي للجهاز العسكري في حركة حماس بالضفة الغربية مما جعل إقامته صعبة للغاية.

من الخليل عودة إلى غزة

غادر شهيدنا البطل مدينة خليل الرحمن في الثالث والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1992م ، متجهاً إلى قطاع العز والكرامة حيث استطاع اجتياز كافة الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش التي أقامها جيش الاحتلال ودخل عبر بوابة حاجز إيرز الذي يربط القطاع بالمناطق المحتلة عام 1948 متخفياً في زي مستوطن يهودي ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على جرأة وشجاعة منقطعة النظير ناهيك عن مقدرة فائقة على التأقلم وسرعة البديهة .

لم يكن الوضع في قطاع غزة بأخف وطأة على الشهيد القائد وإخوانه المطاردين ، فقد اشتدت الإجراءات الصهيونية وازدادت قساوة في مختلف مدن وقرى ومخيمات القطاع مع التصعيد الجهادي المتميز لكتائب الشهيد عز الدين القسام .

رابين يساوم ...!!!

بعد أن فشلت أجهزة المخابرات الصهيونية في الوصول إلى جنرال حماس وتصفيته لجأت إلى أسلوب آخر وهو المساومة حيث أن رئيس الوزراء الصهيوني رابين أتصل بأهله وعرض عليهم أن يخرج عماد إلى مصر أو الأردن بسلام على أن يعود بعد ثلاثة سنوات دون أن يقدم إلى المحاكمة فرد بطل الإسلام عماد بقولته " أن رابين لا يستطيع أن يمنع شابا قرر أن يموت " وهكذا أخذ عماد بندقيته وانتظر في ليلة الخامس والعشرين من شهر نوفمبر عام 92 على مدخل حي الشيخ رضوان في غزة ليردي برصاصه جنديا صهيونيا وبعدها بشهر كان يربض أمام مفرق الشجاعية في مدينة غزة ليصرع ثلاثة من الجنود بينهم ضابط كبير وفي نفس المفرق وبعد حوالي شهر استطاع أن يصيب اثنين من جنود الصهاينة وفي شهر مارس كانت رصاصاته تخترق أجساد ثلاثة من جنود الاحتلال في جباليا وغرب الشيخ رضوان عند منطقة السودانية كان عماد هناك وذلك في 20/3/1993م ليصرع ثلاثة من جنود الاحتلال ثم قفز إلى حي الزيتون ليقتل ثلاثة آخرين ثم كان في الخليل ليصرع جنديا ويجرح آخر وهكذا نفذ عماد خلال سنتين من المطاردة أكثر من 40 عملية منها إطلاق نار على الجنود والمستوطنين وخطف العملاء والتحقيق معهم وقتل العديد منهم .

الخروج إلى مصر

ومع ازدياد الضغط الذي يشكله وجود عشرات المطاردين دون أن يكون في مقدور مسئوليهم توفير الملجأ الآمن في أعقاب سياسة تدمير المنازل ، حينها قررت (قيادة كتائب الشهيد عز الدين القسام) الطلب إلى عدد كبير من هؤلاء المطاردين الاستعداد لمغادرة القطاع وعبور الحدود باتجاه مصر حيث بدأ المجاهدون المطاردون بالخروج على شكل مجموعات صغيرة ، وعندما جاء الدور على الشهيد (عماد عقل) اعتذر عن الخروج بإصرار ، فقد كان رحمه الله عازماً على الجهاد حتى الشهادة ، فرفض أن ينسحب من الميدان أو أن يخرج مغادراً الوطن الذي يحبه دون أن يقاتل حتى الرمق الأخير .

وبقي وفياً لقسمه ، قسم المؤمنين بالجهاد حلاً وحيداً لتحرير كل فلسطين حتى أكرمه الله بالشهادة ، ومما قاله لمسؤوليه الذين عرضوا عليه الخروج تلك العبارة الخالدة : " سأبقى في فلسطين حتى أنال الشهادة وأدخل الجنة ، هذا جهاد نصر أو استشهاد " ، هكذا ردد الشهيد الشيخ المجاهد عز الدين القسام الذي عبر عن البعد الإسلامي لقضية فلسطين بعد قدومه إلى فلسطين من سوريا في آواخر العشرينيات من هذا القرن .

وبهذا الشعار عمل مجاهدنا البطل الذي كان يفتخر بعضويته في كتائب الشهيد عز الدين القسام، فمضى يسطر بدمه ودماء إخوانه الطاهرة وتضحياتهم الجسيمة أبهى وأنصع الصفحات حتى أفقد العدو صوابه ، وارتدت رصاصات الغدر الصهيونية إلى نحور وأكباد أحفاد القردة والخنازير خلال عشرات الكمائن ، وعمليات إطلاق النار على جنود الاحتلال ودوريات جيشه وحرس حدوده التي نفذهاوقادها شهيدنا البطل في المنطقة الشمالية من قطاع غزة والتي تشمل مدينة غزة وأحياءها وبيت لاهيا ومخيمنا جباليا والشاطىء كان من أبرزها عملية الشيخ عجلين التي استهدفت جنود الحراسة في معسكر لجيش الاحتلال بعد يومين من قدومه من الخليل وعملية مفرق الشجاعية في السابع من كانون أول (ديسمبر) عام 1992 وعمليتي مقبرة جباليا في الحادي والعشرين من آذار (مارس) 1993م ، والكمين الجريء في حي الزيتون في الثاني عشر من أيلول (سبتمبر) والذي قتل فيه ثلاثة من جنود حرس الحدود ، وتم الاستيلاء على قطعتين (أم - 16) وعتاد ووثائق من السيارة العسكرية فيما بعد ، وهذه إحصائية بالعمليات التي نفذها الشهيد عماد عقـل .

الموقع__ خسائر العدو البشرية (حسب مصادر العدو)__ التاريخ

05/04/1992__ الشيخ عجلين - غزة__ تحطيم سيارة مخابرات وإصابة ركابها

21/10/1992__ منطقة الحاووز - الخليل__ أربعة جرحى بينهم ضابطة

25/10/1992__ موقـع عسكري - الخليل__ مقتل جندي وجرح آخر

25/11/1992__ الشيخ رضوان - غزة__ مقتل جندي

07/12/1992__ طريق الشجاعية بيت لاهيا__ ثلاثة قتلى بينهم ضابط

12/02/1993__ مفترق الشجاعية - غزة__ جريحان

12/03/1993__ الطريق الشرقي -غزة__ أربعة جرحى

20/03/1993__ مقبرة الشهداء - جباليا__ ثلاثة قتلى وأربعة جرحى

28/05/1993__ غرب الشيخ رضوان - غزة __ سبع إصابات

30/05/1993__ حي قرقش -غـزة__ غير محـدد

12/09/1993__ حي الزيتون - غزة__ ثلاثة قتلى

19/10/1993__ بيت لاهيا__ جريحان

إن دراسة العمليات العسكرية الجريئة والنوعية التي نفذها الشهيد خلال تلك الفترة تعطي فكرة عن هذا البطل الذي لفت أنظار الأعداء قبل الأصدقاء بنوعية عملياته وشجاعته التي قلما نجد مثيلاً لها ، ليسطر تاريخاً مديداً من الجهاد والمقاومـة .

فمن الملاحظ خلال النظر في قائمة العمليات والكمائن التي نفذها أن الشهيد كان يتميز بالحذر والاستعداد الدائم حيث كان كثير التنقل ولا يستقر في مكان واحد لأكثر من ثلاثة ايام ، وفي أثناء ذلك يكون مستعداً للتحرك ، يخطط لعملياته جيداً ثم يتوكل على الله ، فأحبه الناس ودعوا له مما كان له الأثر البالغ في انقاذه من كمائن كثيرة نصبتها له الوحدات الخاصة والمستعربة لالقاء القبض عليه .

مضى على مطاردة القوات الإسرائيلية للقائد (عماد عقل) أكثر من سنتين ، ظل خلالهما شهيدنا رحمه الله يجــوب الضفة الغربية وقطاع غزة بحثاً عن (الذئاب) الإسرائيلية من جيش وشرطة وحرس حدود .

ومع نجاح البطل ومجموعاته في اصطياد عدد كبير من هؤلاء دخلت عمليات صيد (الحرباء) أو (الشبح) أو ، (العقرب) وهي التسميات التي أطلقتها سلطات الاحتلال العسكريـة على شهيدنا الغالي طوراً جديداً حيث تم توسيع دائرة عمل الوحدات الخاصة المستعربـــة التي قتلت منذ تشكيلها أكثر من مائة مطارد من مختلف الفصائل والتنظيمات الفلسطينية بتشكيل قوة خاصة لمطاردة عماد بالذات ووضع ضابط الشاباك المدعو (أبو ياسين) لمتابعة المطارد (رقم واحد) بحيث لم يدع له مجالاً حتى للاقتراب من منزل والديه في (مخيم جباليا) ، ولكن هذه الإجراءات، لم تنل من القائد (عماد عقل) الذي تهيج مشاعره سخطاً على هذا العدو اليهودي ، وتشتد لهفته لمقاتلة أعداء الله دون أن يعرف المهادنة أو الرضوخ ، فتمضي أيام (أسطورة غزة) الخالدة بين قراءة القرآن وقيام الليل والدعاء المتواصل لله ثم التفكير في أحوال المسلمين وما يعانونه من ظلم ، متزيناً بصور ومآثر أبطال الإسلام وبنادق الحق التي تزغرد برصاص القساميين البواسل .

ومثلما جسّد الشهيد القائد ببطولاته وعملياته الهجومية الجريئة رغم حملات المطاردة المكثفة أسطورة الأجيال القادمة على المقاومة والدفاع عن الحقوق المشروعة والاستهانة ببطش العدو، غدا (عماد عقل) ايضاً أسطورة الأجيال القادمة على تحدي الأخطار المحدقة بشجاعة وبطولة واستعداداً للشهادة مقبلاً غير مدبر حتى اعترف جيش الاحتلال الذي هاجمه بأنه كان المهاجم لا المتصدي ، ولم يكن ذلك بالأمر الغريب على أسطورة غزة ، فقد صدق الله وطلب الشهادة بصدق فصدقه الله ونالها في نهاية الأمر ، ولعل تيقن شهيدنا البطل بالانتصار والفوز بالشهادة والتي بدأت في نفس اليوم الذي حمل فيه السلاح ، هذا الدافع الأكيد للجرأة المنقطعة النظيرة .

موعد مع الشهادة

لبى شهيدنا البطل الذي كان صائماً في ذلك اليوم ، طلب بعض الشباب بأن يتناول طعام الإفطار معهم في بيت لآل فرحات بجانب سوق الجمعة ومسجد الإصلاح بحي الشجاعية بمدينة غـزة ، وبعد تناوله الإفطار بمدة نصف ساعة ، أي في الساعة الخامسة والربع من مساء الأربعاء الموافق 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 1993 ، والذي يصادف الذكرى الرابعـة لاستشهاد الشيخ (عبد الله عزام) ، وبعد أربعة أيام من ذكرى استشهاد الشيخ (عز الدين القسام) ، شعر البطل بأن المكان محاصر من قبل قوات كبيرة من الجيش وحرس الحدود لم يشهد لها سكان الشجاعية مثيلاً من قبل ، حيث قدرت بأكثر من (60) سيارة عسكرية من مختلف الأنواع والأحجام ، إضافة لسيارة إسعاف عسكرية وسيارة لخبراء المتفجرات ومطاردة طائرة مروحية حلقــــت فوق المكان إلى جانب عدد كبير من سيارات الوحدات الخاصة ، وشمل الحصار العسكري الذي شارك فيه المئات من الجنود الصهاينة وعدد من ضباط الاستخبارات بقيــــادة قائد المنطقة الجنوبية كافة أنحاء المنطقة الشرقية من حي الشجاعية ومنطقة سوق الجمعة واعتلى العشــــرات من هؤلاء الجنود أسطح المنازل المحيطة بالمنزل الذي تحصن فيه الشهيد القائـــــد .

وفيما بدت المنطقة أشبه بثكنة عسكرية حيث تواصل قدوم التعزيزات العسكرية أخذ أسطورة غزة بالانتقال من مكان إلى آخر باتجاه جنود الاحتلال من مسدس عيار 14 ملم كان بحوزته، يروي أصحاب المنزل بأن الشهيد القائد قال : " حضر الآن موعد استشهادي " ، ثم صعد بعدها إلى سطح المنزل وقام بأداء ركعتين لله تعالى، وفي هذه الأثناء كانت قوات الاحتلال التي فرضت منع التجول على تلك المنطقة تقوم بعملية تمشيط واسعة بحثاً عن المجاهدين الذين نجحوا في الانسحاب والعودة إلى قاعدتهم ، شملت البيارات المجاورة والعديد من المنازل ، كما قصف جنود العدو منزل آل فرحات بالصواريخ المضادة للدبابات وأطلقوا النار بغزارة من اسلحتهم الرشاشة باتجاه المطارد الذي لم تحدد سلطات الاحتلال شخصيته حتى تلك اللحظة ، فأصيب بطلنا وهو يصلي برصاصة في ساقه ، إلا أن تلك الإصابة لم تمنعه من القفز من أعلى المنزل باتجاه الأرض صارخاً الله أكبر وتبادل إطلاق النار مع جنود الاحتلال الذين يحاصرون المنزل حتى فاز بالشهادة ، فقد أصابت إحدى القذائف المضادة للدروع الشهيد ومزقت جسده أشلاء حيث كانت الإصابة مباشرة في منطقة الرأس التي تناثرت إلى عدة قطع لدرجة أن أجزاء من رأسه قد أزيلت وملامح وجهه الطاهر لم تعد تظهر على الإطلاق طبقاً لما رواه الشاب نضال فرحات (24 عاماً) الذي قام بنقل جسد الشهيد خارج المنزل .

وإذا كان الرصاص قد نال من (عماد عقل) وفاز بالجنة التي عمل وسعى لها ، فإن الشهيد القائد قد أحاط بجنود العدو قبل أن يتمكنوا منه وأوقع فيهم عدة إصابات .

خافو منه حياً وشهيداً

مثلما كان الشهيد رحمه الله عظيماً بقدرته على زعزعة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من جيش وشرطة وحرس حدود وأجهزة مخابرات ببطشها وجبروتها ، كانت جثته الطاهرة عظيمة أيضاً بما أوقعت من خوف ورعب في نفوس المئات من جنود الاحتلال وعلى رأسهم الجنرال اميتان فيلنائي قائد المنطقة الجنوبية الذين وقفوا عاجزين عن كتمان ما اعتراهم حتى بعد أن تيقنوا أن المطارد الذي يحاصرونه قد قتل ، لما إن أبلغ الجنود الذين اعتلوا سطح بناية مجاورة لمنزل آل فرحات بأن إحدى القذائـف أصابت المطلوب بشكل مباشر حتى بدا الارتباك على وجوه المجرمين الذين أخذوا ينظرون إلى بعضهم البعض ماذا يفعلون ومن الذي سيدخل أولاً .

ولكن جبن حفدة القردة والخنازير منع أي منهم من دخول المنزل ، وعندئذ لجأوا إلى منزل المواطن زهير اسليم القريب من مكان الحادث واقتادوه تحت الضرب وتهديد السلاح إلى منزل آل فرحات بعد أن أخبرهم عن اسم أصحاب هذا المنزل ، وبعد ذلك قالوا له نريدك أن تحضر لنا أصحاب المنزل من الداخل وتبلغهم أن يخرجوا ، فرفض المواطن الفلسطيني في البداية خشية أن يتعرض لإطلاق النار ، ولكنه اضطر للدخول ونادى على أصحاب المنزل من الداخل بعد أن اعتدى المجرمون عليه بالضرب وألبسوه الخوذة العسكرية وهددوه بإطلاق النار عليه إن استنكف عن الدخول .

خرج الشاب نضال فرحات أولاً ، فبدأ ضباط الشاباك باستجوابه والتحقيق معه حول ما إذا كان يوجد مسلحون أم لا وسألوه عن الشخص الذي قتل في الداخل ولماذا جاء إلى المنزل ثم طلبوا منه أن يخرج جميع أهل البيت حيث تم اقتيادهم إلى مكان قريب من المنزل ، وعندئذ ، قال ضباط العدو للشاب نضال بأنهم لن يدخلوا المنزل حتى يدخل هو ويحضر لهم الجثة الموجودة في الداخل ، وبالفعل ، حمل نضال الجثة ووضعها خارج المنزل أمام جنود العدو الذين لم يخفوا حقدهم الأعمى على الشهيد القائد الذي دوخهم حياً وبعد استشهاده ، فأخذوا يطلقون النار بغزارة على الجثة الطاهرة التي أصيبت مجدداً بحوالي (70) رصاصة في حين قام بعض المجرمين بطعنها عدة طعنات بالسكاكين .

وبعد إجبار نضال وشقيقيه وسام ومؤمن على خلع النصف العلوي من ملابسهم وتقييدهم بالحبال ، اقتحمت قوات الجيش الصهيوني المنزل وقامت بتفتيشه بصورة دقيقة والعبث بمحتوياته وحفر عدة أجزاء من أرضيته مما أحدث بالمنزل أضراراً بالغة ، ولم تنته عمليات التمشيط والتحقيق مع أصحاب المنزل إلا في الساعة العاشرة ليلاً حيث غادر عندها جنود الاحتلال المنطقة وهم يطلقون العيارات النارية من أسلحتهم الأوتوماتيكية في الهواء تعبيراً عن فرحتهم بهذا الحدث العظيم ، كما قام عدد منهم بالرقص فرحاً وطرباً لمقتل البطل القائد وأخذوا ينشدون (عماد .. عماد .. !!) .

وسط مشاعر الغضب التي سادت الشارع الفلسطيني ، أظهرت جماهير شعبنا في حي الشجاعية مقدار الاحترام الذي تكنه لكتائب الشهيد عز الدين القسام وقائدها البطل (عماد عقل) وجسدت الشجاعية موقفها بالفعل الجهادي اليومي وفي التصعيد الذي شهدته فعاليات الانتفاضة المباركة في أعقاب الإعلان عن استشهاد القسامي إلى جانب إطلاق اسم الشهيد على مدرسة في الحي ، ولعل التحدي الذي أظهره أهل الشجاعية للوجود العسكري الإسرائيلي المكثف بتجميعهم الأجزاء التي تركها المجرمون على حائط وأرض المنزل من رأس الشهيد ودماغه وفمه ووضعها داخل علم فلسطين كتب في وسطه عبارة (لا إله إلا الله) ودفن هذه الأشلاء في إحدى مقابر الحي ، كان تعبيراً صادقاً عما تكنه الشجاعية لشهيدنا حيث شارك نحو خمسة آلاف شخص يرفعون المصاحف إلى جانب نحو (800) امرأة فلسطينية توافدن إلى المكان في تشييع هذه الأشلاء ودفنها في موكب مهيب يليق بحفيد القسام لتستقر رفاته الغالية الطاهرة في المقبرة الشرقية .

ما إن بدأت أنباء استشهاد القائد (عماد عقل) بالانتشار حتى اندفعت الجماهير الفلسطينية الغاضبة نحو منزل الشهيد في مخيم جباليا محطمة أوامر منع التجول التي حاولت سلطات الاحتلال فرضها بعد استشهاد البطل القسامي لعله يكون مجرد إشاعة قيلت أو أكذوبة من أكاذيب راديو العدو الصهيوني .

وبإعلان حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الحداد العام المدة ثلاثة أيام في كافة أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة ، شهدت المدن والقرى والمخيمات تصعيداً نوعياً في فعاليات الانتفاضة المباركة باعتراف كل وسائل الإعلام العالمية وحتى الإسرائيلية .

وحسب هذا الإعتراف ، فقد أعادت صور الانتفاضة المتجددة إلى الأذهان صور الانطلاقة في أيامها الأولى ، فإلى جانب الإضراب الشامل الذي عم الضفة والقطاع خلال أيام 25 ، 26 ، 27 تشرين الثاني (نوفمبر) تلبية لدعوة حركتي حماس وفتح ، غطت سماء القطاع سحابة سوداء دخـان الإطارات المشتعلة وأغلقت المحال التجارية أبوابها وتوقفت حركة المواصلات ورفعت الأعلام السوداء وأغلق الشباب جميع الشوارع بالمتاريس والحواجز الحجرية وتعطلت الدراسة في جميع المدارس والمعاهد والجامعات ، وتكونت المسيرات العشوائية الحاشدة من جميع فئات الشعب واتجاهاته لتشارك في عرس (عماد القسام) حيث انطلقت هتافات الجماهير أطفالاً وونساءً وشباباً وشيوخاً تدوي في سماء الوطن (نرفض السلام مع القتلة) بوحدة وطنية حقيقية لم تشهدها فلسطين المحتلة منذ توقيع اتفاق أوسلو ، وفيما ظهرت مجموعات المطاردين من كتائب الشهيد عز الدين القسام التابعة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وصقور فتح مع إطلالة فجر الخامس والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) تجوب الشوارع وهي تطلق النار في الهواء تحية للشهيد القائد معلنة أن عماد عقل هو قائدها الأعلى ، صدحت مكبرات الصوت في المساجد بالقرآن الكريم ، ودعت السكان إلى (ذبح اليهود) و(تصعيد مقاومتهم للجنود الإسرائيليين) و(إحراق الأرض تحت أقدام الغزاة الصهاينة) ، وما هي إلا دقائق قليلة حتى تدفق مئات الشباب إلى الشوارع التي شهدت حرباً حقيقية بين الحجر والبندقية وتحول القطاع بأكمله إلى ساحة قتال تركز أعنفها في مخيم جباليا وفي حي الشيخ رضوان ومخيم الشاطىء وحي الشجاعية ، وترافقت هذه المصادمات التي جرت بين جماهير القطاع وجنود الاحتلال الذين جابوا الشوارع بدوريات عسكرية مكثفة وتمركز منهم فوق المباني المرتفعة وعلى الطرقات والشوارع والمحاور الرئيسية ، مع الاضراب الشامل الذي شل مدن الخليل وبيت لحم ورام الله وجنين ، ونابلس والقدس حداداً على استشهاد (أسطورة غزة) حيث أغلقت المدارس والمؤسسات والمصانع والمتاجر أبوابها .

وجاب ملثمو حماس في جميع أنحاء الضفة والقطاع يكتبون شعارات تنعي الشهيد القائد (عماد عقل) وتتعهد بالثأر والانتقام ، وحال تساقط الأمطار في بعض المناطق من اتساع رقعة المواجهات .

وقد عقبت الصحافة الفلسطينية والعربية والعالمية على هذا الحدث التاريخي، ومرفق نماذج لتعبيرات الصحافة :

وقد قامت الكاتبة الصحافية الإسرائيلية (عميرة هس) بجولة في قطاع غزة سجلت خلالها ملاحظاتها وانطباعاتها حول الأجواء السائدة بعد استشهاد البطل (عماد عقل) برصاص جنود الاحتلال ، قالت الكاتبة في مقالة نشرتها صحيفة هارتس :

" لوح أحد الجنود المتمركزين في حاجز إيرز بيده وهو يحمل البندقية ، وأخذ يصرخ اكتبي .. اكتبي جولاني في الميدان ، وغزة في غليان ، وبعد ذلك دمدم بكلمات قائلاً : سوف نلقي القبض على (عماد عقل) ، وسوف نريه ماذا سنفعل ، ويبدو أن روح (عقل) قائد قوات (عز الدين القسام) في القطاع ما تزال تحوم وتسيطر ليس فقط فوق أجواء مخيم جباليا ، حيث الأطفال يهاجمون الجنود بالحجارة وهم يهتفون كلنا عماد ... كلنا عماد " .

وقد أصدرت كافة القوى السياسية والفلسطينية بيانات نعي وتأبين للشهيد الأسطورة .

-------------------------------------------------------------------------------

وقد أصدرت حماس بيانها التأبيني قالت فيه :

بسم الله الرحمن الرحيم

" وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء "

القائد عماد عقل .. سيد الشهداء المظفـر وفارس الميامين الأغر

الله أكبر أيها النسر المحلق في سماء فلسطيــن

الله أكبر أيها الصقر الكاسر في وطن الثورة والتحدي

الله أكبر أيها الفارس الذي ترجل إلى علييـن

الله أكبر أيها البطل الذي أعيا الحياة ، وما ناله نصب ولا وهـن ما نبكيك حزناً يا سيد الشهداء ... بل نبكيك فرحاً وأنت من المصطفين الأخيار مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين . رحماك يا ملحمة الشجاعة وسفر الرجولة والبسالة ...

رحماك أيها القائد الذي دوخ العدو عقلاً وتخطيطاً وتنفيـذاً ...

رحماك أيها الثائر الذي جاب رحاب غزة وخانيونس وجباليا ورفح والخليل ، مؤسساً لقواعد المقاومة ، ومدرباً لرجالها وقائداً لبطولاتها في وجه الصهاينة الغادرين . درس الدروس ، وعبرة العبر ، حفظتها الأجيال عنك يا سيد الشهداء المظفر . لن نلقي سلاحنا ... سلاحنا بقاؤنا .

وبقاؤنا المقاومة ، فاستبشر أيها المسجى بنور الإسلام ، المجبول بتكبيرات الإله ، الراقد على ثرى الوطن الذي أبيت مغادرته ، (فزت ورب الكعبة).

هنيئاً لك شربة الفوز من حوض قائدك العظيم ورائدك في درب الجهاد الرسول القائد محمد صلى الله عليه وسلم ... وعهدنا هو العهد .. وقسمنا هو القسم .. وثأرنا هو الثأر .. ولكل قطرة من دمك الطهور أيها القائد الشهيد ، سيطير رأس صهيوني غادر .

" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً ، بل أحياء عند ربهم يرزقون "

والله أكبر .. والنصر لشعبنا المجاهد

وإنه لجهــــاد ... نصـــر أو استشهاد

حركة المقاومة الإسلامية " حماس "

--------------------------------------------------------------------------------------------

كما أصدرت الحركة الإسلامية في مخيم جباليا نعياً خاصاً بابنها البار مما ورد في هذا البيان :

بسم الله الرحمن الرحيم

" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً ، بل أحياء عند ربهم يرزقون ، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون "

سيد شهداء الانتفاضة :

أيها الفارس .. ايها النور المتوهج .. أيها القسامي الأصيل .. يا ابن ياسين الحماس .. وقسام البندقية .. يا أهلنا في أرض الرباط ... يا كل الأحرار الذين رضعوا الكرامة من مخيماتنا الصامدة ... أيها القساميون في كل المواقع ... يا من تزفون شهيد أرض القسام ... ذلك الأسد من نسل الأسود ... وهذا العطاء من فجر أرضه .

فيا يوم الرابع والعشرين ، يا يوم الملحمة الخالدة ، أطلقها تدوي على رؤوس الأشهاد ، نعم الشهيد عماد ، ونعم الحي عند ربه ، تشهد له كل فلسطين ، تكبر له مآذن القدس ، وتهلل له مساجد غزة ، فهنيئاً لك يا عماد القسام ، هنيئاً لك وسام الشهادة الخالد ، فاليوم سطرت الغد المشرق ، ورويت أرضاً متعطشة لدماء الطاهرين لتنبت العزة والكرامة ، تقف معلماً لكل المجاهدين ، كيف يطرقون الجنة بجماجم اليهود ، اليوم عجز عمالقة الكلام أمام عمالقة الجهاد، وتقدم الدم الزكي يخطب فينا ، ليحرك فينا الهمم ويبعث فينا العزائم .

أعلى الصفحة ********************************************************************************************************************

في الذكرى السابعة لاستشهاد القائد المهندس

يحيى عياش

"أبو البراء"

نجم جهادي انضم إلى كوكبة الشهداء

خاص:

عياش … شعلة للمقاومة … راية للشهادة … شعاع أثر شعاع … سنبلة تلو سنبلة ...وتواصل قافلة الشهداء عبر التاريخ ، نجم جهادي انضم إلى كوكبة الشهداء ، ريحانة قسامية انغرست في أرض فلسطين … هكذا ترجل فارس المجاهدين قائد مجموعات الاستشهاديين في كتائب الشهيد عز الدين القسام ، الذراع العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس .

نشأته وحياته…

" يحيى عياش الرجل المعنى في زمن تساقطت فيه المعاني عن كثير من الرجال ، الطيف العصى الذي لا يُرى بسهولة ، يحيى عياش اليدان اللتان تتقنان صنع الحرائق لتشرق الشمس بلا كآبة على الذرى الفلسطينية ، العينان اللتان تصادقان الليل فـي البحث عن ممر إلى ثغور الغزاة ..الكوفية التي تتشابه خيوطها مع ندوب الأرض المقدسة ، يحيى عياش نجم فلسطيني احترق وهوى كعباءة منسوجة بورق الزيتون ووجهه مقبل على الصلاة كحدود الشهادة ".

القلب الصغير الذي يحمله الشاب الهادىء الوادع يتسع كل فلسطين بأرضها وسمائها وبحرها وأقصاها وأهلها ، كان يعتقد دوماً أنه خُلق لأجلهم ، لأجل عزهم ، لأجل مستقبلهم .

ولد يحيى ونشأ في قرية (رافات) بين نابلس وقلقيلية لعائلة متدينة محافظة ، وقد رزق الله (الحاج عبد اللطيف) ابنه البكر (يحيى في) الثاني والعشرين من مارس من عام 1966 ، وقد كان يحيى معروفاً بذكائه الحاد وحفظه الدقيق ، وبدأ بحفظ القرآن منذ السادسة من عمره ، وكان الصمت والخجل والهدوء ميزات خاصة في يحيى ، وكأي فلسطيني كبر يحيى وكبر معه الألم الذي يعتري الأحرار ، كان يدرس في مدرسة القرية الإبتدائيــة ويقف واجماً في وسط الطريق يحملق في جرافات المستوطنين التي تسوي أراضي القرية وتلتهمها لتوسيع المستوطنة .

وقد واصل دراسته الإعدادية والثانوية وحصل في امتحان التوجيهي على معدل 92.8% في القسم العلمي ليلتحق (بجامعة بيرزيت) في قسم الهندسة الكهربائية (قسم الإلكترونيات) وكان يحب دراسة الكيمياء التي تبحر فيها ، وقد كان خلال دراسته أحد نشيطي (الكتلة الإسلامية) .

وبعد تخرجه حاول الحصول على تصريح خروج للسفر إلى الأردن لإتمام دراسته العليا ورفضت السلطات طلبه ، وقد عقب على ذلك (يعكوف بيرس) رئيس المخابرات آنذاك بالقول: " لو كنا نعلم أن (المهندس) سيفعل ما فعل لأعطيناه تصريحاً ، بالإضافة إلى مليون دولار " ، وتزوج بعد تخرجه من إبنة عمه ورزقه الله ولده البكر (البراء) فيما رزق بولده (يحيى) بتاريخ 24/12/1995م .

ولمّا انطلقت شرارة الانتفاضــة أول (أبو البراء) رسالة إلى (كتائب الشهيد عز الدين القسام) ، يوضح لهم فيها خطة لمجاهدة اليهود عبر العمليات الاستشهادية وأصبحت مهمة (يحيى عياش) إعداد السيارات المفخخة والعبوات شديدة الانفجار .

فذاً ..مجاهاً ..قائداً ..صلباً ……

لم يكن عياش انساناً عادياً ولا شخصاً محدود القدرات والمواهب بل كان رجلاً فذاً ومجاهاً متمرساً وقائداً صلباً ومؤمناً ورعاً تفيض نفسه بالإيمان وتعمر روحه بالصفاء والنور والتقوى نشأ يحيى عياش في قرية رافات التي ولد فيها عام 1966 ، على دراسة العلوم الإسلامية وحفظ القرآن الكريم ، وتفوق في دراسة الابتدائية والثانوية مما دفعة لدراسة الهندسة الكهربائية في جامعة بيرزيت فحصل منها عام 1991 على شهادة البكالوريوس .

تفوق عياش في الدراسة وانشغاله بمسألة التحصيل العلمي لم يمنعه من التفكير بقضايا شعبه والتخلص من الاحتلال الإسرائيلي الجاثم على أرض فلسطين فاتجه عياش لتسخير مقدراته العلمية وتفوقه في مجال الهندسة الكهربائية لمحاربة الإرهاب الإسرائيلي الذي يرتكب المجازر ضد الآمنين في منازلهم والعاملين في حقولهم والمصلين في معابدهم فبرع يحيى عياش في صنع المتفجرات والعبوات الناسفة واستطاع ابتكار طرق مختلفة للتفخيخ والتفجير وأجاد التحرك والاختفاء ، واستطاع من خلال ترؤسه لمجموعات الاستشهاديين في كتائب الشهيد عز الدين القسام أن ينتقم لضحايا الإرهاب الصهيوني الذي يدير منذ أوائل هذا القرن حرباً للقتل والإرهاب والتعذيب والبطش ، تارة بأيدي العصابات الصهيونية وطوراً بأيدي المستوطنين وجيش الاحتلال .

كان الدم المسلم الفلسطيني نازفاً بغزارة الحقد اليهودي يغطي أرض (الحرم الإبراهيمي) في الخامس عشر من رمضان المبارك لتشتعل بهذه الدماء قلوب المسلمين ، فيما القلب الصغير تحوّل إلى نار وبارود ولهيب يلفح من ذبحوا شعبه على مرأى ومسمع العالم الظالم ، وأقسم أن يكون هو الرد ، هو القدر النافذ الذي يوقف زحف الغطرسة الصهيونية والاستعلاء الإسرائيلي، كان حينها المهندس مطلوباً لقوات الاحتـــلال بسبب انتمائه إلى (كتائب الشهيد عز الدين القسام)، وقد أدرج على قائمة المطلوبين لأول مرة في نوفمبر سنة 1992م إثر اكتشاف السيارة المفخخة في رمات إفعال) .

أهم العمليات :

عبقرية القائد يحيى عياش نقلت المعركة إلى قلب المناطق الآمنة التي يدّعي الإسرائيليون أن أجهزتهم الأمنية تسيطر فيها على الوضع تماماً . فبعد العمليات المتعددة التي نفدت ضد مراكز الاحتلال والدوريات العسكرية نفذ مقاتلو حماس بتخطيط من قائدهم عياش عدداً من العمليات أهمها :

· 6 نيسان 1994 الشهيد رائد زكارنة يفجر سيارة مفخخة قرب حافلة صهيونية في مدينة العفولة مما أدى إلى مقتل ثمانية صهاينة وجرح ما لا يقل عن ثلاثين وقالت حماس أن الهجوم هو ردها الأول على مذبحة المصلين في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل .

· 13 نيسان 1994 مقاتل آخر من حركة ( حماس ) هو الشهيد عمار عمارنة يفجر شحنة ناسفة ثبتها على جسمه داخل حافلة صهيونية في مدينة الخضيرة داخل الخط الأخضر ، مما أدى إلى مقتل 5 صهاينة وجرح العشرات .

· 19 تشرين أول 1994 الشهيد صالح نزال وهو مقاتل في كتائب الشهيد عز الدين القسام يفجر نفسه داخل حافلة ركاب صهيونية في شارع ديزنغوف في مدينة تل أبيب مما أدى إلى مقتل 22 صهيونياً وجرح مال لا يقل عن 40 آخرين .

· 25 كانون أول 1994 الشهيد أسامة راضي وهو شرطي فلسطيني وعضو سري في مجموعات القسام يفجر نفسه قرب حافلة تقل جنوداً في سلاح الجو الصهيوني في القدس ويجرح 13 جنداً .

· 22 كانون ثاني 1995 مقاتلان فلسطينيان يفجران نفسيهما في محطة للعسكريين الصهاينة في منطقة بيت ليد قرب نتانيا مما أدى إلى مقتل 23 جندياً صهيونياً وجرح أربعين آخرين في هجوم وصف أنه الأقوى من نوعه وقال المصادر العسكرية الصهيونية أن التحقيقات تشير إلى وجود بصمات المهندس في تركيب العبوات الناسفة .

· 9 نيسان 1995 حركتا حماس والجهاد الإسلامي تنفذان هجومين استشهاديين ضد مواطنين يهود في قطاع غزة مما أدى إلى مقتل 7 مستوطنين رداً على جريمة الاستخبارات الصهيونية في تفجير منزل في حي الشيخ رضوان في غزة أدى إلى استشهاد نحو خمسة فلسطينيين وبينهم الشهيد كمال كحيل أحد قادة مجموعات القسام ومساعد له .

· 24 تموز 1995 مقاتل استشهادي من مجموعات تلاميذ المهندس يحيى عياش التابعة لكتائب الشهيد عز الدين القسام يفجر شحنة ناسفة ثبتها على جسمه داخل حافلة ركاب صهيونية في رامات غان بالقرب من تل أبيب مما أدى إلى مصرع 6 صهاينة وجرح 33 آخرين .

· 21 أب 1995 هجوم استشهادي أخر أستهدف حافلة صهيونية للركاب في حي رامات اشكول في مدينة القدس المحتلة مما أسفر عن مقتل 5 صهاينة وإصابة أكثر من 100 آخرين بجروح وقد أعلن تلاميذ المهندس يحيى عياش مسؤوليتهم عن الهجوم .

عمليات تفجير متنوعة؟؟

وفي السادس عشر من أبريل سنة 1993م وفي مفترق (محولا) في الغور نفذ هجوم استشهادي بمحاذاة حافلة ركاب إسرائيلية قتل شخص واصيب تسعة آخرون ، وفي أغسطس 1993 بتوجيه من (المهنس) نفذ (علي عاصي ومحمد عثمان) هجوماً نحو موقع للجيش الإسرائيلي قرب مفرق كفر بلوط أسفر عن مقتل جنديين ، وفي يناير 1994م ، توجه مع (علي عاصي) يحمل عبوة ناسفة محكمة ووضعها في ميدان رمايه للجيش الإسرائيلي في منطقة رأس العين ، وانفجرت العبوة واصيب جنديان بجروح خطيرة ، وانطلق الشهيد (ساهر تمام) في سيارته المفخخة التي أعدها (المهندس) لتنفجر بجوار باص إسرائيلي يقل جنود من جيش الاحتلال ، وقد أُصيب ثلاثين جندياً بجراح ، ثم انطلق الشيهد الشيخ (سليمان) بسيارته المفخخة وبجوار باص ينفجر حيث قتل شخصان وأصيب ثمانية بجراح . لكن الولادة الحقيقية (للمهندس) وعملياته التدميرية لكيان يهود كانت رصاصات (باروخ جولدشتاين) وهي تنفجر في رؤوس الساجدين لله تبارك وتعالى في الحرم الإبراهيمي (الشريف).

ففي الذكرى الأربعين للمجزرة وبالتحديد في السادس من نيسان 1994م كان الاستشهادي (رائد زكارنة يقل حقيبة (المهندس) وينطلق بها تجاه (العفولة) ، وفي حافلة ركاب كان (رائد زكارنة) يتفجر ويمزق معه ثمانية من الأجساد اليهودية ليشربوا من نفس الكأس الذي زرعوه ويمسح (رائد والمهندس) دمعة أولى عن وجنة فلسطين الغالية ، فيما قسم يحيى للثأر مازال ساري المفعول .

العفولة ..الخضيرة ..القدس ..تل ابيب …… وبعد أقل من أسبوع ، وفي الثالث عشر من نفس الشهر وفي (الخضيرة) ينفجر (عمار عمارنة) لتسقط خمس جثث أخرى في استمرار لمدرسة (المهندس) التي أفتتحها .

وفي مواجهة المهندس وعملياته التدميرية لكيان إسرائيل المجرم يكبر الهم الإسرائيلي ويعجل الجيش الانسحاب بالفرار من غزة أولاً مع بداية شهر مايو 1994م ، وبعد أقل من شهر على عمليتي (العفولة والخضيرة) ، وبعد أشهر من المماطلة والتعنت الإسرائيلي ، وتنشأ إثر ذلك حالة من الرعب الهستيري ، فشبح (المهندس) وحقائبه تطارد كل إسرائيلي في كل مكان ليلعن اليهود (باروخ جولدشتاين) ، ورغم ذلك فمسيرة التفجير لم تكتمل ، ففي التاسع عشر من تشرين أول من نفس العام انطلق صالح نزال إلى شارع (ديزنغوف) في (تل أبيب) وهو يحمل حقيبة (المهندس) لينفجر وتهوي معه جثث اثنين وعشرين يهودياً ، يهرول (رابين) قاطعاً رحلته الخارجية ويعلن عداءه الشخصي مع (المهندس) ، ويواجه (أبو البراء) دولة (شعب وجيش وحكومة) فحاصرهم جميعاً وغدا شبحاً يطاردهم وكابوساً يؤرق أحلامهم ومستقبلاً قاتماً يغترف في قلوبهم الرعب ويقذف صدور قوم مؤمنين ، ألم يكن يتسع قلب المهندس لكل آلام الشعب الفلسطيني ؟؟ ، هذا بالإضافة إلى إطلاق (المهندس) نيرانه وقتل مستوطن وإصابة اثنين بجراح ، إضافة إلى قتل جندي إسرائيلي بطلق واحد .

قطاع غزة مركز النشاط؟؟

ونتيجة الملاحقة المكثفة لشبح (المهندس) واعتقال كل من شاهد أو سمع أو علم به ، يضيق الخناق حوله خاصة بعد استشهاد رفيقيه (علي عاصي وبشار العامودي) ، وينقل (المهندس) مركز نشاطه إلى قطاع غزة ، ونجاح (أبو البراء) في الوصول إلى غزة يُعد بحد ذاته ضربة قاسية للكيان الصهيوني .

وفي الخامس والعشرين من كانون الأول 1994م يتقدم (أيمن راضي) من خانيونس يحمل حقيبة الرعب ويفجر نفسه قرب حافلة جنود بالقرب من (مباني الأمة) في (القدس) ليقتل شخصاً ويصيب ثلاثة عشر آخرين بجراح .

وفي التاسع من نيسان 1995م تنفجر سيارة (عماد أبو أمونة) قرب (نتساريم) في قطاع غزة ثأراً لدماء (كمال كحيــل) وإخوانه .

وفي الخامس والعشرين من حزيران 1995م تنفجر عربة (معاوية روقة) قرب حافلتي جنود في غزة .

وفي الرابع والعشرين من تموز 1995م تنفجر الحافلة الإسرائيلية في (رمات جان) تقتل ستة اسرائيليين وتجرح خمساً وثلاثيييين آخرين ، ويعلن تلاميذ يحيى عياش المسئولية ، فيما (ايجال عامير) يرقب اسحق رابين رئيس الوزراء ليقتله كردة فعل لهذه الضربات الموجعة .

وفي الحادي والعشرين من آب 1995م ينفجر الشهيد (سفيان جبارين) في الحافلة المزدوجة في مستوطنة (رمات اشكول) في القدس لتقتل خمسة وتصيب ما يزيد عن مائة آخرين ، ويؤكد (تلاميذ يحيى عياش) مسئوليتهم ليصل مجموع ما قتل بيد (المهندس) وتلاميذه إلى ست وسبعين اسرائيلياً وجرح ما يزيد عن أربعمائة آخرين ، وهذا رقم قياسي لم ينازع (المهندس) فيه أحد، ليغدو (المهندس) شجرة باسقة الظلال ومدرسة يأوي إليها النماذج الفريــدة من المجاهدين ذوي الهمم العالية .

كان قلب (أبي البراء) الذي وسع كل فلسطين هادىء البال قرير العين ، فقد مسح دمع الثكالى والأرامل والأيتام وجفف جرح كل المصابين .

الملاحقة مستمرة ؟؟

فيما الملاحقة الهوجاء (للمهندس) مستمرة على أشدها ، فتحاصر قريته ويداهم بيته باستمرار ويقطع عن (رافات) موقع الغرس الكهرباء ويمنع رصف شوارعها ، ويعتقل شقيقـــاه ووالده ووالدته (الحاجة عائشة) يسألونها عن البطل المسافر كيف نشأ في أحشائها ... كيف كبر حتى صار بحجم الوطن ، يسألونها عن مكانه ، يحيى في كل مكان ... يحيى في كل زمان ... يحيى قنبلة فلسطين التي تحرق كل من مّس كرامتها .. أنين أمه يصله عبر الأثير ليصنع منه فتيل قنبلة أخرى وآهات والده الكهل الذي فقد حاسة السمع (بشكل مؤقت) نتيجة ضربه على يد الجنود الذين يبحثون عن (المهندس) يرحل إليه ونداء أشقائه (مرعي ويونس) من خلف زنازين القمع يصنع منها قنابل يفجر بها أياديهم التي صبغت بلون دمنا المراق على بوابات الوطن المغصوب ... ليغدو (يحيى) شمساً تشرق كل صباح وفجر كل فلسطين ونور كل حر ثائر ، وليل كل ظالم فاجر يغدو شبحاً وهاجساً يطارد الإسرائيليين وأسطورة للفلسطينيين نظموا بشأنها القصائد والأشعار والأنغام ، وهاتفته قلوبهم وأرواحهم بالاستمرار ، " جهز يا عياش لي شيئاً ، يرفعني من أرض الدنيا .. لجنان الفردوس الأعلي ، جهز يا عياش لي عبوة توقظني من غفلة قومي ، لأعيش حياة أبدية " .

شبح المهندس؟؟

وتطور الحقد في قلب (رابين) شخصياً ليرى (شبح المهندس) عدواً خاصاً ، فيما يراه (أبو البراء) بذات العين ، ويعتبر نفسه في صراع مباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي (رابين) والذي اغتيل في الرابع من نوفمبر 1995 .

وقد أكد المحللون اليهود القريبون من (رابين) أن (شبح عياش) خيم على حياة (اسحق رابين) الذي وظف جيشه وأجهزة أمنه وأموالاً طائلة لمطاردة المطلوب رقم واحد ، ولكن (عياش) يفلح في الإفلات من الذراع الطويل للجيش الإسرائيلي ولجهاز (الشاباك) ، وقام بالتخطيط في أخطر مراحل المطاردة لهجمات وتشكيل خلايا مع أن مطلوبين عديدين من الذين عملوا في محيطه القريب قتلوا أو اعتقلوا ، ورغم الوحدات الخاصة التي لاحقته والكمائن في القدس والضفة وغزة في الجبال والكهوف ومخيمات اللاجئين والبيوت المهجورة .

وقد لقب رئيس الحكومة الإسرائيلية (اسحق رابين) (يحيى عياش) (بالمهندس) وأطلق عليه هذا اللقب في احدى جلسات المداولة بين (رابين) وقادته أمنه للبحث في قضية (عياش) وسبل الوصول إليه ، وقد أبدى رابين (كما صرح جدعون عزرا رئيس جهاز الشاباك الأسبق) اهتماماً بكفاءات وقدرات (عياش) ، وأخذ يضفي عليه لقب (المهندس) بعد أن علم ما يمتلكه (المهندس) من إمكانيات ، وقد كان (رابين) يبدأ كل جلسات الحكومة ومجلسه المصغر ومجلس الأمن بالسؤال عن (المهندس) ، وقد صرح (رابين) بهذا اللقب للصحافة أكثر من مرة حتى غدا المقاتل الفلسطيني الفذ أسطورة ملحمية خالدة وشبحاً رهيباً يطارد اسرائيل ، لذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يختاره جميع الخبراء اليهود والأجانب (كرجل العام 1995) حيث أثر على إسرائيل وحياتها ومستقبلها أكثر مما أثر رابين وحكومته وجيشه ، وقد بثت الإذاعة والتلفزيون الإسرائيلي العديد من البرامج حول هذا الشبح الأسطورة وهذه أجزاء من ترجمة حرفية لبرنامج بثه التلفزيون عن المهندس في الخامس والعشرين من يناير 1995م .

أربعة من الخبراء؟؟

وقد تحاور في البرنامج أربعة من الخبراء والمستشرقين الصهاينة المتخصصين وهم الدكتور (ماتي شتاينبرغ) ، والدكتور (إبراهيم سيلع) من الجامعة العبرية ، شمعون رومح (من قادة جهاز الشاباك السابقين) والصحفي اللامع ايهود يعاري المتخصص في الشئون العربية ، حيث أمطر الصحفي المخضرم (مشعل) مقدم البرنامج ضيوفه بسيل من الأسئلة تمحورت على كيفية عمل (المهندس) ؟ من الذي يوجهه ؟ من يختار الاستشهاديين ؟ لماذا لم تفلح أجهزة الأمن في القبض عليه ؟ وبادرهم مشعل بالقول : " المطلوب يحيى عياش في سباق مع الزمن ، فمسلسل الهجمات العنيفة التي نفذها جعلت منه هدفاً رئيسياً ذا أولوية أولى لجهاز المخابرات الإسرائيلي (الشاباك) الذي درس شخصيته وتركيبته الفسيولوجية بعناية في محاولة للعثور على نقطة ضعف واحدة تقود إلى إلقاء القبض عليه ".

(ايهود يعاري) اعتبر " أن لكل مرحلة من مراحل النضال الفلسطيني رموزها وأنه مثلما شكل (عماد عقل) (رمز العمل العسكري) في حركة (حماس) ، فإن (يحيى عياش) يمثل (رمز العمل العسكري الاستشهادي) " ، فيما عبر (شمعون رومح) عن إعجابه بالقول : " إنه لمن دواعي الأسف أن أجد نفسي مضطراً للإعتراف بإعجابي وتقديري بهذا الرجل الذي يبرهن على قدرات وخبرات فائقة في تنفيذ المهام الموكلة إليه ، وعلى روح مبادرة عالية ، وقدرة على البقاء ، وتجديد النشاط دون انقطاع " .

وكان رأي (د. سيلع ود. شتاينبرغ) : " أن المشكلة في البيئة العقائدية الأصولية التي يتنفس (المهندس) من رئتها هي التي تبدع وتفرز ظاهرة المهندس ، وظاهرة الرجال المستعدين للموت في سبيل عقيدتهم " ، وكما هو الحال بالنسبة لكل شخصية أسطورية فإن الهوس الإسرائيلي ينسب له عجائب عدة ، فهو صاحب هويات مختلفة وله حضور في كل مكان يتواجد في (مصر وإيران وليبيا والسودان ، وفي خانيونس وغزة ، رام الله ، قلقيلية ، جنين ، القدس ، تل أبيب) حتى في منزله (برافات) ، وهو متنكر بزي يهودي متدين وأحياناً (كمستوطن) مسلح ببندقية ، وأنه يتجول بشخصية دبلوماسية في تل أبيب ، ويقود سيارة ذات لوحات تسجيل إسرائيلية ، وأنه يتنكر بهيئة امرأة ، وبهيئة شيخ مسلم ، فقد شارك في جنازة الشهيد (كمال كحيل) بهذه الهيئة ولم يكن يعرفه أحد ، عياش يبدل هيئته يومياً ولا يبيت سوى ليلة واحدة في البيت الواحد .

عياش القائد ؟؟

وعند الفلسطينيين فهو مجاهد قدير يشبهونه (بصلاح الدين الأيوبي) أو (عز الدين القسام وأبو جهاد) ، ويتندرون بأنه (أبو جلدة) ذلك الرجل الذي نجح في الإفلات من البريطانيين لمدة عشر سنوات .

بلغ الهوس الإسرائيلي ذروته حين قال (رابين) : " أخشى أن يكون جالساً بيننا في الكنيست " ، هذا الهوس لم يطل رابين فحسب بل غدا كابوساً يتسلل إلى مضاجع الصهاينة ، فأكثر من 80% من سكان اسرائيل يخافون استخدام المواصلات العامة ، واشتكى أكثر من عشرين ألف اسرائيلي من أمراض نفسية نتجت عن عمليات التفجير ، وتشاجر يوماً جنديان ، فقال أحدهما للآخر : " إن شاء الله تقع في يد (المهندس) " .

وفي أحد البرامج التلفزيونية عن المهندس قال المذيع : " إنني أخشى أن يفجر المهندس هذا الاستيديو أمام أعين المشاهدين "، وقد وقف علماء النفس حيارى أمام (ظاهرة المهندسلوجي) ، فلا يملكون لها وصفاً أو ادراجاً تحت أبواب العلم المعهودة ، فهل هو رجل حقاً بمفرده أم هي أمة تنكرت على هيئة رجل له عقل واع مستنير وأصابع ماهرة وقلب يطفح بالإيمان ، وكلما تحركت يداه جهز النازيون الجدد أكفانهم وأعدوا لسيول الدمع أجفانهم وبدأ العد التنازلي لوعد الآخرة . هذا الهــوس الإسرائيلي أضفى على (المهندس) حالة من القداسة حتى أعظم قادة إسرائيل كانوا عند ذكره لا يخفون حالة الرعب والخوف .

رابين: عياش معجزة؟؟

(فاسحق رابين) رئيس الوزراء السابق يقول : " لا شك أن (المهندس) يمتلك قدرات خارقة لا يملكها غيره ، وإن استمرار وجوده طليقاً يمثل خطراً داهماً على أمن اسرائيل واستقرارها " .

أما (موشيه شاحل) وزير الأمن الداخلي السابق فيقول : " لا أستطيع أن اصف المهندس يحيى عياش إلا بالمعجزة ، فدولة اسرائيل بكافة أجهزتها لا تستطيع أن تضع حلاً لتهديداته " .

و(الجنرال أمنون شاحاك) رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق فيقول : " إن اسرائيل ستواجه تهديداً استراتيجياً على وجودها إذا استمر ظهور أناس على شاكلة المهندس " .

بينما يقر (يعكوف بيرس) رئيس المخابرات الإسرائيلية سابقاً قائلا : " إنني أقر أن عدم القبض على المهندس يمثل أكبر فشل ميداني يواجه المخابرات منذ إنشاء دولة اسرائيل " .

فيما (جدعون عزرا) نائب رئيس المخابرات سابقاً يقول : " إن احتراف المهندس وقدرته تجلت في خبرته وقدرته على اعداد عبوات ناسفة من لا شيء " .

إن (عياش) غدا كالسحر تنشق الأرض وتبلعه صاحب أرواح سبعة ، إن مجرد ذكر اسم (يحيى عياش) كافياً لأن يرتعد الإسرائيليون وهم يستعيدون صدى الانفجارات الاستشهادية التي أحرقت وهم أمنهم على أرض فلسطين ، فمهندس الكهرباء الفلسطيني الذي لم تستطع وسائل الإعلام أن تحصل على أكثر من صورة واحدة له استطاع أن ينظم توجيه عدة ضربات موجعة في قلب مواقع قوات الجيش الإسرائيلي ، وأن يذهل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية برسائله المفخخة التي كانت تصل دوماً من عنوان جديد ، وقد فشلت كل المحاولات الإسرائيلية لاقتفاء أثره والوصول إليه برغم كل التدابير الأمنية ، فكان حقاً رمزاً للمقاتل ذي القلب الحديدي المؤمن بالله ، في ليالي الإسرائيليين شبحاً مرعباً قض مضاجعهم وزرع الرعب في ناقلاتهم .

أصعب من الوصف ؟؟

هذا هو (يحيى عياش) في نظر الإسرائيليين أصعب من الوصف ، وأعقد من الخيال لا يُرى بالعين فيمسك ، ولا يُسمع بالإذن فُيرصد ، اختار الخيار الأصعب ، وقبل المواجهة الأخطر ، وطوال أربع سنوات المطاردة التي عاشها (المهندس) بكل ما تحمل من تحدي وخطورة لم تقف أجهزة الدولة الإسرائيلية عن البحث عنه في كل مكان ، فقاموا بتوزيع البيانات في شهر يوليو 1993 على أهالي نابلس يحذرونهم مساعدة (المهندس) ، إضافة إلى توزيع صوره ومواصفاته على جميع عناصر الجيش الإسرائيلي ، بينما صورة بوستر كبيرة بالألوان معلقة للمهندس في المكتب الرئيسي للشاباك ، عدا عن نشاط الوحدات المستعربة وأجهزة الرصد والمعلومات إضافة إلى تضيق الخناق على (المهندس) باعتقال كل من كانت له معهم علاقة ، وساعدوه حتى غدا وحيداً . وكانت أبرز محاولات اغتيال (المهندس) تلك التى وقعت في (دير بلوط) في 6 أغسطس 1993م حيث اصطدمت سيارته بحاجز عسكري أسفر عن استشهاد رفيقه (عزيز مرعي) واعتقال (محمد ريان) بينما تمكن (المهندس) من الفرار .

وفي حي القصبة بنابلس في 11 تموز 1994م تعرض منزل كان يأوي (المهندس) وإخوانه للقصف ، وبعد ساعات من الاشتباك استشهد (علي عاصي وبشار العامودي) اللذين غطيا انسحاب المهندس .

المطلوب رقم واحد :

إنجازات المهندس التي أنهكت الاحتلال وأجهزته الأمنية جعلته المطلوب رقم 1 للأجهزة الإسرائيلية التي طاردته طوال 5 سنوات وسخرت كل إمكانياتها لكشف هذا اللغز وشكلت وحدة تنسيقية بين كافة الأجهزة الأمنية لتقصي أية إشارة عن تحرك المهندس ونظموا دراسات عديدة حول شخصية المهندس وأسلوب حياته وراقبوا أصدقاءه في فترة الدراسة وأرسلوا وحداتهم الخاصة التي نصبت له الكمائن في الليل والنهار في المدن والمخيمات في الغابات والكهوف حيث لم تعد هناك قرية في الضفة الغربية إلا وداهمتها وحدة مختارة من جنود الاحتلال الإسرائيلي بحثاً عن الأسطورة الجهادية التي ولدتها وأهلتها حماس .

مرات كثيرة أنجى الله يحيى عياش قبل وصول الصهاينة بدقائق في حي القصبة في نابلس ، وفي حي الشيخ رضوان في غزة حيث استشهد رفيق جهاده الشهيد كمال كحيل ومطلوب أخر من حماس هو إبراهيم الدعس .

ويستريح المقاتل الصلب؟؟

تمكن الشاباك من الوصول إلى معلومات بموقع المهندس والتسلل إلى قطاع غزة إلى دائرة الأشخاص الأقرب إلى (أبي البراء) ، وكما يروي (أسامة حماد) صديق (المهندس) والشاهد الوحيد على عملية الاغتيال حيث قال أن (يحيى) إلتجأ إليه قبل خمسة شهور من استشهاده حيث آواه في منزله دون أن يعلم أحد ، وكان (كمال حماد) وهو خال (أسامة) ويعمل مقاول بناء ، على صلة وثيقة بالمخابرات الإسرائيلية يلمّح (لأسامة) بإمكانية زيارة يحيى له في شركة المقاولات وأعطاه جهاز بيلفون لاستخدامه ، وكان (كمال) يأخذ جهاز البيلفون ليوم أو يومين ثم يعيده ، وقد اعتاد والد المهندس الاتصال مع (يحيى) عبر البيلفون ، وقد طلب منه (يحيى) مراراً الاتصال على الهاتف البيتي ، وقد اتفق (يحيى) مع والده على الاتصال به صباح الجمعة القادم على الهاتف البيتي ، وفي صباح الجمعة الخامس من يناير 1996م اتصل (كمال حماد) بـ (أسامة) وطلب منه فتح الهاتف المتنقل لأنه يريد الاتصال من إسرائيل ، واتضح أن خط هاتف البيت مقطوع ، وفي الساعة التاسعة صباحاً اتصل والد يحيى على الهاتف المتنقل الذي أبلغ أسامة أنه لم يستطع الاتصال على الهاتف البيتي ، واستلم المهندس الهاتف وقال لوالده : " يا أبي لا تظل تتصل على البيلفون " حين دوى انفجار ويسقط المهندس واللحم يتناثر والزجاح يتحطم وبقع الدم تتناثر ويتضح أن عبوة ناسفة تزن 50 غرام انفجرت في (الهاتف النقّال) ، يهوي الجسد المتعب ليستريح من وعثاء السفر ، يستريح المقاتل الصلب بعد سنوات الجهاد ، ويصعــــــد إلى العلا والمجد يلتقي هناك بالنبيين والصديقين والشهداء بإذن الله ، هكذا يفوز المهندس في الدنيا والآخرة .

سقط تاركا أمانة الدم ؟؟

لم تنم غزة ذلك المساء فقد كان بانتظارها ليل آخر تسرب في خيوطه الأولى دمٌ ترامى فوق يديها كالشظايا ... (دم يحيى عياش) ، في البرهة التي يتكاثر فيها الزبد ويصبح المقاتلون فئة قليلة ، في الوقت الذميم الذي تتربص فيه الحواجز والأسلاك الشائكة بالعيون المقاتلة الشاخصة إلى كل بقاع فلسطين ، غاب (يحيى عياش) واحترق نجم فلسطين هوى على (جباليا) كعباءة منسوجة بورق الزيتون ووجهه مقبل على الصلاة كحدود الشهادة ، (يحيى عياش) الرجل المعنى في زمن تساقطت فيه المعانـي عن كثير من الرجال ، الطيف العصي الذي لا يُرى بسهولة .

(يحيى عياش) اليدان اللتان تتقنان صنع الحرائق لتشرق الشمس بلا كآبة ، على الذرى الفلسطينية العينان اللتان تصادقان الليل في البحث عن ممر إلى ثغور الغزاة ، الكوفية التي تتشابه خيوطها مع ندوب الأرض المقدسة ، كان يدرك كلما وصل غزة أن عليه أن يخفي ملامحه والخفق الفلسطيني في قلبه وبيارات البرتقال في عينيه كي لا يكتشف أحد موقع الانفجار القادم فيما الغدر يتربص به ويكمن في الزوايا والأزقة وتحت أصغر الظلال .

الليلة وبعد أن تسرب دم (يحيى عياش) في هدوء الأمسية ، سيصعد صوته من غموض الأشياء القاتمة في فلسطين مثل برج حجري لصوته الشهيد ، أنا (يحيى عياش) المولود في حقل فلسطين على أزهاره دم لم أستطع تفسيره طفلاً ، ولم أستطع احتماله رجلاً ، فبحثت عن أسرار الانفجار ، تعلمت كيف أمسح الدم عن الحرم الإبراهيمي بالحرائق . ليس في فلسطين حجر أو زاوية أو جدار لا يستطيع أن يتهجأ اسمه ليس هناك جدولاً ولا سنبلة أو شجرة لا تتشابه به مع ملامحه ، تتشابه مع الرجل الذي أخفى ملامحه لتتضح معالم البلاد .

دم (يحيى عياش) في غزة كان يركض في شوارعها كنهر بلا مستقر ، كان يرفع صوته ذبيحاً، يحكي قصة المجاهد الأسطوري الذي صوب قلبه إلى الشمس في (قلب) غزة هاشم ، ولم يتسع له الوقت ليطرق أبوابها واحداً واحداً كي يضع أمانة الدم في الدم ، فكان أن ترك وصيته على الأرصفة حتى تصافح في الصباح وجوه تلاميذ المدارس وهم يذهبون إلى درس القراءة عن الوطن المحاصر بين الوثائق وسلاح الغزاة ، استشهد (عياش) تاركاً أمانة الدم لنا وإشارة صريحة إلى جهة الخرق الإسرائيلي القادم .

وعلى حافتي الطريق يبقى المهرولون أصحاب الدنيا يبحثون عن مكان فوق الطين فيما يستقبل المهندس الشهادة وهو يرفع الراية في زمن الصعود الصهيوني الأمريكي يبرز الخيار ناصع البياض ، فعندما يسقط رأس (يحيى عياش) حينها (يحيى) غير قابل للرثاء ويستعصي على الكلمات ، (يحيى) كان قابلاً للانفجار ، قابلاً للاشتعال وقلبه وسع كل فلسطين من بحرها إلى نهرها ، فأي لغة يمكن أن تسعه .

إن دم (يحيى عياش) قد وضعنا على طرف الخيار ، إما أن نُغيب أو نُعلب أو نموت على مزاج الأوصياء ، وذلك منطق الجنون ، جنون السقوط طالما أننا نستطيع الموت على مزاجنا، وبينما يختار المهندس الشهادة والآخرة ، يختار قاتله حفنة من الدولارات ، ويلقيه الشاباك بعد ذلك جيفـة تتسكع في ممرات (تل أبيب) .

وما أن انتشر خبر استشهاد المهندس حتى ساد في أنحاء فلسطين خاصة والعالم الإسلامي عامة حالة من عدم الاستقرار ، وخرجت الآلآف في شوارع قطاع غزة وفلسطين يهيمون على وجوههم بغير وعي ، وأعلنت إسرائيل حالة الطوارىء ، وأغلقت الضفة وغزة ونشرت قوات معززة ، ولم تخف فرحتها العظمى بهذا الخبر ، حيث صرح (يعقوب بيري) رئيس المخابرات السابق بالقول : " موت عياش وضع حداً لأخطر وأعنف المحاربين الذين عرفناهم " . فيما صرح (موشيه شاحل) وزير الأمن الداخلي بالقول : " بتنا نتنفـس بشكل أفضل بعد إعلان موته ".

فيما سيطر على إسرائيل شبح العمليات الاستشهادية ، وفي قرية (رافات) مسقط رأس الشهيد الأسطورة توجه الآلآف إلى بيت (عياش) ، فيما انهمرت الدموع من عيني والديه وأخويه ، ويصرح والد المهندس أن استشهاد المهندس ليس النهاية ، فيما عبر شقيقه عن مزيج من الفرحة والحزن ، وأكد قائلاً أن : " أخي كان بطلاً " .

وقد نعت (حماس) شهيدها العملاق عبر البيانات ومكبرات الصوت ، وأعلنت الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام ، وعقدت مؤتمراً صحفياً قرب المنزل الذي صعدت فيه روح (يحيى) ، بينما خرج الملثمون التابعون لحركة (حماس) في مختلف أنحاء الضفة الغربية وغزة ينعون المهندس الشهيد ، وانطلق مسيرات جماهيرية حاشدة في مختلف أرجاء فلسطين حيث انطلقت مسيرات جماهيرية حاشدة شاركت فيها كل القوى نعت الشهيد في رام الله وطولكرم وجنين ونابلس وأريحا وقلقيلية وفي الخليل وبيت لحم ، وعم الإضراب مدينة القدس .

وقد أدانت (السلطة الوطنية) اغتيال (المهندس) ، وصدرت الأوامر من الرئيس (عرفات) بتشكيل لجنة تحقيق مشتركة ، وتوجه لتقديم واجب العزاء لحركة حماس في موقع العزاء للمهندس ، وقد أدانت كافة الشخصيات الفلسطينية في الضفة والقطاع ومناطق الـ (48) جريمة الاغتيال خاصــة أنها وقعت في ظل التحضيرات الكبيرة لإجراء أول انتخابات للسلطة الفلسطينية . فيما نقلت وكالات الأنباء تنديدات مختلفة من شتى بقاع العالم بحادث الاغتيال الذي أثّر بشكل ملموس على الجو الهادئ في مناطق السلطة الفلسطينية خاصة بوجود توافق بين السلطة والمعارضة .

السادس من يناير 1996، يوم لا مثيل له ؟؟

وفي اليوم التالي للرحيل كان الوداع الأخير لنجم فلسطين الأول ، فكان يوم السبت السادس من يناير 1996 لا مثيل له في تاريخ غزة ، حيث احتشد ما يزيد عن الربع مليون من شباب قطاع غزة وبحضور والد ووالدة الشهيد وزوجه وولديه البراء ويحيى وأقيمت الصلاة على جثمان الشهيد في مسجد فلسطين ، وانطلقت باتجاه مقبرة الشهداء ، وسار الموكب أربع ساعات متواصلة ، الجماهير التي انطلقت بحشودها المتراصة تؤكد أن عياش حس الجماهير وخيارها الأوحد ، فانتخبته في استفتاء قاطع لكل الأوهام ، ووقف علماء النفس يلوون شفاههم ما هذا ؟ من أين جاء كل هؤلاء لتشييع المهندس ، ويوم عرسه الرائع ، الأعناق تدوس الأعناق ، والرجال تحلق زاحفة مسافات ومسافات لا تدري من يحملها فوق الأرض ، والكل يبغي التمسح بالجسد ولا تواتيه الفرصة ليخضب أصابعه بقطرة من دم الشهيد يضعها على شفتيه فتقوح منها ريح المسك .

القتلة الذين ظنوا خطأ أن عبوة صغيرة في جهاز هاتف متنقل قد أنهت حالة (المهندس) في الشعب الفلسطيني ، ولو قدر لصاحب الموساد أن يقف يوم السبت أثناء عرس الشهيد لأدرك أنه فرغ على التو من إعداد ما يزيد عن الربع مليون (مهندس) .

ترى كم كان وسع خطوة (يحيى عياش) وهو يغدو بين جنبات الوطن ليتوارى عن أعين الغزاة خطوته حين غادرنا كانت بالكيلومترات ... خطوة يحيى عياش صارت بيتاً وسع الشعب كله حين سار في جنازة يحيى .

كلكم يحيى عياش ؟؟

وفي المقبرة اصطفت الآلآف لإلقاء النظرة الأخيرة على الجثمان المسجى ويطبع آل الشهيـد القبلة الأخيرة على جبينه الطاهر ، فيما أطلقت كتائب القسام وقوى الأمن الفلسطيني واحد وعشرين طلقة تحية للشهيد ، فيما أطلق ولده (البراء) رصاصات التواصل من مسدس في يده .

وتحدث والد الشهيد شاكراً الجماهير المحتشدة قائلاً (كلكم يحيى عياش) ، وإثر مواراة جثمان (أبو البراء) الثرى أقامت (حركة المقاومة الإسلامية) مهرجان تأبين استهل بتلاوة القرآن الكريم وألقت كافة القوى السياسية بيانات نعى وتنديد ومواساة .

وأقيم إثر ذلك سرادق عزاء ضخم للشهيد أمام (مسجد فلسطين) حيث أمه الآلاف من جماهير القطاع والقوى السياسية المختلفة ، وأذاعت كتائب القسام بيانات النعي وأكدت تهديداتها بالثأر لدماء المهندس الغاليـــــــة .

وفي يوم الجمعة الثاني عشر من يناير 1996 أقيم حفل تأبين ضخم على أرض ملعب اليرموك في وسط مدينة غزة ودعت فيه حماس وكتائبها شهيدها العزيز وهتفت الجماهير للراحل الكبير. ولم يكن بوسع كتائب القسام أن ترك هذا الامتهان الإسرائيلي دون رد خاصة ودماء جوهرتها الثمينة تنزف على أرض غزة ، فبعد خمسين يوماً بالضبط من استشهاد (المهندس) ، وفي الخامس والعشرين من فبراير 1996 بدأت سلسلة هجمات استشهادية في (القدس والمجدل) ، وبعد أسبوع في (القدس وتل أبيب) ليسقط في هذا الأسبوع الدامي ما يقرب من ستين قتيلاً إسرائيلياً ، عدا عشرات الجرحى " عمليات الثأر بقيادة القسامي المعتقل حسن سلامة "وبادرت إثرها قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى هدم منزل المهندس وتشريد أهله من بيتهم في (رافات) . وهكذا استراح (أبو البراء) في ثرى غزة الثائر بعد أن نفد تلاميذه الدروس التي تلقوها على يديه بمهارة واتقان فائقين .

(يحيى عياش) في لحظة الولادة كان السنديان يشتد ، وفي لحظة الشهادة كانت الولادة سنابل تتسلق عتبة الدار لتحاكي ذكرى طفل ترك وراءه حمام البيت ودفتراً فيه أمنيات تنام بهدوء ولا يجزعها المنام ليلاً يجيىء يحيى يفتح باب الدار فيهب النعناع وقلب أمه المطرز بالاقحوان .. لطفل كانت تهدهد له حمام الدار كي ينام .. يدخل وحقيبته الملونة . يسندها إلى حائط حجري وينام في حضن أمه ، فتعدد الهجرات في جبينه ، لقد كبرت يا يحيى .. أي لقد عددت الهجرات في كاهلي فوجدتها جنازات يهرع يحيى إلى المخيم ، يركض إلى بحر غزة .. يلقى مركبه الورقي الصغير .. وينام على شاطئه ويتقلب على رماله ، فتكبر الجروح في عينيه كأنها ألف عام .. ييكبر (يحيى) ويكبر معه المخيم .. من طفل مشاكس إلى رجل قادم عبر الذكريات والطلقات التي اخترقت صدر المخيم لكنه لم ينحنِ .

هكذا خرج يحيى من الحياة ؟؟

تستفيق فلسطين على انفجار وتخرج البلاد من جرحك النازف قرى وجداول ماءً ونعناعاً ، يستفيق الشهداء يخرجون من جرحك قطرات دمٍ سالت على الجبين الصلب المتغصن والشهداء يضمدون جرحك النازف ، ويدعون طيور الصباح المهاجرة لتتوسد الجسد المسجى بهدوء ملائكي كأنه يخبىء بين ضلوعه انفجاراً قادماً .

وتخرج غزة لتودع (يحيى) .. تخرج كل فلسطين لترى الشهيد الذي لم يمت .. تكبر البلاد بولادة (يحيى) ... تزغرد أم لطفل قادم في وجهه ابتسامة ، وفي يديه دفتر صغير ومركب ورقي ، ويركض إلى بحر غزة يفتش عن حدوده ويتقلب على رماله ويكتب يحيى لم يمت ولكن شبه لهم . هكذا يموت الأبطال .. أشجاراً أصلها ثابت وفرعها في السماء .. حبالاً تمر عليها ضربات السنين ، لا يموتون ، ينتقلون من حياة إلى حياة ، ومن دار إلى دار ... كما الطير يسرح في فضاء لا حدود له. هكذا خرج (يحيى) من الحياة ، حياة العنف والكد ، خرج بعد أن أدار لها ظهره ، وبعد أن نظر إليها نظرة الاستخفاف والسخرية ، ما أهونك على من خلقك .

هكذا خرج يحيى من الحياة ، بعد أن أودع فيها بدلة الكاكي وقطعة السلاح ورغيف الخبز اليابس والبساط الملوث بالوحل والطين ، والملجأ المظلم يحوى فرشة ولحافاً وموقداً للنار ، لم يعد (يحيى) بحاجة إليها فقد استنفذ وقته ورحل ... هكذا خرج (يحيى) من الحياة .. بعد أن حفر بكلتا يديه طريقاً للرصاص الممتد من رفح حتى الجليل ورسم ممراً للقنابل تعبر فوق الجسور وتحت الأنفاق ، وبعد أن شق جدولاً للدماء يخترق سواحل غزة وجبال القدس وروابي الخليل وسهول يافا ، حتى إذا بلغ المرج تدفق شلالات تتراقص على لحن بيوت اللاجئين وخيام الفقراء والأطفال الذين انتظروه على قمم الجبال لأنه وعدهم أن يمر ويسلم عليهم . هكذا خرج يحيى من الحياة ، بعد أن علم الأطفال الذين لم يجيدوا نطق الحروف الأبجدية بعد أن روضة الاستشهاديين ستكون فيها أرجوحتهم ولعبهم ولهوهم .

وهكذا علمهم نطق الألف والباء في حرية الدم وحلاوة المراغمة ، ورسم على وجوههم صورة لا تكاد تمحى ، إنكم يا صغاري الأبطال وحدكم ، وغيركم الجبناء ، أنتم الفرسان تمتطون صهوات المرحلة وغيركم تأبطوا ملفات السياسة المارقة المليئة بأخطاء اللغويات .

هكذا خرج بطلاً في وقت عزّ فيه الأبطال وفارساً في وقت تنادى فيه المتساقطون على وليمة الوطن ، ورمزاً في وقت سقطت فيه الشعارات الممجوجة (المقرفة) .

لم لا تبكيك البواكي ؟ لم لا تمطر السماء ؟ لم لا يثور البحر وينشق الفجر ؟ وأنت الذي أعطيت الحياة معناها ، والسماء زرقتها والبحر شهامته وغضبه .

ما أجملك وأنت تدخل بوابة القبر؟؟

أهي الحقيقة يا (يحيى) ، لن نراك بعد الآن ؟ وأهاً يا أمة العرب ؟ ألن ترقص النساء في مخيم رافات على صوت أقدامك وأنت تهدر في أرضك (المسلوبة) في العفولة والخضيرة وتل الربيع، ألن تلقى أباك صاحب العقال لتهمس في أذنيه خلي بالك من براء .

(يحيى) .. يا أبا البراء لم تمل من المطاردة ولا حفيت أقدامك من الشوك ولا ارتجفت مفاصلك من لذع البرد وحرقة الشمس ، كنت أعلم أنك تطارد وتطارد ، تجري وراء جيش بأكمله تحاربه وحدك ، ويجري وراءك جيوش من السفلة وشذاذ الآفاق ، من يهود البقرة ، وعرب النفاق الذين ربوا على النفاق . أخيراً اصطادوك ، أغبياء هم وما أتعسهم ، لقد اغتالوا فيك الجسد ، لكننا - وقت السقوط - كنا عند رأسك ننتظر روحك نلفها بالحرير والطيب والحناء ، وقت السقوط رحلت إلى عليين بإذن الله ، لم تشأ إرادة الله أن تطال الأيدي الآثمة والأرجل النجسة منك ، يا طهر البحر وطيب السماء .

(يحيى) ... ما أجملك وأنت تدخل بوابة القبر وقد اصطفت ملائكة السماء ، صفوفاً صفوفاً تنثر عليك الرياحين وتغمرك بالطيب ، ثم ها هو (عماد عقل) يقف من بعيد ينتظر إلى أن يصل إليه الدور ليطوقك بكلتا يديه الصغيرتين ، لم يتغير فيه شيئ .

يقبلك من جبينك ووجنتيك ، ثم صف الشهداء من الكتائب ، يدعونك الآن حتى تستريح من عناء المطاردة ، يدعونك تستريح من وعثاء السفر . كانت رحلتك طويلة ، آن لهذا الفارس أن يمد قدميه ويلصق ظهره بالأرض ويغمض عينيه وينام .

****************************************************************************************************************

الشهيد القسامي

فؤاد إسماعيل محمد الحوراني

منفذ عملية مقهى مومنت في القدس المحتلة التي أدت إلى مقتل 11 صهيونياً وأكثر من 50 جريحاً

الشهيد أوصى شقيقته قبل استشهاده بالمحافظة على صلاة قيام الليل باستمرار

إن الأمة التي تتفنن في صناعة الموت لا يمكن أن تنهزم

هل للحق رجال ان لم نكن نحن رجاله

المؤمن بلا شجاعة كالشجر بلا ثمر

لذة الدنيا زائلة ولذة الجنة دائمة

أخوكم فؤاد أبو عبيدة

هذه العبارات وجدت مكتوبة على مجلة المسجد في حوالي الساعة التاسعة والنصف صباح يوم العملية

الاسم الرباعي / فؤاد إسماعيل محمد الحوراني

سكان مخيم العروب 9كلم الى الشمال من مدينة الخليل

ولد الشهيد في العاصمة العراقية بغداد بتاريخ 20/5/1980 بلده الأصلي قرية المسمية القريبة من بيت جبرين غرب مدينة الخليل وقد هجرت عائلته منها عام 1948

التحصيل العلمي : درس المراحل الأساسية والثانوية في مدرسة الوكالة في مخيم العروب ثم التحق بكلية المجتمع في مدينة رام الله تخصص رياضة والتي انطلق منها يوم أمس لتنفيذ عمليته الاستشهادية في القدس المحتلة وهو الآن في السنة الثالثة له من الأشقاء سبعة هو ثامنهم ومن الشقيقات ثلاثة .

أخلاقه

متدين جدا ولا يهتم بمتاع الدنيا الزائل وكان يصوم الاثنين والخميس باستمرار ويكثر من قيام الليل كان مولع بلعب الرياضة وخاصة الكاراتيه

يعمل والده ملازم أول في الأمن الوطني الفلسطيني

تقول والدة الشهيد أم قصي بأن الشهيد اتصل بها من مدينة رام الله قبل يومين من استشهاده ووعدها بأنه سوف يحضر للمخيم خلال يومين أو ثلاث وتقول بأنها حاولت الاتصال به على هاتفه الشخصي إلا أنها وجدته مغلق حيث ان الشهيد كان معتاد على إغلاق الهاتف في الوقت الذي لا يرغب بالحديث مع أحد

وتضيف بأنها فخورة بما قام به ابنها وان كانت متألمة على فراقه تقول شقيقته أم وعد بان الشهيد اتصل بها قبل استشهاده بفترة معينة في الساعة الثانية عشرة ليلا وذكرها بصلاة التهجد وتضيف أم وعد بأنها تتمنى لو قتل عددا اكبر من الصهاينة لان موت مائة يهودي لا يعادل ظفر شقيقها .

--------------------------------

تحت شعار حماس تهدد والكتائب تنفذ :

طلبة جامعة الخليل يقيمون حفلا تأبينياً للشهيد القسامي فؤاد الحوراني

أقام أنصار الكتلة الإسلامية في جامعة الخليل حفلا تأبينيا للشهيد القسامي فؤاد الحوراني الذي استشهد بعد أن قتل 11 صهيونيا في مدينة القدس المحتلة وقد اصطف المئات من طلبة الجامعة وهم يحملون الرايات الخضراء المزينة بكلمة التوحيد ويضعون على رؤوسهم عبارة التوحيد أيضا وقال ممثل عن الطلبة في كلمة ألقاها أمام المحتشدين أن كل المسميات والنياشين تتهاوى أمام دماء الشهيد الحوراني ودماء كل الشهداء الذين سقطوا وهم يدافعون عن كرامة الشعب الفلسطيني و الأمتين العربية والإسلامية بأسرها و أضاف بأن ارض فلسطين يوم تتزين بالأشلاء لا بد أن تعود حرة أبية وتحدث عن حرب شارون ضد المخيمات الفلسطينية وقال لن يرحل هذا الشعب وسيصمد في أرضه مادامت الأرحام تنجب أمثال الشهيد الحوراني الذي أوصل رسالة إلى شارون بأنه يمكن أن يكون في متناول أيدي المجاهدين في يوم من الأيام .

وتحدث ممثل آخر للطلبة وقال بأن الشهيد الحوراني ليس مفخرة لكتائب القسام وحماس فحسب بل هو مفخرة لكل القوى الوطنية والإسلامية وحركات التحرر في ظل الصمت العربي والدولي والتحيز الواضح للصهاينة في حربهم ضد الفلسطينيين هذا وقد تخلل الحفل الأناشيد الإسلامية التي ألهبت مشاعر الجمهور .

******************************************************************************************************************

الشهيد القسامي

خليل الغروز

استشهد وهو في طريقه لتنفيذ عملية استشهادية في القدس بين مستوطنتي ما يسمى ( معاليه مخماس) و(ريمونيم) 15/03/2002 والديه طلبوا منه الاستعداد للزواج فرد عليهم بان عرسه قادم لا محالة .

ارتدى بنطاله الجديد ثم طلب من زوجة أخيه أن تقول رأيها فيه كأي عريس يستعد لحفلة زفافه ، لكنه لم يعبأ كثيرا برأي زوجة أخيه فعما قريب سيمزق الرصاص جسده .. انه يعلم بان معجزة ربانية ستعيده إلى المخيم إذا خرج منه ظهر يوم 14/3/2002 فها هو يرى صفا من الحور العين بين مخيم العروب شمال الخليل ومدينة رام الله شمال فلسطين ، فها هو خليل سينطلق بعد لحظات من تناوله غداءه ليناجي ربه كما ناجى نوح عليه السلام ربه "رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ، انك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجرا كفارا" وها هو خليل يردد دعاءه .. رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات .. ولا تزد الظالمين إلا تبارا .

ولد خليل بدر حسين الغروز بتاريخ 21/1/1973 في مخيم العروب حيث كانت الأرض ضيقة في عيونه تماما كشوارع المخيم وأزقته التي تغطى بالمياه العادمة .. لكن شوقه وتحنانه كان يكبر يوما بعد يوم إلى (بيت نتيف) التي سميت احتلالاً "بيت شيمش" ولحاجة في نفس خليل لم يكمل تعليمه بل انقطع عن الدراسة وهو في الصف التاسع والتحق بورش البناء ثم أتقن عمله ليصبح متعهد بناء .

وشهيدنا البطل كان شقيقا لاربعة من الاخوة وثلاث من الأخوات وكما يقول شقيقه جبر فقد كان الشهيد لا يحيد عن الحق مهما كان صاحبه ويرفض الخطأ حتى من والديه وكان ذو همة عالية في مقارعة جنود الاحتلال حيث كان يلقنهم درساً قاسيا كما دخلوا ازقة المخيم.

هذا بالإضافة إلى رصيد اجتماعي كبير بفضل احترامه للناس ومحبته لهم وكان هادئا متدينا لا يقيم صلاته إلا في المسجد .

وقد أصيب برصاصة في الظهر وهو راكع في باحات الاقصى وسال دمه دون أن يستشهد .

جبر لن ينسى ما دام حيا كلمات الشهيد خليل التي رددها أمامه قبل ساعات قليلة من استشهاده حيث قال له قبل استشهاده بيوم واحد الصلاة .. الصلاة والديه طلبوا منه أن يستعد للزواج خاصة وان عمره تجاوز ال29 عاما ولكنه رد عليهم بلهفة المشتاق إلى جنان الخلد ، إن العرس قادم لا محالة ..

وتقول والدة الشهيد (ام عايد) بان الشهيد استحم قبل صلاة الظهر وصلى صلاة الظهر ثم استبدل ملابسه وتناول طعام الغداء.. وهكذا خرج دون أن يودع أحد حتى لا يعلم به أحد أما شقيقه خالد فقد قال بان الشهيد طلب منه أن يرفع صوت الراديو لكي يسمع نشرة الأخبار .

يوم السبت كان الشهيد خليل الغروز برفقة الشهيد لؤي استيتي من مخيم جنين في طريقهما لتنفيذ عملية استشهادية في إحدى المستوطنات شمال مدينة رام الله ، حيث كانت الروح ترفرف في علياءها قبل هذا التاريخ بمدة طويلة تماما كالمسافة بين بيت نتيف ومخيم العروب وصولا إلى مخيم جنين ومدينة رام الله ، حيث اجتمع الشهيدان ، جسد متكامل ودم يغلي كالمرجل لان لؤي على عجلة من أمره ليبر بقسمه الذي قطعه على نفسه للانتقام لشهيدين من أقاربه سقطوا في مخيم جنين ، فهو على عجلة للحاق بالقافلة .

وعندما وصلت السيارة التي كانا يستقلانها بين مستوطنة مخماس وريمونيم شمال مدينة رام الله قامت مروحية صهيونية بإطلاق صاروخ باتجاه السيارة مما أدى إلى استشهادهما قبل تنفيذ العملية بلحظات وقد خرجت نفسيهما الى باريها وهي تنادي .

يا شبل بيت القدس -- سلم على القسطل

وقل لـه عـدنـا -- عدنا ولن نرحل

تحـيـة الأقصى -- وغنوة الكـرمل

والشط في يافـا-- يبقى الهوى الأول

ويقول والد الشهيد بان سلطات الاحتلال لم تسلم جثمان الشهيدين حتى الآن ولم تقم بإظهار الحادث على شاشات التلفاز .

--------------------------------

في ختام عزاء الشهيد القسامي لؤي استيتي في مخيم جنين حماس تقيم مؤبدة عشاء لشهداء جنين ومخيمها في الاحداث الاخيرة وكتائب القسام في جنين تهديه عملية جريئة على روحه الطاهرة في ختام عزاء الشهيدالقسامي لؤي استيتي في مخيم جنين :

حماس تقيم مؤبدة عشاء لشهداء جنين ومخيمها في الاحداث الاخيرة وكتائب القسام في جنين تهديه عملية جريئة على روحه الطاهرة

خاص-قسام

اقامت حركة المقاومة الاسلامية حماس مؤدبة عشاء في النادي الرياضي في مخيم جنين وذلك على شرف اهالي الشهداء من مخيم جنين والمدينة الذين سقطوا خلال الاجتياحالاخير للمخيم ، وذلك في ختام بيت العزاء الذي اقامته الحركة للقسامي الشهيد لؤي استيتي من مخيمجنين والذي استشهد يوم الخميس الماضي خلال مهمة عسكرية في القدس مع رفيق دربه الشهيد خليل الغروز من مخيم العروب ، ووسط حضور مئات الاهالي ووجهاء المدينة والمخيم وقادة حركة حماس في المحافظة ولفيف من جند كتائب القسام القى الدكتور موسى ابو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي للحركة كلمة توجيهية من دمشق عبر الهاتف، والتي ابتدأها بتقديم التهنئة لأسر الشهداء على اصطفاء الله لأولادهم وإخوانهم إلى جواره ،وقال هنيئاً للشهداء الذين يدافعون بلحمهم الطري عن شرف الأمة ومستقبلها ، فهم العضو الحي منها ، وهم تاج الأمة ودرة فخارها، ثم أرسل عبر الجموع بتهنئة حارة إلى خنساء فلسطين أم الاستشهادي القسامي محمد فرحات في غزة ودعى كافة الأمهات الى السير على خطاها وتخريج الاستشهاديين الذين اعتبرهم أبو مرزوق صناع المجد .ثم وجه الدكتور أبو مرزوق بعض كلامه للسلطة قائلا : إن لا مساومة على دماء الشهداء ولا على الأهداف الوطنية ، كما حث أبو مرزوق السلطة على الوقوف في خندق المقاومة الفلسطينية بعد عشر سنوات من اللهاث السرابي وراء المفاوضات ، كما دعى أبو مرزوق القمة العربية إلى رفض الاجندة الأمريكية وتوحيد كلمتهم إلى جانب المقاومة الفلسطينية، وقال: لسنا ضعفاء ، لأننا نركن إلى الله، لا لأمريكا، وان الشعب الفلسطيني الآن اقرب إلى النصر إن شاء الله اكثر من أي وقت مضى .

ثم كانت للمتحدث الرسمي باسم حركة حماس في فلسطين الدكتور عبد العزيز الرنتيسي كلمة أرسلها عبر الهاتف من غزة الى الجموع المحتشدة هنئهم فيها على استبسالهم في جهادهم ضد مرتزقة شارون وجنوده ،كما وهنأ آلا إستيتي على الشهيد الثالث الذي قدمته العائلة في الانتفاضة الحالية بعد استشهاد عكرمة إستيتي اغتيالا قبل اقل من عام ،وابن حركة حماس الشهيد عبد الرزاق إستيتي في محاولة الاجتياح الأخيرة للمخيم وشقيقه القسامي الاستشهادي لؤي إستيتي الذي استشهد بعد أن انفجرت سيارته وهو في طريقه الى تنفيذ عمليته على مشارف القدس ليلة الخميس الماضي، وقال الدكتور الرنتيسي إن أعناقنا لتشرئب وتناطح السحاب بهذه العائلة العملاقة لأن أمثالها قليل ، وفي ختام كلمته وجه الدكتور عبره ، تحية مقدمة من الشيخ المؤسس احمد ياسين ومن حركة المقاومة الإسلامية حماس ومن جناحها العسكري كتائب الشهيد عز الدين القسام إلى آلا إستيتي وكل شهداء المدينة ومخيمها الصامد.

كما ألقيت العديد من الكلمات في بيت تقبل تهاني استشهاد القسامي لؤي إستيتي حيث ألقى من الأردن الدكتور محمد أبو فارس عضو الهيئة الإدارية لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن كلمة قدم فيها التحية إلى الشهداء والاستشهاديين الذين رفعوا رأس الأمة، والذين يغسلون بدمائهم كل يوم المهانة والخنوع عنها. كذلك ألقى الشيخ إسماعيل هنية مدير مكتب الشيخ احمد ياسن كلمة قدم فيها تحيات الشيخ ياسين إلى كل شهيد واستشهادي في جنين وفلسطين داعياً أهالي مخيم جنين إلى التشبث بديارهم والدفاع عنها بالغالي والنفيس لصد أية عمليات اعتداء جديدة حتى العودة إلى مسقط الرأس في الأراضي المحتلة عام1948، كتائب القسام بدورها لم تترك يت عزاء الشهيد استيتي لينتهي دون ان تهدي روحه الطاهرة هدية تذكارية منها تمثلت في اقتحام مجموعةالشهيد القائدنزيه ابوالسباع في تمام الواحدة من فجر اللية معسكر تياسير في طوباس حيث قتلت قائد المعسكروجرحت ثلاثة اخرين ، في عملية اهدتها رسمياالى روح الشهيد لؤي استيتي وخليل الغروز ، حيث عاهدت الكتائب الامة ان تبقى على نهج الشهيد الراحل وان تكمل مشواره والا تبقي الصهاينة في حلهم وترحالهم الا خائفين مذعورين ، حتى وهم داخل اعتى تحصيناتهم

أعلى الصفحة

******************************************************************************************************************

الشهيد القسامي

احمد بدوي المسالمة

ولد وتزوج واستشهد في شهر حزيران

خاص/قسام

ابنتي الغالية.. فاطمة.. اكتب لك هذه الكلمات لتبقى للأبد حتى لا تنسي هذا الكلام من أعماق قلب أب حنون يحب لك السعادة في الدنيا والآخرة وهذا الكلام ليس مجرد كلام عابر ولكن يجب أن تفهميه وترسخيه في عقلك حتى ينتهي أجلك وأوصيك بتقوى الله وطاعة الوالدين وخاصة أمك في إرضاء الله عز وجل وأتمنى لك النجاح في دروسك دائما والتفوق لكي تبني لك مستقبلا جيدا وأتمنى أن يرزقك الله في هذه الدنيا زوجا صالحا لكي تكوني سعيدة في هذه الدنيا وان يعينك على التغلب على فتن هذه الدنيا لكي نلتقي ان شاء الله في جنة الفردوس الأعلى ونفرح فرحا طويلا لأنها دار القرار والدنيا هي دار الزوال وان تحافظي على الصلاة في وقتها والأدب والأخلاق الحميدة مع معلماتك وصديقاتك الطيبات المؤمنات الصادقات وأريد أن تختاري صديقات ذات أخلاق جيدة وأنت في حسن ظني وظن أهل الإيمان وأوصك بغض البصر خارج البيت في كل مكان ارضاءا لله عز وجل كما أوصيك بالنظافة والاجتهاد وفي عدم الخروج من البيت لوحدك إلا مع احد إخوانك وأنت غير متزوجة وبعد الزواج إن شاء الله تكوني طائعة لزوجك وأوصيك أن تكوني ذات علم نافع للمجتمع الإسلامي ويبني أجيال متعلمين لكتاب الله وسنة رسوله حتى تكوني طائعة لله ورسوله وأبوك الغالي وأمك الغالية … أتمنى لك مستقبلا زاهرا في هذه الدنيا …والله العظيم أريد لك السعادة في الدنيا والآخرة والتوفيق – أبوك الغالي احمد بدوي مسالمة / أبو يحيى.

المقدمة من أين؟؟

هذه المقدمة لم أصغها بعباراتي ولم اصنعها من مدادي وإنما كانت تلك وصية الشهيد احمد بدوي المسالمة لابنته فاطمة التي تدرس حاليا في الصف العاشر والتي قالت بأنها فرحت كثيرا عندما علمت بان والدها استشهد لأنه سيكون في الجنة وسيشفع لسبعين من أهله، وقالت فاطمة أنها لم تبك لاستشهاد والدها إلا عندما شاهدت جدتها تبكي لأنها أحست بإحساس الأم . وهذا ما أردنا أن نبدأ به تقريرنا عن مجاهد نذر كل حياته لله ولأجل دين الله ولأجل وطن كان يقول فيه…

بلادي وان جارت علي عزيزة -- وأهلي وان ضنوا علي كرام

حزيران شهر السعد

الشهيد القسامي البطل احمد بدوي خليل المسالمة ولد في بلدة بيت عوا في منطقة الخليل في 27/6/1967 تزوج في شهر 6 عام 1985 استشهد في 8/6/2002 هذه التواريخ محطات مضيئة في حياة الشهيد احمد المسالمة وقد لفت انتباهنا أن القمر لديه ولد واكتمل وأفل في شهر حزيران . ميلاده فرحة وزواجه فرحة واستشهاده سعادة سرمدية لا تنته. وكان الشهيد أبو يحيى يعمل تاجر أثاث قديم في بلدة بيت عوا 9 كلم جنوب غرب مدينة دورا في محافظة الخليل قبل أن ينتقل الى مدينة دورا ليستقر هناك وللشهيد 5 أبناء وبنتان وهم يحيى ومحمد وحمزة وعبد المحيي ومصعب وعيناء وله أربعة أشقاء وثلاث شقيقات ومن خلال حديثنا مع زوجة الشهيد (ام يحيى تجلت لنا عظمة هذا القسامي البطل الذي نجح في التخفي والتورية لسنوات عديدة وعمل تحت عباءة كتائب القسام منذ اوائل التسعينيات ؟؟

قسامي حتى الثمالة

عندما وصلنا مدينة دورا التي تقطنها أسرته حاليا كنا قد جمعنا الكثير عن الشهيد القسامي أبو يحيى حتى أن اليراع اختار من أين يبدأ ولكننا اخترنا أن نبدأ من القمم الشامخة التي ظل فيها مرابطا منذ صباه حتى استشهاده.

وخلال حديثنا مع مصادر موثوقة قيل لنا بان الشهيد أحسن الانتماء لحركة حماس منذ عام (1989) والتحق بركب الدعوة والتبليغ لمدة سنتين وكانت مهمته في ذلك الوقت إيواء المطاردين الذين استشهدوا بين الأعوام 92-95 وقد عرف منهم كل من طاهر قفيشة وجهاد غلمة وحامد يغمور وكان من أفراد مجموعته الشهيدين القساميين عبد الكريم المسالمة وسليم مطاوع المسالمة من بيت عوا وكانا أحب الناس الى قلبه وكان كثيرا ما يقوم بالمهمات الجهادية معهم .

وفي عام 1994ى التحق بجماعة الدعوة والتبليغ حيث لاحظنا أن الانطباع السائد في بيت الشهيد انطباع دعوي ثوري جهادي تسامى حبا لله وطاعة لتهج رسول الله وتقول زوجته ام يحيى انه دخل في جماعة الدعوة والتبليغ خاصة وأنها لا تطرح الجهاد وسيلة لتغيير المجتمعات وذلك من اجل التمويه وكان شهيدنا البطل مراقبا لمدة 24 ساعة وقد قام بتنفيذ عدة عمليات ناجحة ضد أهداف إسرائيلية ومن القصص البطولة التي رويت لنا عن الشهيد انه كان معتقلا في سجن الظاهرية التابع للسلطة الفلسطينية بتهمة قتل احد عملاء الاحتلال يقول اهله بأنه بريء وعندما اجتاحت القوات الصهيونية البلدة في 11/4/2002 وانتفض شهيدنا كالأسد وطلب من أعضاء أجهزة الأمن أن يعطوه سلاحا كي يقاوم أبناء يهود ولكنهم رفضوا فقام بكسر بوابة السجن وقام بتهريب كافة المعتقلين المتواجدين في السجن وعندما اكتشفت سلطات الاحتلال هذا الأمر قاموا بمطاردته عبر الحقول ولكنه نجح بالفرار وتواري عن عيون الجنود الصهاينة رغم قصفه برصاص عيار 800 حسب ما قاله شهود عيان .

العمليات المنسوبة للشهيد

خلال حديثنا مع مصادر موثوقة وعليمة الإطلاع اتضح لدينا أن الشهيد قام بعدة عمليات ضد الصهاينة ومنها عدة محاولات لعمليات استشهادية لم يكتب لها النجاح وإطلاق نار على مستوطنة شمعة المقامة على أراضي بلدة السموع ولكن لم يقع فيها إصابات لوجود حراسة مكثفة حول هذه المستوطنة ولعدم تمكينهم من قص الأسلاك من حول المستوطنة, كما قام الشهيد بعملية بيت شيمش حيث قام الشهيد بالتسلق على شجرة خضراء وأطلق النار باتجاه باص يقل جنودا صهاينة وقد نجا حينها من الموت بأعجوبة ولم يعرف أيضا عدد الإصابات التي خلفها الحادث وقد علم أن الشهيد تخفى بزي اخضر واعتلى إحدى الأشجار حيث لم يلاحظه الجنود ولا احد من الصهاينة أثناء تنفيذ العملية ومن العمليات التي قام بها عملية مستوطنة أدورة التي قتل فيها خمس صهاينة بتاريخ 27/4/2002 وتقع في منطقة فرش الهوى غرب مدينة الخليل وقد شاركه البطولة في هذه العملية الشهيد طارق رسمي دوفش 21 عاما والذي استشهد في نفس اليوم بعد أن نجحا في اجتياز الأسلاك والتنفيذ والعودة الى مواقعهم غير ان الشهيد طارق حينها أصر على الشهادة حتى نالها وقد استشهد في اشتباك مسلح خارج المستوطنة وقد سرت أنباء على أن هناك شريك ثان للشهيد دوفش وقد علم انه الشهيد احمد المسالمة .

هذا وقد اعتقل الشهيد مسالمة لدى السلطة الفلسطينية في سجن الظاهرية لمدة ثلاث سنوات ونصف وهرب أثناء الاجتياح الأخير لبلدة الظاهرية مع من هرب من السجن وتقول زوجة الشهيد بان أبا يحيى عانى بشكل شديد في سجن السلطة وقد وضع مع سجناء مدنيين من أصحاب السوابق والجرائم وقد كانوا يضعون أفلاما إباحية وقد قام الشهيد بتكسير ثلاثة أجهزة تلفزيونية في السجن على هذه الخلفية .

رؤية العملية قبل التنفيذ؟؟

ام يحيى قالت بأنها رأت رؤيا في المنام بعد أن صلت الفجر في 8/6/2002 حيث شاهدت أن أبا يحيى جاء إليها في منزلها وهو يحمل رشاش ام (16) وعليه آثار غبار المعركة وقد غطيت قدماه بالأعشاب وهو حافي القدمين ثم استلقى على فراشه وقال لها يا ام يحيى لقد دخلت المستوطنة وقتلت الكثير وخرجت منها ولم اعلم ماذا حدث ورائي وتقول ام يحيى أنها رأت هذه الرؤيا في نفس اللحظات التي أعلن فيها عن دخول مستوطنة كرمي تسور .

وتقع هذه المستوطنة بين مدينة حلحول وبلدة بيت أمر شمال الخليل وحسب المعلومات التي وردت عن الشهيد فقد تخفى الشهيد بزي جندي صهوني وكان برفقة مجاهد آخر قام بقطع الأسلاك الشائكة ودخل الى المستوطنة وظل يقاوم حتى قتل مستوطنين وجندي صهيوني وعندما جاءت الوحدات الإضافية ظل يقاوم حتى جاء جندي صهيوني من الخلف وأطلق عليه النار وتقول ام يحيى لقد صليت أربع ركعات شكر عندما سمعت باستشهاد أبا يحيى ركعتين حمدا لله على أن أكرمنا بهذه النعمة وجعل لنا شفيعا من عنده وركعتين اطلب فيها ان يعوضنا الله عن ابي يحيى بالجنان ثم دعوت الله "اللهم آجرني في مصيبتي وأبدلني منها خيرا" وتقول بانها تمنت أن يكون زوجها مثل (عماد عقل) الشهيد الذي نفذ عشرات العمليات الناجحة وكان يحسن التخفي ويحسن التنفيذ ويعود الى قواعده سالما حتى أثخن العدو .

الوداع الاخير

عندما تحدثنا الى ابناء الشهيد أكدوا بأنهم شاهدوا أباهم قبل استشهاده بأسبوع وكان كل اهتمامه بان أوصاهم ان يتمسكوا بالصلاة والأخلاق الحميدة وقالت ام يحيى انه أوصاها بان تربي أبناءها على الجهاد والاستشهاد حتى يلحقوا به في عليين وتقول انه خرج ثم عاد إليها وقال لها سامحيني يا ام يحيى لقد تعذبت كثيرا معي وتحملتني وإنني احتسب ذلك في سبيل الله فقالت إنني أسامحك وفقك الله في كل عمل تقوم به ودعوت الله قائلة "رب ادخله مدخل صدق وأخرجه مخرج صدق واجعل له من لدنك سلطانا نصيرا " اللهم اجعل أعماله شرف لأهل الخليل وفلسطين عامة واشف بها صدور قوم مؤمنين .

وتقول بأنه قال لها لا تشتاقي إلي كثيرا يا ام يحيى سوف آتيك في المنام وتكرر ام يحيى والله انه لرجل صالح لقد قال لي يا ام يحيى لقد تركت أملاكي ومنازلي وجل دنياي في سبيل الله فقلت له لقد ربح البيع يا ابا يحيى وأوصاني أن تؤدي أمه فريضة الحج على حسابه الخاص وأوصاني ضاحكا لا تحزني يا ام يحيى ستكونين أنت الملكة على أل 70 حورية بإذن الله اما ابنته فاطمة فقد قالت هل تشفع لنا يا أبي فقال ولمن اشفع إذن؟؟؟ أتمنى أن يشفعني الله في كل امة الإسلام .

أما ابنته عيناء 5 سنوات فتقول أن أباها قبلها كثيرا وقال لها بلغي تحياتي الى كل من يسأل عني أما أطفاله حمزة ومحمد وعبد المحيي ومصعب ويحيى فقد أوصاهم بان يكونوا مطيعين لوالدتهم حريصين على التمسك بالدين والخلاق الحميدة والعلم

اقتحام المنزل

في اليوم الذي أعلن فيه عن اسم الشهيد احمد مسالمة 8/6/2002 اقتحمت قوات كبيرة مدينة دورا وتقول ام يحيى أن الكابتين (بيرن) جاء إليها واخذ يسأل أين هناء وعندما قابلته قال لي من سيطعم هؤلاء الأطفال الـ (7 )وهم أبناء الشهيد فقلت وقد رفعت إصبع السبابة وأشرت الى السماء الله … الله ..

فقال لي الله ام كتائب القسام ؟؟ وكررها ثلاث مرات ثم سألني أين أبا يحيى فقلت له ادري لقد هرب من سجن الظاهرية ولم أره … فقال لي الم تقرئي الصحف …

ألا تدرين ماذا فعل زوجك ؟؟ فقلت له لقد سمعت ما سمعتم من التلفاز فسألني هل ستقيمين بيت عزاء هنا ام في بيت عوا فقلت له هنا وهناك وتقول في هذه الأثناء انطلق الجنود الصهاينة في المنزل كالكلاب المسعورة يقلبون كل شيء ويدمرون كل شيء ثم تركونا ورحلوا ثم ذهبوا الى بلدة بيت عوا واعتقلوا أشقاء الشهيد محمد 36 عاما وشرحبيل 29 عاما وطلبوا من شقيقه الثالث أمين الحضور الى مكتب الارتباط ثم وعدونا بعودة قريبة ونحن ما زلنا على انتظار.

وهكذا ربما تكون رصاصات الغدر انهت حياة مجاهد نذر حياته لله لكن قوافل الإبطال ما زالت تنير سماء التاريخ ماضيا وحاضرا ومستقبلا وما زالت حنجرة محمد تقول عهدا يا شهيد… رح نوخذ بثأرك عهدا يا شهيد…. عن دربك ما نحيد طيور الجنة دارك…. عن دربك ما نحيد .

-----------------

وصية الشهيد

--------------

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى "ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون" صدق الله العظيم

الحمد لله رب العالمين معز المجاهدين وناصر الموحدين وقاصم اليهود والنصارى والمنافقين والصلاة والسلام على الهادي الأمين محمد بن عبد الله ومن سار على دربه الى يوم الدين.

انا العبد الفقير الى الله عز وجل (الشهيد الحي) احمد بدوي خليل المسالمة من بيت عوا الخليل أقدم نفسي رخيصة في سبيل الله عز وجل لإعلاء كلمته ثم سعينا لتحرير البلاد وبلاد المسلمين من دنس اليهود والمشركين ثم تحرير أقصانا الأسير من أيدي اليهود والنصارى الذين يناصروهم على احتلال الأرض المقدسة فلسطين الحبيبة والغالية ثم ثأراً لشعبنا الفلسطيني عامة لأنه مظلوم ومحروم الحرية ومسلوب الأرض ثم ثأراً لاخواني الذين سبقوني على هذا الدرب من كتائب الشهيد عز الدين القسام خاصة راجيا من الله عز وجل ان يوفقني في عملي هذا ويحتسبني عنده شهيدا ويسكني الفردوس الأعلى من الجنة ويحشرني مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وأوصي إخواني أن يسيروا على درب محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه مهما كانت التضحية

ثم أوصي زوجتي الغالية وأولادي الأحباء السير على هذا الدرب وإخوتي وآخر كلامي وأحب أن اكتب هذه الآية الكريمة

بسم الله الرحمن الرحيم

كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون " صدق الله العظيم

والى اللقاء في جنة الفردوس.

9/6/2002

---------------------

تفاصيل العملية

---------------------

تفاصيل العملية البطولية في مغتصبة "كرمي تسور"

بعون الله وتوفيقه هاهم رجال كتائب الشهيد عز الدين القسام وكما عودتكم تعود من جديد لتضرب بقوة في عملية نوعية استشهد فيها البطل المجاهد ( احمد بدوي المسالمة ) ليجسد مع ابناء مجموعته اعظم أيات التضحية والإقدام فلم تمنعة الدنيا وزينتها من الأولاد وكبر السن والزوجة من تأدية واجبه تجاه الأقصى نيابة عن المسلمين فشهيدنا البطل اشتقاء للقاء الأحبة محمد صلى الله علية وسلم وصحبة رضوان الله عليهم جميعا .

تفاصيل العملية :

بعد رصد الموقع قامت المجموعة الاستشهادية رقم (2) بتنفيذ العملية في الساعة الثانية والنصف فجرا يوم السبت 862002 اقتحمت المجموعة رقم (2) مغتصبة (كرمي تسور) المقامة على اراضي بلدة حلحول وقاموا بمباغتة حرسها الجبناء واطلقوا النار عليهم فأصابوا أحدهم إصابة خطرة وأما زميله فهرب يصرخ مذعورا مخلفا ورائه سلاحه (m 16) وبعدها خرج صهيونيا هو وزوجته من بيتهم من دون وعي فاشتبكا مع المجموعة فقتلاهما وغنما أسلحتهما مجاهدونا وهي عبارة عن (جاليلوا + m 16) وتبين فيما بعد ان هذا الصهيوني هو رقيب يعمل في جهاز الوحدات الخاصة الصهيونية وقد أنهى دورته العسكرية حديثا حسب اعتراف العدو بذلك وبعد قليل جاء جيب عسكري وسيارة إسعاف واشتبكا معهم فاصيب معظمهم وهم جنود فاصيب أربعة منهم إصابات مباشرة فكانوا يصرخون صراخ الجبناء فالجيش الذي لا يقهر قهرناه وقتل أحد الجنود متأثرا بجراحة واستمر الاشتباك مدة نصف ساعة تقريبا فأيقن العدو انه لن ينال منهم فأرسلوا مدرعتين وناقلتي جنود فأحاطوا بالمجاهدين إحاطة السوار بالمعصم واستمر الاشتباك بينهم إلى أن خرج أحد الجنود مرتديا بزة عسكرية مصفحة لا يرى منه شيء فاطلق المجاهدون علية رصاصهم لكن سترتة حالت دون اصابتة فاطلق النار على المجاهدين فاصاب شهيدنا إصابة بليغة فقام اخوة بتامين انسحابه لمنطقة آمنة في المغتصبة فوضع الشهيد رأسة على صدر أخيه حتى استشهد موصيا أخيه قائلا " له لا تقلق علي واستمر بالمقاومة فان انتهت ذخيرتك فانسحب فسينجيك الله فهم ينظرون بنور الطاغوت وانت بنور الله تنظر فلا تحسب لطائراتهم ولا لرشاشاتهم ولا لإناراتهم حساب فالله معك وتبسم شهيدنا ودعا الله لزوجته الصالحة الصابرة" التي كانت دوما خير زاد له ودعا لأولادة وأهلة وللمجاهدين أن يحميهم الله وبعد أن تأكد أخوه من استشهاده ونفاذ ذخيرته انسحب رغم حصار العدو له تحت إطلاق كثيف لنيران العدو عليه حتى اوصلته عناية الله لقاعدته بسلام.

وقد وصف مجاهدنا عملية انسحابة قائلا :

(إن الملائكة كانت ترعى سيره دون إرادة منه ) وذكر رفيق الشهيد احمد انهم اخذوا معهم (تمرات) ليتقويا بها ففي الطريق هما بتناول القليل منها فاقسم الشهيد أن لا يأكل إلا داخل المغتصبة فلما وصلا تناول رفيقة ثلاث تمرات واما الشهيد اقسم قائلا ( بخٍ … بخٍ ) والله لن آكلها إلا في الجنة واقبل على عدوه بشجاعة وإقدام قائلا لشارون السفاح وزمرته الملعونة لن يرهبنا طغيانكم ولا إرهابكم المدعوم من الشيطان الأكبر . "

وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون

وانه لجهاد نصر او استشهاد

كتائب الشهيد عز الدين القسام –فلسطين

الخميس 2/4/1423هـ الموافق 13/6/2002م

*******************************************************************************************************

القائد العام

صلاح مصطفى شحادة

صلاح شحادة .. يا شقيق الروح ..

على مثلكَ أبا مصطفى فلتبكِ البواكي والباكون

لقد فاضت دموع الحب والشوق من عينيّ على هذا الصديق العزيز والأخ الحبيب الشيخ صلاح شحادة ، وأنا أستمع إلى خبر قصف طيار صهيوني بطائرة أمريكية من نوع ف 16 بقذيفة أمريكية تزن طناً موجهة بالليزر الأمريكي لحي الدرج السكني في غزة ، كان أبو مصطفى يتردد عليه متباعداً ولوقت قصير ليطمئن على أهله في إحدى الشقق ، وبدأت أشاهد أشلاء الأطفال والنساء والشيوخ تتناثر وتحترق عبر شاشات التلفاز ، وبدأ الحديث عن استهداف الإرهابيين الصهاينة لقائد كتائب القسام الشيخ صلاح مصطفى شحادة ، وبدأت الأخبار تتضارب عن مصيره بين من يؤكد شهادته ومن ينفيها ، وفزعتُ إلى الدعاء ، وصرتُ كالشاعر المتنبي عندما بلغه خبر وفاة شقيقة سيف الدولة :

طوى الجزيرةَ حتى جاءني خبرٌ -- فزعتُ فيه بآمالـي إلـى الكـذبِ

حتى إذا لم يدع لي صدقُـه أملاً-- شرقتُ بالدمع حتى كاد يشرق بي

ولما تمّ تأكيد كتائب القسام مصرع قائدها العام ومساعده الصديق الحبيب زاهر نصار ( أبو حماس ) راحت الدموع تنهمر، وراح القلب يخفق ، وانطلق اللسان بالحوقلة والاسترجاع ، وتذكرت قولة الفاروق عمر رضي الله عنه حين بلغه خبر وفاة سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضوان الله عليه : " أعقمت النساء أن تلد مثل خالد " ، ولما سمع الباكيات يندبن خالداً قال : " دعوهنّ .. على مثل أبي سليمان فلتبكِ البواكي " ، ورحتُ أكرر هذه العبارات المنطبقة كذلك على هذا البطل كما انطبقت على ذلك البطل : " أعقمت النساء أن تلد مثل صلاح " ، " على مثل أبي مصطفى فلتبكِ البواكي " ، وفررت إلى الصبر والصلاة مصداقاً لقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين " ، ودعوت الله أن يعوضنا ويعوض أهلهما والمسلمين عنهما خيراً ، وخلوتُ إلى نفسي الممزقة وعيني الدامعتين لأستحضر الذكريات العزيزة معهما .

قفزت الذكريات مع الشيخ صلاح إلى خيالي وسيطرت على وجداني ، ونحن نلتقي على موائد القرآن والدعوة والحركة الإسلامية ، ثم عندما كانت تجمعنا الندوات واللقاءات الإخوانية ، وعندما كنا نلتقي سوياً بين يدي الشيخ أحمد ياسين ننهل من علمه وإخلاصه وتوجيهاته ، لقد فرّقنا الصهاينةُ فسجنوه وأبعدوني عن الوطن منذ أحد عشر عاماً ، وكان أبو مصطفى يومها شاباً رائع الشباب ، صاحب قامة فارعة ، وجسد قوي ، وعضلات مفتولة ، وإرادة صلبة لا تلين ، وصوت جهوري إذا اعتلى المنابر يهزها كأنه قصف الرعود أو زئير الأسود ، وهادئ هامس إذا تحدث مع إخوانه أو أصدقائه ، ووجه وسيم صبوح ، وابتسامة لا تفارق محياه ، فيه حياء المؤمن في أدب رفيع ، وثبات المتوكل على الله ، هو الزاهد في الدنيا ، المقبل على الآخرة ، المشتاق للشهادة ، الناشئ على طاعة الله منذ طفولته ، الحريص الدائم على الاقتداء في كل حركة وسكنة من حركاته وسكناته بالحبيب الرسول الأكرم صلوات ربي وسلامه عليه وتوجيهاته وأوامره ونواهيه ، التزم مبكراً بالحركة الإسلامية والدعوة الإسلامية أثناء دراسته الجامعية في الاسكندرية ، عاش نقي القلب واليد طوال عمله مفتشاً للشئون الاجتماعية في قطاع غزة ثم مسئولاً لشئون الطلاب في الجامعة الاسلامية لغزة ، كان يعيش في بيت متواضع مع زوجته وبناته الست في قرية بيت حانون التي عاش فيها ، ولقد غضب غضباً شديداً عندما بنى إخوانه في الحركة لأسرته بيتاً أكبر وأفضل من بيته القديم أثناء سجنه الطويل ، إنه حافظ القرآن ، وخطيب الجمعة المفـوّه الذي لا يضاهيه خطيب ، حيث كان يؤم مسجده في بيت حانون وغيرها آلافُ المصلين والشباب المؤمن المجاهد .

فلسطين في قلب الشيخ صلاح شحادة : نشأ الشيخ صلاح على الإيمان والتقوى وحب فلسطين ، وكيف لا ؟ وهو ابن مدينة يافا الساحليه الجميلة التي احتلت عام 1948 وتم تشريد أهلها منها ، ومنهم أهل الشيخ صلاح إلى قطاع غزة حيث ولد عام 1952م ، وآمن منذ نعومة أظفاره بأن فلسطين أرض وقف إسلامي لا يجوز التفريط بذرة منها ، وأنها قضية إسلامية يجب على كل المسلمين العمل لتحريرها ، وأن الجهاد هو الوسيلة الوحيدة للتحرير وإزالة الكيان الصهيوني الغاصب من الوجود.

انضم منذ شبابه المبكر إلي الحركة الإسلامية وبايع الشيخ احمد ياسين علي الإسلام والجهاد ، وانضم إلى الجناح العسكري الأمني واسمه «منظمة الجهاد والدعوة » "مجد " وقاد المجاهدين الذين نفذوا الكثير من العمليات الجهادية ضد الجنود الصهاينة ، كما حققوا اختراقاً أمنياً للعدو من خلال اعتقال بعض العملاء والتحقيق معهم ، وكشف الشبكات الصهيونية التجسسية ثم إعدام هؤلاء العملاء .

الاعتقال الأول : اعتقل الشيخ صلاح عام 1984م بعد اكتشاف الصهاينة لمخزن سلاح واكتشاف تنظيم عسكري يرأسه الشيخ احمد ياسين ، ورغم بشاعة التحقيق الصهيوني مع الشيخ صلاح شحادة الا أنه صمد في التحقيق ولم يعترف بأي علاقة له مع العمل العسكري ، ومع ذلك حكم عليه الصهاينة بالسجن لمدة سنتين وفق قانونهم الجائر ، خرج بعدها أشد مراساً وأقوى شكيمة ، وأحرص على الجهاد والعمل العسكري لمقاومة الاحتلال .

ولما اندلعت الانتفاضة الإسلامية الأولى عام 1987م كان أحد المشاركين في تأسيس حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بصفته مسئولاً عن المنطقة الشمالية في قطاع غزة ، إلى جانب شيخه واستاذه الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبدالعزيز الرنتيسي والشيخ عبد الفتاح دخان وآخرين ، وتولى قيادة الجناح العسكري لـ «حماس» منذ ذلك الوقت ، واعتقل من قبل الصهاينة عند اختطاف كتائب القسام عام 1988م لعسكريين صهيونيين هما " آفي سبورتس و إيلون سعدون " ، واتهم بأنه جند الخاطفين ، وأعطى الأوامر بصفته قائد الجناح العسكري ، واعتقل معه بعض المجاهدين وعلى رأسهم المجاهد محمد الشراتحة ، واختفى آخرون كانوا يعلمون الأسرار التفصيلية ، ولم يعترف أبومصطفى بالتهم المنسوبة إليه رغم خضوعه للتحقيق الوحشي أكثر من 200 يوم ، وأصدرت المحكمة العسكرية الصهيونية حكمها عليه بالسجن عشر سنوات.

صلاح شحادة والإرهابي اسحاق مردخاي :

كان الإرهابي الصهيوني اللواء اسحاق مردخاي قائداً للمنطقة الجنوبية التي تضم قطاع غزة والنقب في جيش الاحتلال الصهيوني عام 1988م (قبل أن يصبح وزيراً للحرب) ، وقد حضر هذا الإرهابيُّ مردخاي إلى سجن غزة حيث كان يعتقل الشيخَ صلاح واستدعاه إلى مكتب مدير السجن ، فجاء به الجنود الصهاينة مقيد اليدين والرجلين ، فأبى الشيخ العزيز أن يتحدث مع مردخاي حتى يتم فك قيوده ، فاستدعى مردخاي الجنود لحمايته من هذا الأسد الأسير وأمر بفك قيوده ، وسأله عن مكان جثث العسكريين الصهيونيين ، فأنكر الأسد الهصور صادقاً معرفته أو معرفة أحد من إخوانه السجناء بالمكان ، فقال له الإرهابي مردخاي :

ـ يا جنرال صلاح إنّ جنودك جبناء يكذبون .

فقال له الشيخ صلاح :

ـ اعلم أيها الجنرال أن رجالي مؤمنون وشجعان لا يعرفون الكذب ولا يجبنون ، لقد اختطفوا جنودك وهم مدججون بالسلاح ، بينما يقتل جنودك الأطفال والنساء والشيوخ والشباب العزل ، وقد بالوا على أنفسهم عندما تمّ اختطافهم، وقبّـلوا أقدام المجاهدين لإطلاق سراحهم ، وكانوا يصرخون ويبكون كالنساء ويستنجدون بأمهاتهم ، عندها خرج الإرهابي غاضباً خجلاً من فعل جنوده الجبناء .

شهادة الأعداء لشيخ المجاهدين :

يتفق محبو الشيخ وأعداؤه على حد سواء على الخصال الرفيعة التي يتصف بها والتي تليق بقائد شجاع ومقدام وصلب ذي عقلية فريدة على التنظيم ، ورغم الفرحة العارمة التي غمرت الصهاينة بقتله إلا أنهم لم يستطيعوا أن يخفوا خصاله ومآثره ، فهذا يعقوب بيري رئيس جهاز الأمن الصهيوني السابق ( الشاباك ) يقول في مذكراته التي تمت ترجمتها للعربية:

" صلاح شحادة يمتلك شخصية قوية وصلبة وقادر على امتصاص جميع وسائل التعذيب ، ومواجهة أية إغراءات في التحقيق ، شحادة هو كاتم أسرار الشيخ أحمد ياسين ، وهو ضليع في الشؤون الدينية وحسن المحيا ، يخفي وراء هذا القناع شخصية أحد القادة الأكثر قسوة في أوساط " حماس " ، ويروي بيري بأنه فشل في التأثير على شحادة ودفعه إلى الاعتراف بالتهم الموجهة إليه ، ولكي يضاعف من التأثير عليه أحضر في إحدى جلسات التحقيق التي كان يشرف عليها بنفسه قائد القطاع الجنوبي في جيش الحرب الصهيوني وقتذاك اسحاق مردخاي وضباط آخرين رفيعي المستوى في التحقيق ومع ذلك لم يفلح الجميع في التأثير على إرادة الشيخ ، وقال بيري : " لقد حرمناه من النوم لفترات طويلة ، وحققنا نعه بصورة مكثفة وطويلة ، لكنه كان قوياً ومصراً على عدم الخنوع " .

قضى الشيخ سنوات سجنه صابراً محتسباً رغم كل الظروف القاسية التي أحاطت به ، ورغم فترات طويلة من سجنه الانفرادي في زنزانة ضيقة ، شغل نفسه فيها بحفظ القرآن وتلاوته والصلاة والقيام وذكر الله والتضرع إليه ، يردد قول الشيخ ابن تيمية رحمه الله : " أتهددونني بالسجن .. اعلموا أنّ سجني خلوةٌ مع الله " ، فكان السجن عند أبي مصطفى خلوة مع الله ، وتطهيراً للنفس وتزكية للفؤاد ، وكان فرصة للتفكير العميق والتخطيط الدقيق لابتكار أساليب جديدة في العمل العسكري المقاوم ، وكان أباً حنوناً للمعتقلين من كل التنظيمات الفلسطينية يعلمهم الإسلام ، ويعينهم على الصبر والمصابرة ، ويشغل أوقات فراغهم بالنافع المفيد من حفظ للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، وسيرة سيد الأنام محمد (ص) وتاريخ الاسلام العظيم ، ورجاله الأفذاذ ، وحب فلسطين وواجب الجهاد لتحريرها ، إلى جانب تسليتهم وتقوية أجسادهم بفنون الرياضة المختلفة ومنها المصارعة اليابانية التي كان يجيدها إلى حد حصوله على الحزام البني فيها منذ دارسته في الاسكندرية ، وكان يوجه نصائحه لإخوانه المجاهدين عبر رسائل يتم تهريبها من سجنه .

الإفراج عن الشيخ بعد إضافة حكم جديد :

عندما حل موعد الإفراج عن الشيخ بعد عشر سنين من سجنه عاقبه الصهاينة بتوصية من قادتهم بتمديد سجنه ستة وعشرين شهراً جديدة ، وكانوا أحرص على إبقائه لولا أن الله أنجاه منهم وخرج عام 2000م سالماً من سجون الظالمين الصهاينة ليزور أولاً قبر أبيه الذي توفي حسرة عليه أثناء اعتقاله ، ويرى بناته الست الصغيرات قد كبرن وتزوجت بعضهن وأنجبن له أحفاداً يحمل بعضهم اسمه العزيز .

لم يضع وقتاً طويلاً بعد الإفراج عنه حتى عاد الشيخ إلى قيادة كتائب القسام ليطور عملياته وإمكانياته ، وليختفي عن الأنظار ويصبح المطلوب رقم 1 لجيش القتلة الصهاينة بعد انتفاضة الأقصى، وليوجع الصهاينة بعمليات القسام الاستشهادية والعسكرية وصواريخ القسام التي تم تصنيعها وتطويرها بجهود ذاتية وإمكانيات متواضعة والتي أوقعت في جنود العدو وقطعان مستوطنيه المئات من القتلى والآلاف من الجرحى ، وتلاحقه استخبارات العدو لتصفيته بعد أن أقض مضاجعهم ونكّل بهم ، والله ينجيه في مرات كثيرة من شرورهم ومكرهم ، إلى درجة أن الإرهابي شارون كان يخطط لاجتياح قطاع غزة كما اجتاح الضفة الغربية لعله يعتقل أو يغتال الشيخ صلاح شحادة كأحد أهم أهداف الاجتياح كما صرح الصهاينة.

الفوز بالشهادة التي تمناها :

كانت نفسه تتوق للشهادة ولقاء الله والجنة ، وعندما ودّع ابنَ اخته الشاب الحبيب إلى قلبه بلال شحادة ، والذي كان يشبه خاله خَلقاً وخُلُقاً قبل شهور بعد أن هيأه لعملية جهادية في مغتصبة نتساريم الصهيونية وداعاً يعلم أنه لا لقاء بعده في الدنيا، أوصاه بتقوى الله والثبات عند اللقاء وفاضت دموعه وهو يقول له : " ادعُ الله لي بالشهادة لعلنا نلتقي قريباً في الجنة " وصيته مدرسة في الإيمان والإخلاص :

كتب الشهيد وصيته التي تدلّ على إخلاص لله قلّ نظيره ، وتوق للشهادة قلّ مثيله قال فيها :

" أولاً : أوصيكم بتقوى الله والجهاد في سبيله ، وأن تجعلوا فلسطين أمانة في أعناقكم وأعناق أبنائكم إلى أن يصدح الآذان في شواطئ يافا وحيفا وعسقلان .

ثانياً : أوصي في كل أموالي وديوني التي ستفصل في ملحق خاص بتنفيذ حكم الله فيها من عالم شرعي مختص من أتقياء المسلمين حسب شرعنا الحنيف .

ثالثاً : أوصي أن يتولى غسلي ـ إن غُسلتُ ـ الأخُ نزار ريان ( شيخ واستاذ في الجامعة الإسلامية وصديق للشهيد ووالد شهيد ) ، فإن لم يكن فالأخ عبد العزيز الكجك ( شيخ ومصلح ووالد شهيد ويعمل بالجامعة الإسلامية ) ، على أن يسترا عورتي ، ويحفظا سري ـ حفظهما الله ـ وأن يتولى لحدي في قبري أحد الأخوين المذكورين . ( ملاحظة : لم يبق من جسد الشيخ الشهيد قطعة واحدة معروفة له ) .

رابعاً : تنتهي التعزية بي عند قبري ، وإني برئ من كل من يقوم بنصب مأتم لي ، وأبرأ إلى الله من كل عمل يخالف شرع الله من نياحة أو لطم للخدود أو شق للجيوب أو نتف الشعور أو تكبير صوري ووضعها على الجدران .

خامساً : أوصي أهلي وزوجتي وذريتي بالدعاء لي بالمغفرة والستر ، وأن يسامحوني من أي عمل يجدونه في خواطرهم على سببته لهم .

سادساً : أن يكون قبري بجوار قبور الصالحين ما أمكن ، وألا يُبنى قبري أو يُجصّص ، أو يُكتب عليه الشهيد ـ وإن استشهدت ـ فالله أعلم بعباده .

وأخيراً أدعو الله تعالى أن يرحمني وإياكم ، وإلى لقاء عند رب غفور رحيم كريم بإذنه تعالى " .

كتب الشهيد وصيته في 20 صفر 1422 هـ ( قبل أكثر من عام ) وأشهد عليها أحد إخوانه الشيوخ ، إلا أنّ الله سبحانه وتعالى مدّ في عمره إلى أجله المحتوم ريثما يوقع المزيد من القتلى والجرحى في صفوف الأعداء الصهاينة ، ويثأر للأبرياء من أبناء فلسطين ، ويعدّ قادة يخلفونه ، ولما دنا الأجل وحان وقت الشهادة نالها مع شريكة عمره الصابرة زوجته ليلى وبنته الصغرى إيمان (15 عاماً ) ، إلى جانب رفيق جهاده الشهيد زاهر نصار ( أبو حماس ) ، ليرتقي معهم أربعة عشر شهيداً من أطفال ونساء وشيوخ الجيران ، ويجرح مائة وخمسون آخرون من جيرانه الذين أحبوه وتعلقوا به في حياته ولحق بعضهم به بعد شهادته ، وبقي بعضهم ينتظر الشهادة ويشكو إلى الله ظلم الصهاينة والأمريكان والصامتين الذين ماتت ضمائرهم وهم يرون البيوت تُهدم على رؤوس أصحابها النائمين في جوف الليل بالقنابل الفراغية والمتفجرة الأمريكية الصنع والتي تزن الواحدة منها أكثر من طن تفرغها الطائرات المقاتلة الأمريكية ، والعالم الجاحد والأمم المتحدة المسخ والإرهابي بوش وإدارته الصليبية المتصهينة لا يهتز فيهم عرق إنساني وهم يستمعون إلى الإرهابي شارون يهنئ جيش الاحتلال والإرهاب على نجاح هذه المجزرة الإجرامية ، وبينما كان أكثر من مائتين وخمسين ألفاً من سكان قطاع غزة الذي لا يتجاوز عدد سكانه المليون إلا بقليل يشيعون الشهداء باكين صارخين بالانتقام كانت تتردد في بعض جوانب العواصم العربية والإسلامية بعض أصوات تدين علي استحياء هذه الجريمة ، بينما يلتزم الآخرون الصمت الرهيب ، وكأن الأمر لا يعنيهم من بعيد أو قريب ، ويستمر إعلام بعضهم يذيع الأغاني الماجنة ، ويعرض الراقصات العاريات والأفلام الخليعة دون خوف من الله أو حياء من الناس ، وبينما كان طيران العدو يعربد في سماء فلسطين ينشر الموت والخوف والدمار لم تتحرك طائرة ولم ينطلق صاروخ أو قذيفة ولو في فورة غضب ونخوة عربية أو حمية إسلامية دون إذن الحاكم القابع على عرش الذلة والهوان لتثأر لدماء هؤلاء الشهداء الفلسطينيين العرب المسلمين الأبرياء ، بل أقل من ذلك بكثير بإيصال بعض السلاح للفلسطينيين ليدافعوا به عن أنفسهم بدل اعتقال مرسلي السلاح أو قتلهم ، ولم يتم ُطرد سفير صهيوني أو أمريكي ولم تُقفل سفارة صهيونية في بلاد العرب والمسلمين ، ولم تخرج مسيرة صاخبة في العواصم العربية والإسلامية تنادي بالموت لـ "اسرائيل" وأمريكا ، وتدعو للثار والانتقام وضرب مصالح الإرهاب الأمريكي ولو بالكلام .

اللهم إنا نبرأ إليك من الصامتين والمتخاذلين والمطبعين ، اللهم إنا نشهدك أنّ الثأر المقدس قادم ليزلزل كيان الصهاينة مهما كلف الثمن .

فإما حياةٌ تســرّ الصديق وإما مماتٌ يغيظ العدا

إنّ دماء هؤلاء الشهداء لن تضيع سدىً ، وإنّ لهؤلاء الشهداء الأعزاء بواكي وباكين بكوا ويبكون عليهم ولن يكتفوا بالبكاء ، وسوف يجعلون نساء ورجال يهود يندبون ويبكون كما بكت نساء ورجال فلسطين والعرب والمسلمين ، وسوف يشفي الله بهم الصدور ، ويذهب غيظ القلوب .

مصداقاً لقوله تعالى :

" قاتلوهم يعذبهم اللهُ بأيديكم ويُخزهم وينصْركم عليهم ويشفِ صدورَ قومٍ مؤمنين ، ويذهبْ غيظ َ قلوبهم ويتوبُ الله ُ على من يشاء ُ والله ُ عليم ٌ حكيم " صدق الله العظيم ( التوبة 14 ) .

أبو محمد مصطفى

ممثل حركة المقاومة الإسلامية " حماس "

***************************************************************************************************************

من الميلاد إلى الاستشهاد

رحلة جمعت بين العمل السياسي و النقابي و الأكاديمي و الاجتماعي

إسماعيل أبو شنب

قتله شارون لاعتداله و دوره في توحيد الصف الفلسطيني

خاص - قدس برس :

يعتبر المهندس إسماعيل أبو شنب القيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس" ، الذي اغتالته الخميس القوات الصهيونية بقصف سيارته بغزة من القلائل الذين جمعوا بين العمل السياسي و النقابي و الأكاديمي و تفوّق في هذه المجالات بشكلٍ كان ملفتاً للنظر ، كما كان اجتماعياً محبوباً في أوساط الفلسطينيين الذين بكوه بحرقة بعد إعلان استشهاده اليوم .

ميلاده و نشأته :

ولد المهندس إسماعيل حسن محمد أبو شنب "أبو حسن" في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة عام 1950 و ذلك بعد عامين من هجرة عائلته من قرية "الجيّة" و التي تقع جنوب شرق المجدل و عسقلان ، حيث استقرت لأسرته في نفس المخيم .

نشأ أبو شنب نشأة السواد الأعظم من أبناء فلسطين الذي هجّروا من ديارهم في نكبة عام 1948 ، فالمخيم هو عالمهم ، و الفقر هو القاسم المشترك الذي يجمعهم . و كان والده "حسن" أمياً و لكنه كان يستطيع قراءة القرآن الكريم . و كان حريصاً على تعليم أبنائه و خاصة القرآن الكريم ، فما إن فتحت بعض مراكز تعليم القرآن الكريم أبوابها حتى سارع باشراك إسماعيل و هو طفل صغير فيها ، و قد قدّر له أن يحفظ حوالي نصف القرآن الكريم و هو ما يزال في المرحلة الابتدائية من تعليمه .

قضى معظم دراسته الابتدائية في مدرسة وكالة الغوث في النصيرات ، كان ذلك ما بين عامي 1956 و 1961 حيث تأثّر كثيراً حينها بتوجّهات و رعاية الأستاذ حماد الحسنات أحد الدعاة في منطقة النصيرات "و هو من قادة حركة حماس" .

كان والده جاداً مجداً في السعي على عياله يفلح الأرض عند بعض الناس ، حيث أخرج من أرض في "الجيّة" حانوتاً صغيراً يبيع فيه بعض الحاجيات لسكان منطقته من اللاجئين في المخيم و من البدو الذي يقطنون بالقرب منه .

و توفيّ الوالد و الأطفال لا يزالون صغاراً ، أكبرهم كان إسماعيل ، و الذي كان ما يزال في المدرسة الابتدائية ، و تولي رعاية العائلة بعض الأقارب ، الذين رأوا أن تنتقل عائلة إسماعيل إلى مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة ، حيث يقطن العديد من أقاربهم هناك .

و بعد أن أكمل أبو شنب المرحلة الإعدادية من دراسته في مدرسة غزة الجديدة التابعة لوكالة الغوث في عام 1965 انتقل إلى مدرسة فلسطين الثانوية ، و كان دائماً من الطلاب المتفوّقين في صفه .

دراسته :

وضعت حرب عام 1967 أوزارها .. و قد أنهى إسماعيل الصف الثاني الثانوي ، و في أول أعوام الاحتلال تقدّم إسماعيل مع من تقدّم من الطلاب لامتحان الثانوية العامة و ذلك في صيف عام 1967 ، و حصل على شهادة الثانوية العامة ، و التي لم تعترِف بها أيٍ من الدول العربية في ذلك الوقت .

فالتحق بمعهد المعلمين برام الله ليدرس اللغة الإنجليزية و مدة الدراسة في هذا المعهد سنتان ، حيث يتخرّج الطالب و يصبح مؤهلاً ليكون معلماً في مدارس الوكالة .

و في عام 1969 جرت ترتيبات مع الحكومة المصرية ، عن طريق منظمة اليونسكو و اللجنة الدولية للصليب الأحمر لإجراء امتحانات الثانوية العامة في قطاع غزة بإشراف وزارة التربية و التعليم المصرية حتى يمكن لطلاب القطاع أن يحصلوا على شهادات مصدقة و موقعة من جهة عربية ، كي يتمكّنوا من إكمال دراستهم العليا .

تقدّم أبو شنب إلى هذا الامتحان إلى جانب دراسته بمعهد المعلمين و نجح فيه ثم تقدّم بطلب لمكتب تنسيق القبول للجامعات المصرية و تم قبوله فعلاً ، ترك إسماعيل الدراسة في المعهد رغم أنه لم يبقَ على تخرجه منه إلا أشهراً معدودات ، فقد كان طموحاً أكثر مما يمكن أن تقدّمه له الدراسة في المعهد .

و في شهر شباط عام 1970 وصل طلاب القطاع إلى مصر ، و في تلك الفترة كان من الصعب على الكثير منهم الانتظام في الدراسة ، و قد مضى ثلثا العام الدراسي و أمامهم تقف مشكلات في التأقلم مع ظروف الحياة المصرية في المدن و التي يختلف جوّها كثيراً عن أجواء المخيمات الفلسطينية في ذلك الوقت .

قرّر أبو شنب أن يتقدّم لامتحان الثانوية العامة للمرة الثانية ، و أن يستثمر الأشهر القليلة الباقية في الدراسة علّه يحصل فرصة أفضل تمكّنه من دخول كلية الهندسة ، و فعلاً تم له ذلك أخيراً ، فقد قبل في المعهد العالي الفني "بشبين الكوم" ، و انتقل في السنة التالية إلى المعهد العالي الفني بالمنصورة و الذي تحوّل فيما بعد إلى جامعة المنصورة ، و تخرّج من كلية الهندسة بجامعة المنصورة عام 1975 بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف و كان الأول على دفعته .

العودة إلى الوطن :

و قد عرض عليه أحد أساتذته في الجامعة أن يتم تعيينه "معيداً" في الكلية و لكنه فضّل أن يعود إلى قطاع غزة ليعمل هناك ، و فعلاً عاد و اشتغل مهندساً للمشاريع في بلدية غزة لمدة خمس سنوات ، عرفه خلالها زملاؤه ، و من احتك به ، مهندساً متميزاً سواء في الناحية الأخلاقية أو المهنية و يشهد بذلك الكثير ممن عرفه .

و في تلك الفترة اعتزمت جامعة النجاح الوطنية بنابلس أن تفتح كلية الهندسة فيها ، فأعلنت عن توفير بعثات دراسية للمهندسين ، لاستكمال دراستهم العليا ليعودوا ليعملوا مدرسين في كلية الهندسة ، و تقدّم أبو شنب بطلب للانبعاث للدراسة و تم اختياره لهذا الغرض فاستقال من عمله في بلدية غزة و سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية حيث حصل على درجة الماجستير في هندسة الإنشاءات من "جامعة كالورادو" عام 1982 .

و عاد أبو شنب إلى جامعة النجاح ليدرّس فيها ، ثم سنحت له فرصة إكمال دراسته مرة أخرى ، فرجع إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1983 ، حيث بدأ الدراسة للحصول على شهادة الدكتوراه ، و لكن جامعة النجاح استدعته لحاجتها الماسة له و لأمثاله للتدريس في الجامعة ، فقطع دراسته و عاد إلى الجامعة و عيّن قائماً بأعمال رئيس قسم الهندسة المدنية في عام 1983 – 1984 و ظلّ يدرس في الجامعة حتى أغلقتها سلطات الاحتلال مع اشتعال الانتفاضة أواخر عام 1987 .

وضعه الاجتماعي و النقابي :

أبو شنب من القلائل الذين استطاعوا التوفيق و الجمع بين إبداعهم في مجال تخصّصهم و بروزهم و مشاركتهم الواضحة في الحياة العامة و حمل هموم الأهل و الوطن ، حيث كان لا يدع فرصة للخير صغيرة كانت أم كبيرة إلا و يحاول أن يكون له فيها نصيب و كان هذا بالإضافة إلى قدراته الشخصية و مواهبه سبباً في أن يكون أحد الشخصيات الاجتماعية المرموقة في القطاع .

و كان له دور مهم خلال الأحداث المؤسفة التي وقعت بين التنظيمات الفلسطينية في عام 1986 في قطاع غزة حيث تداعت المؤسسات و الهيئات الأهلية في القطاع لوأد الفتنة و تم اختيار المهندس إسماعيل أبو شنب عضواً في لجنة الإصلاح المنبثقة عن هذا التجمّع و قد أدّت اللجنة دوراً طيباً في تصفية الأجواء و تهدئة الخواطر .

و في المجال الاجتماعي الخيري العائلي كان أقرباؤه و جيرانه يلجأون إليه عند الخلاف و النزاع فيبذل جهده لنصحهم و حلّ مشكلاتهم و التوفيق بينهم و كان جيرانه و أهالي الحي الذي يسكن فيه حالياً "حي الشيخ رضوان بمدينة غزة" يعرفونه شخصاً مؤدّياً للواجب بل مبادراً إليه ، و كان أهل الخير في الضفة و غزة يلجأون إلى مكتبه الهندسي لعمل التصميمات الهندسية و أخذ الاستشارة لبناء المشاريع الخيرية و المساجد و غيرها مجاناً و دون أن يتقاضى عليها أجراً .

نقيب المهندسين :

أما في مجال العمل النقابي فيعتبر أبو شنب رائداً في هذا المجال فهو من مؤسسي جمعية المهندسين الفلسطينيين في قطاع غزة عام 1976 ، و كان عضواً في مجلس إدارتها من عام 1976 و حتى عام 1980 ثم انتخب رئيساً لمجلس إدارتها و نقيباً للمهندسين في نفس العام ، حيث ترك هذا المنصب لسفره للدراسة في أمريكا و مصر ، و بعد عودته من هناك تم انتخابه عضواً لدورتين متتاليتين و جرى اعتقاله في عام 1989 ، و هو يحمِل هذه الصبغة ، و بعد الإفراج عنه في عام 1997 ، أعيد انتخابه رئيساً لمجلس إدارة الجمعية و نقيباً للمهندسين حتى اللحظة .

و أثناء عمله في التدريس في جامعة النجاح كان له دور بارز في توجيه الحركة الطلابية و النقابية في الجامعة لتكون في موقع الريادة للمجتمع الفلسطيني في مواجهة المحتلين .

و بعد عامٍ تقريباً من إغلاق الجامعة مع بداية الانتفاضة استقال من الجامعة في أواخر عام 1988 و عمل مهندساً في وكالة الغوث حيث مارس عمله النقابي هناك حتى اعتقاله في أيار (مايو) لعام 1989م .

أبو شنب هو عضو مؤسس للجمعية الإسلامية بغزة عام 1976 ، و التي واكبت ظهور المجمع الإسلامي و الذي كان له دور رئيس في استقطاب الشباب الفلسطيني و إنقاذهم من وحل الاحتلال الذي كان يحاول أن يدمّر أخلاقهم الأمر الذي اعتبر رافداً هاماً من روافد اندلاع الانتفاضة المباركة حيث كان للجمعية نشاطات اجتماعية و ثقافية و رياضية ..الخ ، و هو كان حتى استشهاده محاضراً في كلية الهندسة بالجامعة الإسلامية بغزة ، و رئيس كلية العلوم التطبيقية في الجامعة .

عمله الكفاحي :

تأثّر أبو شنب بالشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة "حماس" منذ كان صغيراً ، حيث كان يسكن في نفس مخيم الشاطئ الذي يقطن فيه الشيخ ياسين آنذاك حيث كان الأخير و رغم إعاقته الجسدية دائب الحركة و النشاط و كان له تأثير واضح و كبير في الحياة الاجتماعية و الثقافية للمخيم ، و في نهاية الستينيات تعرّف على العمل الإسلامي من خلال الشيخ ياسين ، حيث قويت هذه الروابط حينما ساهم أبو شنب بتأسيس الجمعية الإسلامية التي كانت امتداداً للمجتمع الإسلامي الذي كان يرأس إدارته الشيخ أحمد ياسين في ذلك الوقت .

و لعب أبو شنب خلال الانتفاضة الأولى دوراً مميزاً في قيادتها منذ الشرارة الأولى لاشتعالها و ظلت بصماته واضحة عليها حيث و منذ اليوم الأول الذي اندلعت به الانتفاضة كلّفه الشيخ أحمد ياسين بمسؤولية قطاع غزة في تفعيل أحداث الانتفاضة و كان نائباً للشيخ ياسين ، و قد عمل أبو شنب منذ اليوم الأول في الانتفاضة على متابعة كافة الأحداث التي تقوم بها حماس و عمل على تقوية هذه الثورة من خلال عوامل كثيرة و تطوير أساليبها حتى لا تقتصر على الحجر فحسب ، أيضاً عمل على تنظيم الأجهزة المتعددة للحركة و ترتيبها و تفرّد كلّ جهاز بعمله الخاص حتى اعتقل في إطار الضربة التي وجهتها المخابرات الصهيونية لحركة حماس و كان ذلك بتاريخ 30/5/1989م ، و قد أفرج عنه بتاريخ2/4/1997م .

داخل السجن :

و لم يتوقّف أبو شنب عند اعتقاله عن العمل فهو و منذ اللحظة الأولى لاعتقاله أدرك أنه انتقل إلى مرحلة جديدة في العمل الجهادي و هيّأ نفسه جيدا لهذه المرحلة و كان مدركاً تماماً أن البداية ستكون صعبة جداً و فعلاً أخضع للتحقيق من قبل المخابرات الصهيونية في سجن الرملة و عذّب عذاباً قاسياً لمدة ثلاثة شهور و بعد هذه الفترة من التعذيب تم نقله إلى زنازين العزل في نفس السجن ظلّ فيها مدة 17 شهراً لم يرَ النور فيهم ، و من ثم و في عام 1990 و بعد انتهاء فترة العزل أصبح ممثلاً للمعتقل في الرملة ، و قد شكّل داخل المعتقل قيادة حركة حماس و ذلك بعد اعتقاله من سجن الرملة إلى سجن عسقلان ، حيث أمضى بعد ذلك باقي مدة محكوميته البالغة ثماني سنوات قاد خلال هذه الفترة حركته بصورة رائعة ، حيث لم تشهد الحركة الأسيرة قائداً مثل أبي شنب حيث خاض و إخوانه المعتقلون إضرابين كان لهما أثراً بالغاً على تحسين حياتهم داخل السجن و حقّقوا من خلالهما إنجازات عظيمة و ذلك في عام 1992 ، و في عام 1995 .

و لعب أبو شنب بعد الإفراج عنه دوراً مهماً كقائد سياسي في الحركة حيث كان يمثل الحركة في الكثير من اللقاءات مع السلطة و الفصائل ، و كان يُعرَف عنه بآرائه المعتدلة ، و هو يرأس مركز المستقبل للدراسات ، و استشهد اليوم الخميس في قصف سيارته مع اثنين من مرافقيه في مدينة غزة .

أعلى الصفحة